الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / (عمان في عيون مصرية) 1/3

(عمان في عيون مصرية) 1/3

سعود بن علي الحارثي

” ثلاثة وثلاثون شخصية مصرية قدمت انطباعاتها وشهاداتها وذكرياتها عن عمان باعتبارها عملت وعاشت وقدمت عصارة فكرها وثقافتها وانجازاتها في العديد من مؤسسات الدولة, أثرت وتأثرت بالثقافة العمانية وأعلنت في هذا الكتاب الذي تبلغ صفحاته 192 صفحة عن اعجابها بكل ما هو عماني , ثلاثة وثلاثون عنوانا تلخص حقيقة تلك المشاعر الصادقة والحب المتأصل في قلوب أصحابها.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولدت فكرة تدوين هذه (( الانطباعات الشخصية )) في منزل سعادة السفير العماني لدى جمهورية مصر العربية، وممثلها الدائم في جامعة الدول العربية، سعادة الشيخ خليفة بن علي بن عيسى الحارثي، وذلك في جلسة مصغرة ضمت بعضا من أصدقاء عمان، وقد دعم سعادة السفير الفكرة وشجع المشاركة فيها لمن أتيحت لهم فرصة العمل والإقامة في سلطنة عمان، فترة من الزمن طالت أو قصرت، ثم عادوا الى وطنهم وهم يحتفظون بذكريات جميلة ومشاعر طيبة لهذا البلد الطيب الآمن وأبنائه، وهم يتذاكرون هذه المشاعر عندما يلتقون، لكن أحدا منهم لاينساها عندما يتفرقون، ويكفي أن تأتي مناسبة ذكر عمان أو أهلها أو سلطانها أو مواقفها النبيلة، حتى تدور الأحاديث الطيبة، والعرفان بالمزايا ممن أتيحت له زيارة هذا البلد الجميل، أو الإقامة فيه، وحتى دون أن تأتي المناسبة، يكفي أن يمر مواطن عماني في أحد شوارع القاهرة أو المدن المصرية الأخرى المزدحمة، بملابسه التقليدية، الدشداشة والكمة والمصر، التي تميزه عن بقية الضيوف الوافدين، حتى من دول الخليج الأخرى، فاذا مر هذا العماني، تفتحت له العيون والقلوب المصرية، في صمت في معظم الأحايين، لكن قد تسعى نحوه الأقدام مرحبة به، والأيدي مصافحة له دون سابق تعارف، كما حدث مع احد الصحفيين بالقرب من ميدان التحرير، عندما سعى الى صاحب الدشداشة والكمة دون سابق معرفة وعرض عليه خدماته وفاء لجوانب المحبة والعرفان التي يدين بها كثير من المصريين لأشقائهم العمانيين). رأيت نفسي مضطرا إلى اقتباس هذه الأسطر كاملة من مقدمة الكتاب التي سطرها الدكتور أحمد درويش تحت عنوان ( بين يدي الكتاب) وذلك لعدة أسباب أولا: لأنها تلخص فكرة ولادة وتدوين هذه (( الانطباعات الشخصية)) وغاياتها. ثانيا: لأنها تقدم لهذا الكتاب الذي بين أيدينا وتبرز أهميته وقيمته وما يتضمنه من شهادات معبرة ومشاعر صادقة وذكريات مشوقة عن عمان وسلطانها ومجتمعها وثقافتها وتاريخها وسياستها ونهضتها الرائدة … كتبت بأقلام أساتذة وأكاديميين ومفكرين وأدباء وصحفيين وكتاب عملوا وعاشوا على الأرض العمانية لعقود وسنوات عديدة تركوا فيها أثرا لا يمحى وعلاقات لا تنسى وارتباطات لن تنقطع, أصدقاء كثر وتلامذة علم ومشاريع أدبية وثقافية وبرامج إعلامية ومقالات وتقارير صحفية. ثالثا: لأنها تلقي الضوء على حقيقة العلاقة المتينة والروابط العميقة بين الشعبين العماني والمصري والمشاعر المتبادلة بينهما. رابعا : تبرز أهمية السفراء ودورهم الثقافي ومسئولياتهم في تعزيز وتوطيد قيم التواصل والتلاقي والتباحث مع الشعوب والأمم الأخرى وأهمية رعايتهم وتشجيعهم ودعمهم لهكذا مشاريع ثقافية وعلمية واحتضانهم للنقاشات والحوارات الأدبية والعلمية والسياسية, والاسهام في إبراز تراث وتاريخ وقيم العمانيين