الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في أعمال الفنانة التشكيلية السعودية فاطمة النمر

قراءة في أعمال الفنانة التشكيلية السعودية فاطمة النمر

تزاوج الخامات والفنون أسس لصناعة المنمنمة المعاصرة

تشّهد الساحة التشكيلية النسائية العربية المعاصرة صحوة تتصاعد شيئا فشيئا ولو ببطء.
فالأثر الفني النسائي إن صحت العبارة لطالما كان مغيّبا مقارنة بالأثر الفني الرجالي حتى في كتابة تاريخ الفنون، وهذا عائد لعدة أسباب لعلّ أهمها قلة عدد النساء اللواتي يمارسن الفن مقارنة بالرجال بحكم ظلم المجتمعات وتزمّتها وهذا ما جعل حقهن يهضم.
فكون مجتمعاتنا ذكورية بالأساس هذا ما جعلها تميّز الرجل عن المرأة في مختلف المجالات، ولا يزال إلى اليوم هذا التمييز قائما في ميدان الفنون التشكيلية.
ولعلّ التظاهرات التي تقام في مختلف الدول العربية والتي أصبحت تقليدا دائما، لطالما كان اهتمامها استقطاب الفنانين الرجال وتأتي الأنثى تكملة عدد.
أما في منطقة الخليج على وجه الخصوص فالأمر أصعب على الفنانة التشكيلية لان هناك شروطا للمشاركات الخارجية والسفر والتنقل، كما لا تزال اختصاصات كالفنون مرفوضة نوعا ما (ليس في كل المناطق) وهذا ربما جعل الممارسة النسائية في هذه المناطق تكون أكثر احتشاما وتميّزا مقارنة بما يوجد في باقي الدول العربية.
وبروز تجارب مميزة من مجتمعات بهذه المواصفات يستدعينا للوقوف والقراءة ولعلّ تجربة الفنانة السعودية الشابة فاطمة النمر هي من أفضل التجارب التي قد تحفزّ غيرها في تلك المنطقة للتحرر وممارسة التشكيل كطريقة تعبير ومتنفس لقول ما يجب أن يقال بطريقة مختلفة.
فاطمة النمر من المنطقة الشرقية بالسعودية، درست الفن وخضعت لدورات تدريبية وتكوينية خارج البلاد لطالما كانت شغوفة بالفن منذ الصغر فسعت لتطوير موهبتها وصقلها وتعلم تقنيات تصبح فيما بعد بمثابة سلاح ترفعه لتتميز وتغرد خارج السرب.
بمعنى وسط ما تشهده الساحة الفنية اليوم من توجه لميدان الفنون للسياحة والسفر و”البرستيج” إلى غير ذلك من مظاهر تسحب الممارسة الفنية نحو الأسفل، تبرز لنا بين الفينة و الأخرى أصوات عالية لتفرض علينا وجودها الجمالي و تستدعينا لتتبع مسارها و اقتفاء خطواتها في محاولة لولوج عالمها، عالم تشكيلي بامتياز.

* المحمل عنصر بناء وإحتواء
جاءت أعمال الفنانة التشكيلية السعودية فاطمة النمر بمثابة رغبة صارخة في التخلص من قداسة التقنيات الكلاسيكية وطريقة مختلفة في التعامل مع المحمل وكيفية الاشتغال عليه حيث يفترش هذا الأخير الأرض ويلتحم معها في استقلالية مطلقة، وتحوم الفنانة حوله من كل الاتجاهات بعد أن تكون قد أعدت العدة كاملة لمواجهته.
وهذا يذكرنا بما كان يقوم به رائد الفن الحركي جاكسون بلوك، إذ يجب أن تقحم الفنانة إذا جسدها في معترك ولادة الأثر الفني، وتتخذ بمقتضاه كل الوضعيات اللازمة من وقوف و جلوس و انحناء، تخلق الفنانة من خلال تواصلها مع المحمل تلاعبا بين الشكل و الخلفية ساعدها في ذلك تنوع التقنيات المعتمدة ومدى انسجامها وتماسكها على سطح المحمل فتقنيات مثل الكولاج والاكريليك و”سيلك سكرين” و “ستنسل”… تشحن قيمة العمل التشكيلي وتفتح المجال واسعا أمام مجالاته الجمالية للتجلي.
