الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مكاسب إيران من الاتفاق النووي

مكاسب إيران من الاتفاق النووي

السيد عبد العليم

” إن البرنامج النووي الإيراني لم يخسر شيئا، وخرج منتصرا من ذلك النزال الدبلوماسي الذي امتد لسنوات. وذلك أن أساس البرنامج النووي يتمثل في العقول. أي في العلماء والخبراء النوويين الذين أعدوا الأبحاث وأجروا التجارب، فهؤلاء هم الرصيد الحقيقي للبرنامج النووي. وبالنسبة لهؤلاء في إيران، لم يحدث معهم مثلما حدث لنظرائهم في العراق،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحاول البعض تشويه مكاسب إيران من الاتفاق النووي الذي تم الإعلان عن بدء تنفيذه تدريجيا مؤخرا. وذلك بأن ذهب بعض المحللين من بلدان المنطقة إلا أن إيران قد خسرت خسرانا كبيرا من هذا الاتفاق وتتمثل الخسارة الفادحة برأي هؤلاء، في المليارات التي انفقتها على برنامجها النووي، ثم هي الآن تتخلى عنه. فضلا عن أن انفتاحها واستعادة علاقاتها الطبيعية مع بلدان العالم سيكون له عواقب اجتماعية خطيرة على الداخل الإيراني. والحقيقة أن هذا الكلام يجافي الواقع والحقيقة من الأساس.
بشكل عام فقد كانت إيران هي الرابح الأكبر في هذا الاتفاق التاريخي وحققت من ورائه جملة من المكاسب، يأتي في مقدمتها تلك الخبرة والبراعة الدبلوماسية التي مارستها في عملية التفاوض مع الطرف الآخر أو بالأحرى الدول والأطراف الأخرى، فقد كانت لاعبا فرديا مبتدئا في مجال التفاوض أمام فريق كامل العدد من اللاعبين الكبار المحترفين في العمل التفاوضي. كيف لا ؟ وهؤلاء هم المنظرون وأصحاب المدارس في الدبلوماسية والمفاوضات التي تدرس أعمالهم الفكرية وكتبهم في جامعاتنا ! ولكن صبر المفاوض الإيراني واحترافه في التفاوض طيلة تلك الفترة الطويلة والشاقة بكل المقاييس، يمثل انجازا ورصيدا في مجال التفاوض يضاف إلى الدبلوماسية الإيرانية. وهو أمر يحتاج إلى مزيد من الاهتمام والتركيز بل وتدريسه في الجامعات.
أما من ناحية البرنامج النووي الإيراني والانفاق عليه والخسارة كما يرى البعض. فبداية كم من المليارات التي تم ويتم انفاقها على شراء صفقات أسلحة لم يتم استخدامها على الاطلاق في كثير من البلدان العربية؟ فلو تم انفاق تلك الأموال على أي برامج أخرى تنموية أو تعليمية أو حتى نووية، ربما لجعلت مثل تلك الدول في مصاف البلدان المتقدمة، ولخرجت عن دائرة البلدان المتخلفة.
ففي الواقع، فإن البرنامج النووي الإيراني لم يخسر شيئا، وخرج منتصرا من ذلك النزال الدبلوماسي الذي امتد لسنوات. وذلك أن أساس البرنامج النووي يتمثل في العقول. أي في العلماء والخبراء النوويين الذين أعدوا الأبحاث وأجروا التجارب، فهؤلاء هم الرصيد الحقيقي للبرنامج النووي. وبالنسبة لهؤلاء في إيران، لم يحدث معهم مثلما حدث لنظرائهم في العراق، حيث حققت معهم الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتم أخذ معلوماتهم وبياناتهم الشخصية، وتم إما ابتزازهم من قبل أميركا والغرب أو شرائهم أو اغتيالهم والتخلص منهم. أما العلماء النوويون الإيرانيون فهم في الحفظ والصون. وكان هذا أهم شروط إيران في التفاوض مع الوكالة والغرب وهو عدم الاقتراب من أي عالم إيراني. وأما المفاعلات، فكما تم تفكيك بعضها او تحويله، يمكن بسرعة تركيبها وإعادة تحويلها بسهولة ويسر. وأما المعلومات المتعلقة بالأبحاث والتجارب فهي محفوظة على خزانة معلومات صغيرة (قرص صلب أو بطاقة ذاكرة أو خلافه). أما المواد الخام، فموجودة ومتوفرة ويمكن الحصول عليها في اي وقت كما هو حال اليورانيوم، على سبيل المثال، الموجود بكثرة لدى بلدان أفريقية لا تعرفه ولا تعرف أهميته، فيمكن شراؤه منها ونقله بسهولة. أي أنه في المحصلة لم تخسر إيران في هذا الصدد، بل انها حققت كثيرا من المكاسب التي عددها رئيسها حسن روحاني بـ11 إنجازا بدخول خطة العمل المشتركة ( الاتفاق النووي) حيز التنفيذ وهي كالآتي:
1- تحقيق الرغبة الاستراتيجة للشعب الإيراني المتمثلة بتثبيت حقه المسلم به في مجال الأنشطة النووية السلمية، واعتراف المجتمع الدولي وإبدائه الاحترام لبرنامج إيران النووي ذي الأبعاد التجارية والصناعية.