خاصة في مجال التعايش والسلم وعدم التدخل في شئون الآخر ونبذ العنف … ولم يكن اختيار الأخ الكريم سعادة السفير خليفة بن علي بن عيسى الحارثي لدى جمهورية مصر العربية وممثل عمان الدائم في جامعة الدول العربية إلا امتدادا طبيعيا لخلفيته الثقافية وقراءاته المبكرة لكبار الروائيين والكتاب المصريين خاصة وعلى رأسهم الروائي العالمي نجيب محفوظ . وعندما صدر المرسوم السلطاني السامي بنقله من ألمانيا إلى جمهورية مصر العربية ,أخذتني الذكريات مباشرة إلى نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن المنصرم عندما كان أبو الهيثم لا يفوت فرصة لزيارتي في منزل الوالد بالمضيرب ليسألني عن الجديد من الروايات القيمة التي كانت نادرة في تلكم الأيام ويستعير مني ما يجده منها, ومن أهمها وأبرزها روائع الكاتب الكبير نجيب محفوظ , ولا تظل الرواية عنده كثيرا حتى يعيدها ليستعير أخرى ما يؤكد على أنه كان شغوفا بالقراءة محبا للأدب يبحث عن الجديد من الكتب, ما مكنه من بناء نفسه وتوسيع مداركه وتعميق ثقافته وتطوير امكاناته وتحقيق أهدافه إلى أن أصبح سفيرا لبلاده في أعظم العواصم وأهم الدول تاريخا وحضارة ومنارات علما ومعرفة.يعزز هذا الرأي ما سطرته كلمات الدكتور أحمد درويش في ورقته القيمة وانطباعاته الثمينة تحت عنوان ( عمان في عقلي ووجداني) , ( … السفير الحالي سعادة الشيخ خليفة بن علي الحارثي, بأسلوبه الراقي , وخلقه المتواضع, وخطواته المدروسة الواثقة, والذي استطاع الحفاظ على استقرار سفينة العلاقات العمانية المصرية برغم هيجان بحر المشهد السياسي الداخلي المصري في السنوات الأربع الأخيرة.) ويقول عنه الدكتور محمد سمير مصطفى في رائعته ( عمان: رباعية الإنسان والأرض والبحر والجبل حفر في الذاكرة) ( بعد قرابة عام أصبح خليفة الحارثي سفيرا لعمان في الهند, وبعدها سفيرا في ألمانيا, والآن في القاهرة يدير الفريق الدبلوماسي العماني بمهارة وحب في وطن يشعر أنه وطنه الثاني … ) . وها هو اليوم يعزز روابط الود والأخوة بالمشترك بيننا (خير جليس في الزمان), كما وصفه سلطان الشعر ورائده فلا يفوت فرصة إلا ويتحفني بكتاب ثمين يختاره بكل عناية فيغمرني بالسعادة البالغة والكرم الواسع فلا أعز ولا أرفع ولا أثمن من الكتاب. كان آخرها هذا الكتاب القيم ( عمان في عيون مصرية. انطباعات لشخصيات مصرية عاشت في عمان ) قدم للكتاب الدكتور أحمد درويش الذي وضع كذلك بصمته مع زملائه الآخرين في فصل عنوانه (عمان في عقلي ووجداني) ثلاث وثلاثون شخصية مصرية قدمت انطباعاتها وشهاداتها وذكرياتها عن عمان باعتبارها عملت وعاشت وقدمت عصارة فكرها وثقافتها وانجازاتها في العديد من مؤسسات الدولة, أثرت وتأثرت بالثقافة العمانية واعلنت في هذا الكتاب الذي تبلغ صفحاته 192 صفحة عن اعجابها بكل ما هو عماني , ثلاثة وثلاثون عنوانا تلخص حقيقة تلك المشاعر الصادقة والحب المتأصل في قلوب أصحابها. بعد قراءتي للانطباعات والشهادات القيمة التي تضمنها الكتاب ظهرت لي قيمة وأهمية هذه المشاريع المعرفية ونتائج الأفكار والرؤى التي تخرج بها المناقشات الأدبية التي تدور في منزل ( سعادة السفير العماني). يمثل الكتاب إضافة حقيقية لشهادات تحمل التقدير والاحترام والود والحب لعمان والعمانيين ممن زارها وعاش وعمل فيها ردحا من الزمن. مشروع ينبغي أن يتواصل ويستمر وذلك بإضافة جزء ثان إليه يتضمن انطباعات وشهادات عدد آخر