حيث تؤلف الفنانة على سطح المحمل بحساسية وقدرة بالغتين بين المواد والصور والزخارف المتنوعة ذات المرجع الإسلامي، مواد متناقضة متداخلة بعناية بالغة تطلق العنان للإمكانيات التعبيرية للمواد والمحمل للانصهار والتوحد والخروج إلى المتلقي في صور متناغمة.
لا يمكن من خلالها فصل المكونات عن بعضها بحيث تنتابك قناعة لا مفر منها بالتماسك والإتقان.
المحمل من خلال أعمال فاطمة النمر هو في صراع مجازي ومادي مع مكونات الأثر الفني الأخرى فيحتويها ويخضعها لسلطانه ويستمد منها قوته والعكس صحيح، فتصبح الصورة موهمة المتلقي بالعمق والبعد الثالث من خلال حضور صورة المرأة المكررة في اغلب الأعمال بوضعيات و تعبيرات مختلفة.
فتجتاح المحمل صورا وزخارف وألوانا ونصوصا وحروفا مختلفة تارة تحضر أحادية وطورا متنوعة حسب فكرة العمل و سياقه.
فتحوّل المحمل من هذا المنطلق من دوره المعتاد إلى آخر بمثابة الحاوي والمتفاعل مع تقنيات ومواد وأفكار مختلفة.
وهذا ما يجعله حاملا و حاويا لعدة فنون معا من تصوير فتوغرافي و رسم وخط عربي و طباعة.. و تقنيات مختلفة ساهم في تطويعها وقبول اختلافاتها وهذا من شأنه أن يقدم قراءات وتأويلات مختلفة خاصة مع تنوّع المواضيع والرموز التي تبثها الفنانة وتخاطب من خلالها جمهورها ومن يهمه الأمر.
هذا التعامل المختلف مع المحمل سواء كان ذلك في وضعيه الرسم عليه أو من خلال التقنيات المجتمعة على سطحه في علاقة وجد مع الفنانة والتي عادة ما تواجهه مستعدة وقد خلطت ألوانها و جهزت علبها وآلياتها ونضجت فكرتها.
تبدأ فيما بعد لحظة التواصل بينهما بمثابة لحظة شغف يولد من رحمها الأثر الفني، لحظة إستيتيقية محضة تسّتفز من خلالها المواد والأشكال والألوان. ذلك النص الفكري المتوهج المطّعم بآليات اشتغال نابعة من هوية سواء كانت جمالية أو اجتماعية أو حضارية فهي ليست دخيلة بل من صميم فاطمة النمر.

* الفضاء التصويري سجلّ زخرفي وإيقاع لوني كاسح:
الفضاء التصويري لدى الفنانة فاطمة النمر عادة ما يكون مساحات كبرى فهي تميل أكثر إلى اللوحة كبيرة الحجم، والتي تمكنها ربما من حرية أكبر لطرح أفكارها واستعمال تقنياتها واستغلال مراجعها بتضمين زخارفها وألوانها الكثيرة والمختلفة.
هذا التنوع والزخم اللوني والشكلي لا يحيل أبدا إلى قلق بصري، كما لا يزعج المتلقي لأنه ناتج عن دراية وتخطيط مسبق ومحكم بحيث يقدم له في أبهى صوره.
وأنت بصدد أعمال الفنانة ينتابك إحساس انك أمام إحدى منمنمات القرن الحالي من خلال نوعية الصورة والفكرة والتقنية.
حيث يحظر الخط العربي بجماليته وتعرجاته المختلفة وغنائية حضوره وأبعادها الهندسية الملهمة في تفاعل بهيج مع الصورة.
