الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : جنيف 3 ..مرحلة جديدة للحل أم لمط أمد الأزمة؟

رأي الوطن : جنيف 3 ..مرحلة جديدة للحل أم لمط أمد الأزمة؟

لا يبدو المشهد السوري وهو يتجه إلى حط رحاله على أبواب مؤتمر جنيف الثالث بحاجة إلى عناء جهد لفهم سياقاته المتعددة والمنقسمة كالعادة بين طرفي النقيض، طرف بقيادة روسية تحدوه الإرادة والعزيمة نحو تجنيب الشعب السوري المزيد من الويلات، وتجنيب الدولة السورية المزيد من الاستنزاف والتدمير والتخريب، من خلال حوار سوري ـ سوري لا مكان فيه لكل إرهابي سام الشعب السوري صنوف الإرهاب.
وطرف بقيادة أميركية يراهن على الإرهاب، ويسعى إلى استثمار الوقت وتمييع الجهود، بل وضرب أي جهد جدي يهدف إلى حل سياسي حقيقي، وراح يوظف كل إمكاناته لتكريس حالة التعطيل الملازمة للمسار السياسي منذ بدء الأزمة وإلى الآن، وغدَا يستعين بالخبرة الإسرائيلية في كيفية المماطلة والتسويف والتملص من الاستحقاقات، وفرض شروط وأجندات وفق مقاس مشاريع الاحتلال الإسرائيلي، وكيفية تفريغ المفاوضات من أي مضمون مع استغلال زمن التفاوض في تغيير الواقع على الأرض.
ومن يتابع المسار الذي تقوده الولايات المتحدة بكل تناقضاته تجاه الأزمة السورية، لابد له وأن يشاهد حضور الأسلوب الإسرائيلي في كل تفاصيل الحراك السياسي، ولعل فرض شروط خارج تفاهمات مؤتمري فيينا ونصوص مواد القرار الأممي رقم (2254)، واللجوء إلى لغة التهديد والوعيد، باتا إحدى وسائل التعطيل، ما يعني أن الأمور سائرة إلى مزيد من الانزلاق والتدهور باتجاه استمرار المراهنة على الإرهاب، وإلحاق المزيد من الآلام والمآسي بحق الشعب السوري؛ ذلك أن التلويح بـ”الحل العسكري إذا لم يكن الحل السياسي ممكنًا” والذي جاء على لسان جو بايدن نائب الرئيس الأميركي أمس الأول لا يمكن وضعه إلا في سياق ممارسة الضغوط على الطرف الروسي ـ السوري للقبول بالتنظيمات الإرهابية والاعتراف بها والمضمومة في وفد “معارضة الرياض”، ورفع معنوياتها المنكسرة، وليس في إطار سياسة المداهنة للحلفاء والأصدقاء وتليين مواقفهم المتصلبة.
كما أن الموقف الأميركي بتأييد “معارضة الرياض” في إقصائها باقي مكونات المعارضة السورية بمن فيهم الأكراد، يتنافى مع كل ما تعلنه واشنطن ومن في معسكرها من مواقف وتصريحات بأنها تدعم الشعب السوري وتؤيد الحل السياسي السلمي، وتدعم “المعارضة المعتدلة”، بل ما يبدو الآن هو النقيض تمامًا، فالسواد الأعظم إن لم يكن كل المعارضة المعتدلة، أصبحت خارج دائرة الاعتراف والاهتمام، وخارج معادلات التسوية السياسية الأميركية، وحلت محلها تنظيمات إرهابية معروفة مثل ما يسمى “جيش الإسلام” و”جيش الفتح” و”داعش” و”أحرار الشام” و”النصرة”، وهذا ما بدا من خلال أسماء أعضاء الوفد المشكل للتفاوض في مؤتمر جنيف الثالث، فمن بين هذه الأسماء من ينتمي إلى تلك التنظيمات ومنها من يدعمها ويتبنى إرهابها.
ولذلك، وأمام هذا الراهن بإقصاء مكون كبير جدًّا من المعارضة ووازن ويرفض خيار الإرهاب والعنف، ويرفض تدمير الدولة السورية ومدعوم من قبل روسيا الاتحادية، وإضفاء الولايات المتحدة الشرعية على تنظيمات إرهابية مدانة شرعيًّا وقانونيًّا وأخلاقيًّا وسياسيًّا من قبل الشعب السوري وجميع الأحرار في العالم، واعتبار هذه التنظيمات هي المجموعة الشرعية الصالحة للتفاوض، فإن حظوظ مؤتمر جنيف الثالث في النجاح تبدو ضئيلة جدًّا، وبالتالي لا يعدو عن كونه جولة جديدة يحاول حلف التآمر والعدوان استثمارها في خطوات عملية تلبس لبوسًا سياسيًّا، وهي فك الحصار عن التنظيمات الإرهابية وإيصال المواد الغذائية والدوائية والسلاح إليها، وهذا بدوره يقود إلى ما يمكن أن يؤسس له لاحقًا، ويؤدي تاليًا إلى انزلاقات أكثر خطورة وليس إلى انزياحات تؤدي إلى الحل.
إن الشعب السوري اليوم بحاجة إلى وقفة صادقة مع النفس، وصحوة ضمير الذي باعه أصحابه من المتاجرين بحقوق السوريين في سوق نخاسة العمالة والخيانة، وليس إلى سباق مع الزمن من قبل أولئك البائعين لضمائرهم والمتاجرين بالحقوق لوضع أكبر عدد من البيض في سلال أسيادهم أعداء الشعب السوري وأعداء الدولة السورية.

إلى الأعلى