الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : بيادق على الشطرنج السوري بمسمى “معارضة”!

شراع : بيادق على الشطرنج السوري بمسمى “معارضة”!

خميس التوبي

بعد تفخيخ مؤتمر جنيف الثالث بـالورقة “العلوشية” الإرهابية، واحتكار ما صار يعرف بـ “معارضة الرياض” التمثيل في التفاوض، وإقصاء الكتل السورية الأخرى المحسوبة على المعارضة، ليس بمستغرب أن تراوح حظوظ انعقاد المؤتمر مكانها، ويغدو حاله بين “يعقد” و”لا يعقد”، يرددها المتابعون، ذلك أن المايسترو الصهيو ـ أميركي لم تتوافر لديه الإرادة الكاملة بعد للتحرك نحو الحل، بل إن الحل ليس واردًا في أدبياته ولا في أجنداته السياسية، بدليل حضور الإرهاب “الداعشي” في ما يسمى “معارضة الرياض” وتمثيله، سواء في الاجتماعات أو في قادم الجولات إذا ما كتب لمؤتمر جنيف الانعقاد، وذهاب المايسترو الصهيو ـ أميركي إلى أبعد من ذلك، حين أضفت الخارجية الأميركية على هذا الحضور والتمثيل صفة الشرعية، حيث أكد المتحدث باسم الوزارة مارك تونر أن المعارضة السورية التي انبثقت عن مؤتمر الرياض هي “مجموعة شرعية وموسعة جدًّا وتمثل الجميع”. وعبارة “موسعة جدًّا وتمثل الجميع” تدلل على أن تنظيم “داعش” الإرهابي ليس وحده حاضرًا وممثَّلًا، وإنما الإرهاب القاعدي وكل نسله من “داعش إلى النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام وجيش الفتح و…”.
ويسعى الصهيو ـ أميركي من تبنيه هذا الإرهاب القاعدي بجميع تفرعاته وأنساله، إلى تحقيق أحد هدفين: الأول: جر السوري والروسي إلى الاعتراف بهذا الإرهاب بقبول الجلوس وجهًا لوجه والتفاوض معه، وهذا ما سيترتب عليه تبعات كإيقاف العمليات العسكرية السورية ـ الروسية التي تستهدف التنظيمات الإرهابية لجهة أنها باتت تستهدف “المعارضة المعتدلة” التي قبلت دمشق وموسكو التفاوض معها واعترفت بها بذلك، وبالتالي تحجيم مستوى العمليات العسكرية، وتحجيم أو إيقاف تقدم الجيش العربي السوري والاستمرار في استعادة القرى والمناطق الخاضعة تحت سيطرة هذه التنظيمات الإرهابية/”المعارضة المعتدلة”. الثاني: تلغيم المؤتمر بهذا الإرهاب وفرضه على السوري والروسي، ليقين حلف التآمر والإرهاب أن دمشق تحديدًا وموسكو لن تقبلا الجلوس والتفاوض مع تنظيمات إرهابية معروفة بإجرامها في حق الشعب السوري وضد المصالح الروسية، وبالتالي إظهار دمشق على أنها المعطل للمؤتمر والحل.
والهدف الرئيسي من كل ذلك، هو مط أمد المؤامرة وإعطاء الإرهاب جولة جديدة، لتعديل ما يسميه حلف التآمر والإرهاب “كفة الميدان” المائلة حاليًّا لصالح الدولة السورية والجيش العربي السوري؛ لأنه يعلم تمامًا أن أوراقه ليست مبعثرة فحسب، بل محروقة على أرض الميدان، وبالتالي لا يملك ما يمكن أن يصرفه في السياسة. ومن يتابع مواقف الأميركي يجد أنه يجيد الرقص على الحبال، وتزداد بهلوانيته خفة يومًا بعد يوم، بقوة الدور المعطِّل