2- تواصل المسار التكاملي لعملية التخصيب بصفتها أهم جزء من برنامج إيران النووي وأكثره حساسية، وباتت إيران بحسب برامج موثقة بصفوف المنتجين الدوليين للوقود النووي.
3- سيتم تحويل مفاعل أراك للمياه الثقيلة في إطار تعاون دولي إلى مفاعل أبحاث متطور وعصري بمعايير دولية عالية المستوى.
4- مخزون إيران الاستراتيجي من اليوارنيوم شهد زيادة ملحوظة لأول مرة عبر تزويده بـ200 طن من الكعكة الصفراء.
5- ببيع اليورانيوم المخصب والماء الثقيل المنتج، تنضم الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى الدول القلائل المصدرة لهذا النوع من المواد الحساسة.
6- فتح باب التعاون الدولي أمام برنامج إيران النووي السلمي في مجالات مثل تأسيس المحطات النووية والمفاعلات وإنتاج الوقود والتحقيقات والتطوير المتقدم والانصهار والاندماج والأمان النووي فضلا عن تحلية المياه والحفاظ على البيئة.
7-إلغاء 6 قرارات تحت الفصل السابع لمجلس الأمن الدولي ضد إيران ويسري قرار 2231 في الوقت الراهن، وهو الذي سيلغى تلقائيا بعد عشر السنوات.
8- إلغاء 12 قرارا وخمس مقررات لمجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتم إغلاق جميع المواضيع والغموض المتعلق بماضي البرنامج النووي الإيراني، ولم يتبق سوى القرار الأخير 2015/‏‏70 ساريا والمشرف اقتصارا على تنفيذ خطة العمل المشتركة (الاتفاق النووي).
9- إلغاء إجراءات الحظر الاقتصادية والمالية المتعلقة بالبرنامج النووي والمفروضة من قبل مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية في مختلف المجالات مثل التحويلات المالية والأنشطة المصرفية والاتصال بشبكة سويفت العالمية والاستثمارات وخدمات التأمين بجانب الائتمانات التصديرية وقطاع النفط والغاز والبتروكيماويات والشحن والنقل والملاحة البحرية والموانئ وتجارة الذهب وسائر المعادن فضلا عن السيارات والطائرات. وبمقتضى ذلك توفرت الأرضية اللازمة للحضور المقتدر لإيران في الاقتصاد العالمي واغتنام فرص السوق التصديرية والوصول لأسواق المال الدولية.
10- الإفراج عن الأرصدة المجمدة المتعلقة بإجراءات الحظر المفروضة إثر البرنامج النووي الذي سيتيح إمكانية الإفادة منها بمجال الاستثمارات وايجاد فرص العمل.
11-تحقيق الجانب الأهم المتمثل بإفشال جهود السنوات العديدة للمتربصين بالإسلام الرامين إلى رسم صورة مغلوطة ومخيفة عن الثورة في إيران، وانعكست عمليا السمة الإنسانية والمسالمة لإيران في العالم، واستحسن المجتمع الدولي الخلق الحسن والطبع الحصيف والشامخ للشعب الإيراني.
وتأتي تلك المكاسب بعد صمود لمدة 12 عاما أمام التهديدات والحظر. فرغم ذلك الحظر والتهديدات، حققت إيران انجازا بالغ الأهمية على الصعيد التعليمي ـ الذي يمثل الركيزة الاساسية لاي تقدم ـ حيث تاتي ايران في طليعة دول العالم من حيث جودة التعليم. ويدلل على ذلك انه في عام 2010 تقريبا وبينما كانت إحدى الفضائيات تذيع اجتماع لشباب الحزب الوطني الديمقراطي في مصر بعنوان الفكر المتجدد الذي اورث مصر الهاوية، كانت تذيع ايضا في نفس الوقت بالصوت والصورة وصول طلبة كلية الهندسة الى جامعة طهران، وكل منهم يقود سيارته الكهربائية باعتبارها مشروع التخرج. فضلا عن تحقيق تنمية كبيرة على الصعيد الزراعي والصناعي، حيث صارت تنتج طرازات من السيارات الاوروبية. ولديها مستشفيات ومراكز علاج على أعلى مستوى.
بل إن البعض، وفي محاول للتغطية على الحقيقة، أخذ يحذر بأن تطبيع إيران علاقاتها او بالأحرى استعادة علاقاتها خاصة الاقتصادية مع بلدان العالم سيترتب عليه انفتاح ودخول سلع وخدمات ومنتجات، سيكون لها تأثيرها السلبي على المجتمع وسيترتب عليها وجود شقاق اجتماعي بين ما يوصف بالمتشددين أو المحافظين والاصلاحين او المعتدلين. ليس على صعيد السياسة فحسب بل على الصعيد الاجتماعي. وكأن ايران كانت طيلة تلك الفترات تعيش في العصور الحجرية، ولم تكن على اتصال بكل مستحدثات ومستجدات العصر! وكأن المناكفات السياسية بين الزعامات والقيادات الايرانية صارت حروب إبادة كما يجري في بعض بلدان المنطقة!
ربما كان لبعض المحللين ملاحظات أو اختلافات مع عدد من السياسات الإيرانية، لكن ذلك يبقى أمرا شخصيا يتعلق بعاطفة ذلك الشخص، أما محاولة تغليب الهوى والمواقف المسبقة لطمس الحقيقة وتشويهها فغير معقول.

إلى الأعلى