الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / أفول السياسة ومحاولة استعادتها

أفول السياسة ومحاولة استعادتها

د. فايز رشيد

بيلاروسيا (3) خفايا السياسة والصراع والنفوذ الصهيوني
الحلقة السادسة
صباح اليوم التالي كان موعدي مع مدير المتحف الوطني رسلان أبراموفيتش. مشيت إليه من الفندق صباح يومٍ جميل مشرق، معتدل الجوّ، تلطّفه أنسامٌ رطبة تشبعت من المطر الغزير الذي تساقط في اليوم السابق . على يسار شارع ماشيروف غابة خضراء واسعة، تحاذي من غربها شارعاً يتقاطع مع الأول.. يدخل إلى الجزء القديم من المدينة. على جانبه الغربي تنتصب تلّة ترابية، تعلوها الكنيسة الأرثوذكسية الأكبر في بيلاروسيا.
أمشي وأتطلع إلى بنايات عالية أقرب إلى ناطحات سحاب أقيمت حديثاً على يمين الشارع. مررت بمتجر مينسك الكبير.. ملابس جديدة معروضة في أماكن مخصصة لها في جداره الشمالي. قطعت الشارع الرئيسي إلى الجهة الأخرى من خلال النفق المخصص للمشاة، والمؤدي إلى محطة المترو المسماة باسم المتجر. مئتا متر قطعتها ووصلت إلى الباب الرئيسي للمتحف.
دخلت وكان المدير بانتظاري. المتحف واسع يحتل ما يقارب الثلاثة آلاف متر مربع، يتألف من أربع طبقات. دمّره النازيون في الحرب الوطنية العظمى (الحرب العالمية الثانية) وتمت إعادة ترميمه، وافتتح رسمياً في مرته الثانية عام 1959. كان المتحف هو من أوائل الأماكن التي جرى ترميمها في مينسك. أما ما احتواه من أعمال فنية فقد جرى تهريبها إلى مناطق بعيدة في روسيا، مثلما تم إخفاء ما احتواه المتحف الأكبر في العالم (الأرميتاج في لينينجراد – التي تسمى حالياً سانت بطرسبرج)، المتحف البيلاروسي يحتل الرقم (4) بين متاحف العالم فيما يختص بالفن الروسي، ويكاد يكون متخصصاً فيه.
في الطابق الأول كانت تعرض بعض أعمال دافنشي ونماذج من مقتنياته، وهذه معروضة إلى فترة محددة, بالاتفاق مع المتاحف الأصلية المقتنية للأعمال. في الركن الشرقي منه، ثلاث خزائن زجاجية واسعة، اثنتان منها تحويان أزياءً فلسطينية في مراحل زمنية مختلفة من التاريخ الفلسطيني. في الخزانة الثالثة توجد بعض المقتنيات الأثرية الفلسطينية: أوعية، نقود، قلائد.. الخ. ساعدت السفارة تحديداً في إحضارها من المتحف الفلسطيني، بجهود من السفير خالد عريقات. كان رسلان يشرح لي عنها بحكم عمله، وكأنني زائر غريب! بأمانة أقول: كان يتحدث كخبير في الشأن الفلسطيني. امتلأتُ زهواً، كاد رأسي يصل عنان السماء وأنا أستمع إليه. لم أقاطعه مطلقاً. كنت أسبح في سماء وطني، أجوب شوارع القدس القديمة, وقلعة أحمد باشا الجزار في عكا، وقصر هشام في أريحا. أتحقني بما شرح وامتلأت زهواً منذ اللحظة الأولى عندما قرأت الأوراق التوضيحية المثبتة, على إحدى الواجهات الزجاجية لكل خزانة.
سألته عن مدى إقبال الزائرين على الجزء الفلسطيني من الجناح، أجابني بأن غالبية الزائرين للمتحف ممن يجيئون لمشاهدة دافنشي، يزورون بالضرورة الجزء الفلسطيني. شرح لي عن تزايد معرفة الشعب البيلاروسي بالقضية الفلسطينية، والتي بدأ التضامن معها منذ الحقبة السوفييتية. سألته إن امتدّ ذلك إلى العهد الجديد بعد الانهيار؟ أجاب بأن كل شيء اختلف بالطبع، ثم إنّ المنظمات الصهيونية تعمل بنشاط كبير.
واستطرد، أن على الفلسطينيين والعرب جميعاً محاولة ترتيب حملة دعائية كبيرة في كل الجمهوريات التي كانت منضوية في الاتحاد السوفييتي، في ذلك “الجمهوريات التي تدين بالإسلام”. حدثني عن زياراته بحكم مقتضيات عمله إلى أوزبكستان وطاجكستان وقرغيزستان، وكيف تحدث إليه كثيرون منها عن انتشار الدعايات الصهيونية فيها .والحثّ المنقطع النظير لأهاليها ممن يملكون علاقةً بسيطة باليهود أو بالديانة اليهودية، للهجرة إلى “إسرائيل”. هنا فاجأته بسؤالي الذي توجهت به إليه إن كان شيوعياً؟ حقيقة استعضت بالسؤال عن آخر في ذهني حول يهوديته ! لكنني خجلت من توجيهه له، ما دام يُظهر كل هذا الاحترام لتاريخ وطني، ويتعامل معي بكل هذا الاحترام.خجلت من توجيه سؤالي تبعاً لقاعدة روسية قديمة مفادها: إن كان في نيتك توجيه إهانة لشخص، فاسأله إن كان يهودياً ! أجابني مدير المتحف بأنه ليس شيوعياً، لكنه من مؤيدي النظام والرئيس لوكاشينكو. لم أشأ الاسترسال في هذا الجانب من الحديث، واستمررت في توجيه أسئلتي الفنية له. في الجناح الغربي من المعرض توجد أقسام عديدة لفنون تراثية روسية، وبيلاروسية ومن جمهوريات (سوفييتية أخرى). حرصت بيلاروسيا إبّان الحقبة السوفييتية واستمرت حتى اللحظة على اقتنائها.
الطابق الثاني الذي تصعد إليه بدرجٍ طويل، واسع وعريض، يحتوي على أزياء وأعمال فنية وتحف أثرية شرقية من دول شرقية عديدة، مثل الصين كوريا، فيتنام، الهند، باكستان، وغيرها. تجد “الكيمانو” الياباني بمختلف أنواعه ومناسباته، ولعل أجملها المخصص للزواج. وتجد أيضاً “السيراميكا” اليابانية المشهورة. جدير ذكره أن مدينة «سينداي» اليابانية متآخية مع مينسك، وبالتالي كانت تلك المدينة مدخلاً حقيقياً لتطوير العلاقات البيلاروسية – اليابانية.
للأسف، كنت أبحث عن أجنحة مختصة بالدول العربية، فلم أجد! توجهت بالسؤال إلى مضيفي فأجابني، أنه ومنذ العهد السوفييتي حتى اللحظة، والمتحف يحرص على توجيه رسائل إلى الجهات المعنية العربية لارسال بعض مقتنياته إلى المتحف, ولكن ما من مجيب! حدّثني عن زيارات قام بها مندوب المتحف خصيصا لبعض الدول العربية، غير أن دولة عربية واحدة… لم تتعاون معه .استغربت الأمر، ولا أدري مدى صحته! الشيء المهم الذي خشيته: أن أرى ما يسمى «تراثاً إسرائيلياً»، فالكيان الصهيوني يحرص على سرقة الآثار الفلسطينية. بما فيها الزي الفلسطيني ويقوم بنسبها إليه، باعتبارها «تراثاً تاريخياً يهودياً» في فلسطين!لم أجد أثرا واحدا للكيان الصهيوني. في الطابق أزياء وتراث من مختلف القارات: أفريقيا، أمريكا اللاتينية، أستراليا وأمريكا الشمالية، بما يتلاءم في قِدمه مع تاريخ هذه القارات من جهة، ومن جهة أخرى مع تاريخ البلدان التي تُعرض بعضا من أزيائها وتراثها. فقط هي فلسطين، البلد العربي الوحيد، الذي يعرض في المتحف الوطني البيلاروسي بعضاً من تراثه وأزيائه.
الطابق الثالث مخصص لتماثيل منحوتة من مختلف أنحاء العالم، بعضها تم إهداؤه إلى المتحف، والكثير منها تم شراؤه بأسعار تفضيلية. هنا ترى وجهاً من نيجيريا، وآخر من الصين !وهناك ترى تمثالاً لفارسٍ من بوليفيا، غير أن منحوتةً عربية واحدة لا تجدها ! جزء من هذا الطابق مخصص لمخطوطات بيلاروسية وروسية وأجنبية قديمة، وكتب محلية وأجنبية غاية في القدم.
الطابق الرابع والأخير مخصص للّوحات الفنية، جناح منها يعرض لوحات لغالبية الفنانين البيلاروس والروس في مختلف مراحلهم، كما صور قديمة من هاتين الجمهوريتين. أما الجزء الآخر فلمثيلاتها من دول مختلفة من العالم. أكثر ما يلفت الانتباه من لوحات وتصاميم الفنانين البيلاروس، تصاميم: مارك شيجال (1887–1985) فنان روسي ولد في بيلاروس وحصل على الجنسية الفرنسية. يعتبر واحدا من أبرز فناني القرن العشرين. شيجال من رواد مذهب الحداثة في المدرسة الرمزية. قام بتصميم الزجاج الملون في كاتدرائية مدينة ريمزوميتس، والنصب التذكاري لداج هامرشولد في الأمم المتحدة، والعديد من الصور الجدارية الرائعة. قدّمت له ثورة أكتوبر عام 1917 فرصاً كثيرة ومساعدة كبيرة, فأسسّ مدرسة فيتبسك للفنون، والتي تعتبر من أهم المدارس الفنية السوفييتية. غدا شاجال واحداً من أبرز فناني الاتحاد السوفييتي. بضغوط كبيرة من الحركة الصهيونية في أوروبا آنذاك، هاجر وعائلته إلى باريس، وحاز على الجنسية الفرنسية. شاجال من أبرز مصممي ديكورات المسرح وملابس الممثلين، كما الألبسة المزدانة بالرسوم و الكليشيهات والرسم على الخزف.
من أبرز الفنانين الذي تتواجد لوحات كثيرة لهم في المتحف الوطني البيلاروسي: إيفان إيفازوفسكي وإيفان شيشكين. إيفازوفسكي (1817–1900) فنان روسي من أصول أرمنية,يعتبر أغزر الرسامين الروس إنتاجاً. في بداية مسيرته المهنية عُيّن عضواً في خمس أكاديميات للفنون الجميلة، بما في ذلك جامعة بطرسبرج، روما، فلورنسا، شتوتجارت وأمستردام. في سنّ 30 عين أستاذاً للرسم في أكاديمية بطرسبرج في تخصص الرسومات البحرية. ترك إيفازوفسكي أكثر من (6000) لوحة عندما توفي في عام 1900. في عام 2007 بيعت لوحته «سفينة الشحن الأمريكية قبالة صخرة جبل طارق» وحدها بحوالي 3 ملايين جنيه أسترالي، وهو أعلى سعر يُدفع في مزاد علني لأعمال إيفازوفسكي . من أشهر لوحات الفنان، لوحته التي أنجزها عام 1850 بعنوان «الموجة التاسعة» (The Ninth Wave )، والتي تُظهر موهبة إيفازوفسكي في أبهى صورها، اللوحة هي رسم لبحر هائج بعد عاصفة ليلية فيما ترسل الشمس خيوطها الأولى، حيث يبدو البحر لامعاً. لوحة في غاية الجمال، تجذبك إليها، هي تصوير حي دقيق للطبيعة. ما رأيناه بالطبع هي نسخة مصورة عنها. إيفان شيشكين: (1832–1898) له مئات اللوحات، التي تعكس المناظر الطبيعية وخاصة الغابات والأشجار من بلدان مختلفة: سويسرا، ألمانيا وروسيا. باقي اللوحات في المتحف هي لفنانين روس وبيلاروس، وبخاصة خلال الحقبة السوفييتية. مجموعة قليلة من اللوحات المعروضة من أعمال الفنانين البيلاروس بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتشكيل دولة بيلاروس. تتواجد في المتحف لوحات كثيرة من يوغوسلافيا ومن عدة دول، تجذبك إليها بحجمها ودقة رسمها وجمالها , منها لوحة لراعي الكنيسة في بيلاروسيا «قيلارين»، ميتروبوليت مينسك, بمناسبة مرور 80 عاماً على ميلاده.
