الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف : بذّرة المدنيّة الأولى

اصداف : بذّرة المدنيّة الأولى

وليد الزبيدي

في دراسته القيّمة عن نشوء المدينة في التاريخ يؤكد الدكتور ناصر الدين سعيدوني أنه قد ظهرت المدينة الأولى في سفوح هضبة جارمو في الفترة من 7000 – 6000 قبل الميلاد، التي تعتبر منطقة انتقال طبيعي بين وادي الرافدين وجبال زاجروس، مستندا بذلك لاستنتاجات روبرت برايدوود، ومنذ تلك الفترة المبكرة من حياة الإنسان التي اعتقبت العصر البرونزي الذي استمر لأربعة الاف عام، ارتبط مصير البشرية بظاهرة التحضُر التي كانت بداية تشًكل المجتمع المدني المكون من مجموعات متغايرة العناصر ومختلفة المشارب، وبداية التحولات الجذرية في حياة الإنسان، ويتفق بهذا الخصوص العلماء والمؤرخون على أنها “ثورة حضرية” – بحث منشور في مجلة عالم الفكر العدد 2 اكتوبر 2009-
وهناك من يربط بين بدايات تشّكل المدن عبر التاريخ بوجود المياه لأنها توفر لمجاميع كبيرة من الناس اجواء التجمع والتوسع في ذلك، وتختلف بذلك عن الصحارى المجدبة وتكون اقرب إلى الناس من المناطق التي تحوز وفرة من المياه والأراضي الصالحة للزراعة، وإذا كان وادي الرافدين قد توفر على نهري دجلة والفرات، فإن الكثير من الأنهار تتواجد في جميع القارات، ورغم كثرة الدراسات التي تناولت تأسيس الحضارات الأولى، فإن سببا أو عاملا واضحا لم يتم اكتشافه ليجعل من بلاد وادي الرافدين دون غيرها المنشأ الأول للمدنية قبل الاف السنين، كما أن أمرا اخر قد ظهر للمرة الأولى في وادي الرافدين، هو الكتابة السومرية التي لا يستطيع احد انكار ذلك، ولولا هذا المنجز العظيم لما شهدت البشرية هذه التطورات الهائلة ولما حصل البشر على خدمات جليلة بفضل الاكتشافات والاختراعات، ويربط البعض بين ظهور الطباعة للمرة الاولى في المانيا إبان القرن الثالث عشر ميلادي، ويقدم بعد ذلك النهضة الاوروبية ومن ثم ما حصل في العالم من انتشار للمعرفة والثقافة التي اسهمت بقوة في التطور الذي شهده العالم ، وفي الواقع لو لم تكن هناك الكتابة التي اخترعها ابناء وادي الرافدين لما ظهرت المطبعة اصلا، وينجر ذلك على النهضة وما حملت من اكتشافات قادة إلى الثورة الصناعة بعد ذلك.
وبدون اختراع الكتابة وتشكيل المدنية الأولى في العالم لما شاهدنا اليوم وادي السليكون بكل ما يقدم للبشرية من خدمات جليلة وكثيرة ومتنوعة، وبدون ذلك الاختراع الهائل فإن الكثير من الفلسفات لبقيت حبيسة الرفوف وربما قد لفظ الكثير منها أنفاسه دون علم ومعرفة أحد.
ربما لا يعرف الكثير من ابناء وادي الرافدين ومثل ذلك من أبناء الأمة العربية والإسلامية هذه الحقائق، وقد تمر على الكثيرين مرور الكرام، ولكن لا بد من التأكيد على أن الامم والشعوب تفخر كثيرا بمنجز الآباء والأجداد، ما يدفع بالأحفاد وعبر العصور لتلمس تلك الشذرات النيّرة المشعة على أمل أن تسهم في وأد دعاة الفتنة ومشاريع التخريب والتدمير.

إلى الأعلى