صورة المرأة في مختلف تجليات حضورها وعادة ما كان النص يكمل الفكرة و يشحنها، فإما أن يكون إطارا لها أو خلفية، وأحيانا يتماهى مع الجسد في كليته ليرسم تفاصله ومن خلال هذا الحضور المختلف له هو يبني كما بقية أجزاء اللوحة.
كما تحظر الزخارف الإسلامية الهندسية والنباتية المختلفة وخاصة تلك التي تميز السجاد والمتشعبة على كامل مساحة اللوحة في كثير من الأحيان، وفي أحيان أخرى تحتل ثياب المرأة، كما تحضر أيضا كخلفية في شكل سجاد تقليدي والذي يحتوي إطارا آخر بداخله، كما يتماهى في كثير من الأحيان مع جسد ووجه المرأة.
و في كثير من الأحيان ينوب الخط مكان الزخرف ويتماهى هو الآخر مع تركيبات الأجساد و أخرى تنبئ بخصائص العمارة الإسلامية من أبواب و أقواس.
كما كانت صورة المرأة أيضا عنصرا من عناصر الزخرفة في العمل الفني حيث تظهر في وضعيات مختلفة متآلفة مع الزخارف والحروف والأشكال المرسومة كعنصر من عناصر البناء فتارة ترفع يديها حاملة إحدى الأواني الخزفية وطورا تضمهما مغلقة عينيها في وضع دعاء وصلاة، كما تظهر في كثير من الأحيان في وضع تيه و تأمل حالمة بان تعيش الحياة التي خلقت لتعيشها، كما نجدها كذلك بنظرة ثاقبة وغاضبة، وأيضا مغمضة العينين ومغلقة الفم خاصة باعتماد (البار- كود) في سلسلة أعمال “شفرة” والتي تتطلب من متأملها إيجاد الآليات لفك شفراتها التي تشير بأسلوب ملغز وناقد وغير مباشر إلى تلك الأيديولوجيات المختلفة التي تفرض على الفرد اليوم تبنيها والنظر من خلالها والتعبير بلسان حالها قصرا.
الفرد اليوم وخاصة المرأة في أغلب المجتمعات العربية مسلوبة الإرادة ومنخرطة وسط تيار من المصالح والأحكام التي تضعها دائما موضع المتهم والمخطئ، فجاءت أعمال الفنانة فاطمة النمر دعوة للتحرر من النفس أولا ثم من كل هذه الأوهام ثانيا.
كما استدعت الفنانة شخصيات عالمية في أعمالها ونذكر على سبيل المثال مجموعة سجادة مرلين والتي أدخلت مارلين مونرو من خلالها في عالم جديد من الجمال الزخرفي الزهري و كأني بها لا تجد مانعا لالتقاء أيقونة جمال غربي و أيقونة جمال شرقي معا و خلقت بلقائهما أيقونة جمالية مشتركة أساسها التصالح والتسامح و التواصل.
أما اللون في أعمال الفنانة فقد كان حضوره قويا ومعبرا فيه تتشّكل الصورة ويزداد الإيقاع إما تواترا أو هدوءا، وفضاء الأثر الفني لدى النمر يبنى باللون كما الشكل والخامة، فكانت مرجعياتها اللونية غالبا متأتية من جذور البنية التقليدية من سجاد وخط ومنمنمات، فحضرت تقريبا كل الألوان وبدرجاتها المختلفة، كما استعملت اللون الواحد بتدرجات مختلفة مع إدخال ألوان أخرى بطرق محتشمة لتترك الأولوية دائما للون ما للسيطرة على بقية الألوان وفرض سلطانه ربما لإبراز حسن تحكمها واستفادتها من القيمة الجمالية للون.
كالألوان الترابية في كثير من الأحيان أو الأحمر والأزرق والأخضر..
.وهذا لا ينفي تزاوج الألوان في الكثير من الأعمال الأخرى فنجدها تراوح بين سيطرة لون واحد إما على الخلفية أو الشكل وتزاوج بقية الألوان في الزخارف والأشكال وفي أعمال أخرى تشهد الألوان تزاوجا على كامل مساحة الأثر الفني.