الذي أعطاه لذيوله، ليكتفي هو بإطلاق تصريحاته الناعمة والخادعة، ولإيهام الروسي وحلفائه بأنه مهتم بحل الأزمة في سوريا، ولا بأس أن يطلق تصريحات نارية لإعطاء الدور المعطِّل الذي تلعبه ذيوله قوة دفع، حين يجد ما قد يعيقه على نحو الموقف الروسي من إرهاب القاعدة الذي يراد تشريعه في ما يسمى “معارضة الرياض” ورفض موسكو هذه المشاركة، كتصريح جو بايدن نائب الرئيس الأميركي أمس الأول بالذهاب إلى الحل العسكري إذا لم يكن الحل السياسي ممكنًا. ‏
ولذلك واهِمٌ من يرى بعين الثقة والصدق في كل ما تتفوه الدبلوماسية الأميركية، فهي كعادتها تقول شيئًا وتريد ضده، كما أنها غير راغبة في الانخراط في التسوية وهي ترى أسعار النفط تتهاوى إلى منحدر سحيق، وتشاهد بأُمِّ عينها الخسائر التي يسجلها الروبل الروسي، وبالتالي تلغيم مسار التسوية لعرقلة التحرك الروسي نحو الحل أو إبطائه هدف استراتيجي في خطط استنزاف روسيا الاتحادية وإنهاكها. كما أن جعل مسار التفاوض الذي سيتمخض عنه حكومة وحدة وطنية وإعداد دستور سوري جديد في إطار زمني مدته ثمانية عشر شهرًا ـ مثلما قلت ذلك في مقال سابق ـ هو لكون أن إدارة الرئيس باراك أوباما راحلة، وستأتي بعدها إدارة جديدة، إرهاصاتها تقول بأنها ستكون جمهورية ـ طبعًا لا غرابة في ذلك من ناحية ديمقراطية الحزبين اللذين يتبادلان السلطة، ويتم بها صم آذان العالم بأنها الديمقراطية المثلى، وبـ”مثاليتها” يتم إسقاط أنظمة دول لتتمتع بهذه المثالية. ومؤشرات هذه الإدارة تشير إلى عزمها على تأزيم الأوضاع في المنطقة وفي سوريا تحديدًا؛ لذا فالرهانات لا تزال كبيرة على الإدارة الأميركية القادمة في مباشرة نهج مختلف تمامًا عن نهج إدارة أوباما، بمعنى إدارة حروب وأزمات وليس فوضى فقط. وفي تقديري، أن انعقاد مؤتمر جنيف الثالث يمثل مطلبًا بالنسبة لحلف التآمر والإرهاب لجهة أنه يسعى إلى استثماره في الإفراج عن عصاباته الإرهابية المحاصرة، ومدها بالغذاء والدواء والسلاح تحت شعار إبداء حسن النوايا من قبل الحكومة السورية، وكذبة حرص حلف التآمر والإرهاب على فك الحصار عن المدن التي يحاصر فيها الجيش العربي السوري العصابات الإرهابية، وحرصه على إدخال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين، مثلما حصل تمامًا أثناء مؤتمري جنيف الأول والثاني.
على أن المثير للسخرية، هو أسلوب الإقصاء الذي تنتهجه ما تسمى “معارضة الرياض”، ما يثير حالة انكشاف وافتضاح تام لكل ما يتفوه به رموز “معارضة الرياض” من أدبيات وكلمات في الممارسة الديمقراطية والمشاركة الجمعية والعدالة والمساواة، ونبذ العنف والإرهاب، ليزداد اليقين يقينًا والثابت ثبوتًا وهو أن هذه الرموز ما هي سوى بيادق وأدوات بيد أسيادها اللاعبين بها في رقعة الشطرنج السورية، تتلقى الدعم مقابل الدور المطلوب منها القيام به؛ ومتى ما ينتهي دورها إلى مزبلة التاريخ مباشرة.

إلى الأعلى