من الأخوة المصريين الذين عملوا في عمان في نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات خاصة في القرى والجبال والمناطق النائية, لما ستمثله تلك الانطباعات والشهادات من أهمية بالغة في وقت كانت فيه عمان تخطو خطواته الأولى نحو التنمية والبناء, وما ستقدمه من مقارنات جميلة بين الماضي والحاضر في عديد من الصور منها على سبيل المثال: معاناة الإنسان وحياته ومعيشته في ظروف لا تتوفر فيها الطرق المعبدة ولا المدارس الحديثة ولا المراكز الصحية ولا حتى شبكات الكهرباء, أسلوب الحياة وتدبر متطلبات المعيشة والتنقل بين المناطق, قيم العماني وعاداته وتقاليده وثقافته العامة وملبسه ومأكله ومشربه ومناسباته, ورصد مستوى التغيرات التي طرأت عليها على مدى أكثر من أربعين عاما , الشخصيات الثقافية والأدبية والاجتماعية التي تحتفظ بها الذاكرة , صور لمواقف تحمل طرفة أو نادرة تستحق أن ترصد. خاصة وأن تلك الانطباعات سوف تصاغ بأسلوب أدبي راق وبأقلام متمكنة .يسند هذا المقترح ما جاء في مقدمة الدكتور أحمد درويش نفسه ( إننا على ثقة من أن كثيرين من زملائنا المصريين الذين عملوا في عمان, قد يوجهون لنا بعض العتاب لأنه لم تتح لهم الفرصة لكي يعبروا عن آرائهم وانطباعاتهم الطيبة, ونحن نعتذر أمام كثرة المحبين وضيق دوائر التواصل, في زحمة الحياة المعروفة, ولكننا نتوقع أن تكون هذه الطائفة من الشهادات بداية لسلسلة جديدة من التواصل والمصارحة بالمحبة والإعجاب والرضا بين الشعبين الشقيقين ) وهذا ما نتمناه أن تتواصل سلسلة الشهادات والانطباعات. هذا جانب ومن جانب آخر فينبغي على سفراء آخرين في دول عربية وآسيوية وأوروبية تبني مثل هذا الأفكار والمشاريع ودعمها بطرق وصور مختلفة, فالكثير من مواطني هذه الدول ممن عمل وعاش وزار عمان لديه انطباعات جميلة وشهادات منصفة وملاحظات قيمة تستحق الرصد والتوثيق , تقدم عمان إلى العالم بعيون الآخرين . تبرز تاريخها وحضارتها وثقافة شعبها . كما يتطلب الأمر السعي إلى إبراز هذه الكتب وقراءتها إعلاميا وتبنيها والمشاركة بها في معارض الكتب وفي الفعاليات والندوات الثقافية في مختلف دول العالم, ودراسة تخصيص مادة في المنهج الدراسي تحت عنوان ( عمان في عيون الآخرين) من أجل أن تحقق عددا من الغايات من بينها تعزيز قيم المواطنة عند الطلاب وإبراز مكانة عمان وما تحظى به من تقدير لدى الآخرين, وكيف كان تعامل آبائهم مع ضيوف السلطنة من رقي في التعامل ونبل في الأخلاق, وأن يتشرب الطالب قيم الآباء وثقافتهم. وهذا ما أشار إليه الدكتور عبد العاطي محمد في انطباعاته تحت عنوان ( بين الأشقاء ) ( على المستوى العام , فإن أجيال اليوم من العمانيين, خصوصا ممن هم في ريعان الشباب لا يعرفون ما كانت عليه بلادهم, ليس فقط عام 1970م, وإنما أيضا حتى ثمانينيات القرن الماضي, وقد كتبت سابقا أطالب المسئولين العمانيين بأن يقيموا متحفا بالصور وغيرها يعبر عن مسار النهضة ومراحلها, وأن يضعوا الفكرة في مناهج التعليم الأساسي لكي يزداد أبناء اليوم إعجابا بما قدمه آباؤهم ممن شاء القدر أن يتحملوا العبء الأكبر في تحقيق الانطلاقة النهضوية … )) , ومما لا شك فيه بأن هذه الانطباعات والشهادات ما هي إلا جزء أساسي في هذا المشروع الوطني المهم.
وسوف ألقي الضوء في الجزءين الثاني والثالث من هذا المقال على الانطباعات والمشاهدات التي تضمنها الكتاب بمشيئة الله.

إلى الأعلى