كما استعملت الفنانة ثنائية الأبيض والأسود بكثرة في أعمالها إما منفردة في عمل واحد خاصة في بداياتها واستغلال تناسق تضادها وجمالية هذه الثنائية وحسن تحكمها بها.
كما كان حضور القيم الضوئية هذه في أعمالها بكثرة لمميزاتها التقنية ورمزيتها بحيث تساهم في عتمة الأماكن المطلوبة من ناحية وإضاءة أخرى، بمعنى أن استعمال اللون والقيم الضوئية في أعمال فاطمة النمر استعمال دقيق ومدروس وجريء بهدف جمالي فكري، فلطالما اخترقت بياضاتها الناصعة الفضاء إما في شكل زخارف وحروف وتفاصيل دقيقة أو في شكل مساحات اكبر للإضاءة فتحلّ محلّ الضوء كأن تحضر في شكل ثوب أو حجاب أو غطاء أو حمامة.

* الفكر الجمالي من صميم الواقع المعاش والمتوارث
الإبداع الفني الذي نشاهده اليوم في أعمال الفنانة الشابة فاطمة النمر هو نتاج لفطنتها وذكائها، كما ساهمت به أيضا ظروف ثقافية واجتماعية وحضارية متوارثة رسمت أهم ملامحه.
فالفنانة بحساسيتها المفرطة ليست في انفصال عما تعيشه يوميا أو ما تشاهد وما ورثته وما تأمل لأن تراه مستقبلا، فهي كائن يتأثر بالظروف المحيطة به ويتفاعل ايجابيا معها، فضمّنت أعمالها رسائل حيّة ومعاصرة فمن خلال معرض “كيان” و”الخطيئة والغفران” و”مجموعة أعمال شفرة” وعدة أعمال أخرى طرحت الفنانة عدة مواضيع تمس مباشرة كيان الأمة والمجتمعات المنغلقة والمتعصبة ولعلّ مفاهيم كالخطيئة التي لطالما ربطت بالمرأة عولجت في أعمالها بحس نقدي لاذع فكان لسان ريشتها وخاماتها يقول رفقا بالقوارير، وضرورة إعطاء المرأة مكانتها ودورها لأنها كائن فاعل و منتج. كما عالجت قضايا عديدة بدءا بالقضية الفلسطينية و دعواتها من خلال أعمالها للسلام.
كما السلام الروحي الذي يجب أن يحرر الإنسان من سجن الظلامية و الطائفية وتعصّب المجتمعات الذكورية والتنديد جماليا بعدة ممارسات تلغي الكائن وتضغط على وجوده وهذا يمنعه من الخلق و الإبداع.
هذا الطابع النقدي والغاضب جاء في صور جمالية مبدعة لا تدعي للنفور، بالعكس تنبئ بحساسية كبيرة وشفافية مطلقة تستدعي القارئ للوقوف أمامها للفهم والتأمل وحتى محاولة إيجاد حلول مع الذات أولا كخطوة أولى لإصلاح الكثير في مجتمعاتنا.
المواضيع التي تقلق الفنانة فاطمة النمر طرحت بأسلوب جمالي فكري وجدت في اللوحة تصريفا واعيا وهادفا لها.
فاستعاضت عن رسم الدماء والحروب والتشنج والعصبية والغياب والظلم..
بدعوة حالمة وجمالية للسلام والتحرر، دعوة إلى التصالح مع ما هو مفيد في موروثاتنا و إسلامنا وترك ما يدفع للفتنة والتناحر والتعصب والانغلاق.
فاستدعت الفنون الإسلامية وسحبت أهم مميزاتها وهذه دعوة مفتوحة لرؤية المألوف بطريقة غير مألوفة، دعوة إلى عالم من الألوان والأشكال، عالم الصورة الذي يسكنه الخيال وتتواشج من خلاله الأفكار والفنون والتقنيات عالم غاضب وناقد بأسلوب جمالي شفاف وعميق.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى