الخميس 17 أغسطس 2017 م - ٢٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / جاك بيرك .. المستشرق الذي أهدى مكتبته للجزائر فصارت قبلة لباحثي العالم

جاك بيرك .. المستشرق الذي أهدى مكتبته للجزائر فصارت قبلة لباحثي العالم

تميز بقربه الفكري والوجداني من العرب والحضارة الإسلامية

الجزائر ـ العمانية:
لم يكن من السهل على المستشرق الفرنسي جاك بيرك، المولود سنة 1910 بمدينة فرندة التابعة إداريا لولاية تيارت (280 كم غرب الجزائر العاصمة)، أن يرحل عن الدنيا سنة 1995 من دون أن يكتب وصيّته الأخيرة التي أبى فيها إلا أن يردّ بعض الجميل لهذه المدينة التي عشقها وترعرع فيها وتعلّم فيها الأبجدية العربية على يدي والده الذي كان محافظا إداريا فيها أيام الاستعمار الفرنسي، واشتهر بتمكُّنه من علم الاجتماع وكذا اللُّغة العربية التي غرس حبّها في أعماق ولده جاك بيرك.
ولما كانت وصيّة ردّ الجميل تنصُّ على التنازل عن المكتبة الشخصية لبيرك في فرنسا لصالح مدينته ومسقط رأسه فرندة، قامت زوجته بالعمل بالوصية، فحوّلت سنة 2013 أرشيفاً يضمُّ 67 علبة أرشيف بينها 44 علبة حديدية و977 عنوانا من الكتب، بينها ترجمة جاك بيرك لمعاني آيات القرآن الكريم ونسخ أصلية من “لسان العرب” (14 جزءا). وفي اتصال لوكالة الأنباء العمانية أوضح خالد بن عزوز مدير مكتبة جاك بيرك أنّ ملحقة المكتبة الوطنية جاك بيرك بفرندة تُعدّ أول ملحقة لمكتبة الحامة بالجزائر العاصمة، وأنها افتُتحت سنة 2004 لتغدو أحد أهمّ معالم المدينة السياحية والثقافية، ومقصدا للسائحين من داخل الجزائر ومن خارجها.
وأشار بن عزوز إلى أن معظم زوار المكتبة هم من السائحين والباحثين الجامعيين الذين قدموا من ألمانيا، وإسبانيا، وفرنسا وكندا.
وتستمدُّ مكتبة جاك بيرك أهميتها، مثلما عبّر عنه مديرها، من كونها “تضمُّ قاعة تحمل اسم بيرك وتحتوي كلّ مقتنياته من كتب وأرشيف وهدايا قدّمتها زوجته”، مضيفا أن زيارة هذه القاعة توفر فرصة للاطلاع على بعض الجوانب التي شكّلت مدارات شخصية بيرك الفكرية والفلسفية، التي أهّلته للوصول إلى عضوية مجمع اللُّغة العربية بالقاهرة نظرا لما قدّمه من إسهامات فكرية وعلمية بارزة.
وإضافة إلى قاعة “جاك بيرك” تشتمل المكتبة على قاعة للمطالعة، وأخرى للانترنت، وثالثة للأطفال، ورابعة للإعارة الخارجية، بمساحة إجمالية تصل إلى 1600 متر مربع، وتضم أكثر من 40 ألف كتاب.
أما عدد المسجّلين للانتفاع من خدماتها، فيزيد على 3100 شخص، بحسب ما كشف عنه مدير المكتبة.
وإلى اليوم، لم تنقطع زيارات أفراد عائلة جاك بيرك لمكتبة فرندة وللمدينة التي وُلد وترعرع فيها هذا المستشرق الفرنسي البارز، حيث قامت أرملته سنة 2008 بزيارة المكتبة، كما قام ابنه بزيارتها أيضا سنة 2015.
ولعلّ أبرز ما كان يُميّزُ جاك بيرك عن نظرائه المتخصّصين في الفكر العربي الإسلامي، بحسب الدراسات التي أُجريت حوله، أنه تخلّص من المنهجية المتّبعة من طرف الاستشراق التقليدي، وذلك بتبني منهج جديد قادر على معالجة القضايا المستجدّة، وهكذا يكون قد أسهم، كما فعل أستاذه لوي ماسنيون، بدور كبير في تجديد الدراسات الاستشراقية من خلال تطبيق مناهج العلوم الإنسانية في دراساته التي تتناول السوسيولوجيا الحضرية، واللّسانيات، وعلم النفس، والتاريخ.
حيث كان جاك بيرك يرى أنّ الاستشراق التقليدي عاجزٌ عن مواكبة التطوُّر المنهجيّ الذي عرفته العلوم الإنسانية، الأمر الذي أدّى بالدراسات الاستشراقية إلى التحوُّل إلى عملية إسقاط أيديولوجي ترمي إلى الانتقاص وازدراء إنجازات الثقافة العربية الإسلامية.
كما كان بيرك متميّزا عن غيره من المستشرقين المتخصّصين في العالم العربي بقربه الفكري والوجداني من العرب والحضارة الإسلامية التي جاب جلّ أقطارها ودولها؛ وعايش التجارب والأحداث التي شهدها العالم العربي منذ ثلاثينات القرن الماضي وانصبّ اهتمامه على مظاهر اليقظة، والنهضة، والتحرُّر الوطني في الأقطار العربية.
وقام، كعالم اجتماع قدير، بدراسة الظواهر والإشكاليات والآثار التي أحدثتها الصدمة العنيفة بين الحضارة الغربية الحديثة، والعالم العربي والإسلامي.
أمّا عن الأسباب التي دفعته إلى ترجمة معاني كلمات القرآن الكريم، فيقول جاك بيرك في حوار أجراه معه الدكتور علاء طاهر: “لقد ابتدأت ترجمة معاني آيات القرآن بعد تجاوزي الستين من العمر، لسببين: الأول هو الخوف والحشمة، فلم أُقدم على ذلك في السابق خوفا من أني أصغر، في نظر المتخصّصين، فيما لو لم تكن الترجمة جيّدة وفي المستوى المطلوب، فآثرت أن أنتظر لكي أزداد نضجا بحيث أكون مؤهّلا لتقديم ترجمة جيّدة وأمينة.
وكنت أخجل من نصّ عظيم مثل النصّ القرآنيّ، فلم أتجرّأ على القيام بترجمة لمعاني الكلمات من دون أن تكون عوامل المعرفة به وبالإسلام قد تعمّقت من خلال دراساتي المتواصلة والمستمرّة، بحيث أكون في مستوى هذه المهمة، ولكي لا يحدث أيُّ تقصير في النصّ الفرنسي، الذي يتوخّى تقديم القرآن الكريم بكلّ أبعاده اللُّغوية والروحية إلى لغة أخرى”.أمّا السبب الثاني، فهو سببٌ شخصيٌّ كما يوضح جاك بيرك، “فنحن عندما نتقدّم في العمر، نبدأ بالتفكير، بطريقة أخرى.
نبدأ بطرح الكثير من الأسئلة الميتافيزيقية، حول الموت وجدوى الحياة، وقد وجدتُ في القرآن كثيرا من الاطمئنان الروحي الذي أسعى إليه..، وقد وجدت في القرآن سلوى لي، وفي ترجمة معاني كلماته شيئا من هذه الاستجابة إلى عالم ما بعد الحياة”.

إلى الأعلى