* * *
خمس ساعات متواصلة قضيتها في المتحف، كان خلالها رسلان يشرح لي كل شاردة وواردة حول العمل الفني، ولم أشعر أن معلومة واحدة غابت عنه حول كل ما هو معروض. ما أذهلني هو حفظه للأرقام والتواريخ المتعلقة باللوحة أو العمل كمن يحفظ أسماء عائلته. في الساعة الأخيرة من الجولة أحسست بتعب كبير وبألم خفيف في ظهري، وفعلاً خجلت من الانسحاب وعدم متابعة الجولة ، فاندفاعته في الشرح كانت أكبر فعلاً من أن أقوم بالتسلل هارباً منها. شكرته من صميم قلبي .أهداني كتاباً ذا طباعة فاخرة قام بتأليفه عن موجودات المتحف، ويحتوي شرحاً وافياً عن تاريخ الفن، والمتحف، وأهم اللوحات والأعمال الموجودة. كانت الساعة قد جاوزت الثالثة ، دعوته على الغداء في مطعم قريب، أعتذر لانشغاله في اجتماع يبدأ بعد دقائق قليلة.
* * *
مساء ذات اليوم وبموعد مسبق، حضر إليّ صديق فلسطيني واصطحبني إلى مقهاه، الذي يبعد عن مينسك 30 كيلومتراً. قطعة أرض مبنيّ عليها قاعة واسعة، تصلح لمؤتمر أو لحفلة زفاف، إضافة إلى ملحقاتها. الصديق يحمل الجنسية البيلاروسية، فبعد تخرجه ظلّ في مينسك. تمكن من الحصول على الجنسية بسبب زواجه من مواطنة بيلاروسية، ووفقاً للقانون يحق له أخذ الجنسية، ويعامل مثل كل المواطنين. يلجأ الطلبة العرب إلى إقامة مشاريع صغيرة أو كبيرة، كمصادر دخل في حياة كل منهم. افتتح علي مقهىً صغيراً لإقامة حفلات الزواج. فترة العمل كما قال لي هي أشهر الصيف، أما في الشتاء البيلاروسي القاسي فنادراً ما يلجأ أحدهم إلى الزواج.
نظّمتُ الأيام الإضافية لي، في العاصمة البيلاروسية، من خلال زيارة الأماكن الريفية المحيطة بمينسك. يصطحبني السائق أناتولي يوميا في الحادية عشرة صباحاً لزيارة منطقة جديدة. اقترح عليّ أريافاً…..، تعرفت إلى قرى وأماكن تفوق الوصف في جمالها الطبيعي القروي البسيط، ما أطيب أهلها ! أحسستهم أبناء الطبيعة, التي لم تتلوث بتعقيدات التعامل في المدن. ما عرف أحدٌ منهم (من خلال أناتولي) بأنني من بلدٍ آخر، إلا ودعانا إلى بيته! بالطبع كنت أعتذر. أراد كثيرون منهم إهداءنا من منتجاتهم، لم أشأ حرمان بيت أناتولي منها، فقبلتها شاكراً. نمطهم بسيط ، طيبو القلب.. بسيطو التعامل، يحبّون مساعدة الغريب القادم إلى بلدهم. ذكّروني بأهل الأرياف والقرى في فلسطين، وغالبية الدول العربية والأجنبية التي قمت بزيارتها سابقاً، وعلى الأخص منها الرّيف الإيطالي الجميل وأهله، والذي غالباً ما يحتوي على آثار قديمة من عقود خلت. ماأزال أذكر منها قرية «Asisi» بالقرب من مدينة بيروجيا، وسط إيطاليا، وغيرها من الأرياف الجميلة في كلّ بلدان العالم. كنت مساءً وحمادة ننطلق للعشاء في مطعم جديد. ما أسرع ما مضت الستة أيام، لم أشأ زيارة أحدٍ من الأصدقاء خلالها.
في الرابع من يونيو، أخذني السائق إلى المطار. كان أناتولي يهمس بأدعية بيلاروسية قديمة لتفكيك كل العقبات أمام سفري. لم يتركني إلا بعد أن سلّمت حقيبتاي في الوزن، أصرّ على ملازمتي حتى آخر نقطة يُسمح للمودّعين بالوصول إليها، ولا يجتازها إلا المسافرون. ودّعته بحرارة… مكثت في صالة الانتظار إلى أن جاء موعد الصعود إلى الطائرة, صعدت، طارت، حلّقت عالياً في الجو! وأنا ما زلتُ غير مصدّق، أن هذه الرحلة مضت بسلام.

إلى الأعلى