الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / الحلقة (14) : حق عدم التدخل في الشؤون الداخلية في النظام الأساسي للدولة والقوانين الدولية

الحلقة (14) : حق عدم التدخل في الشؤون الداخلية في النظام الأساسي للدولة والقوانين الدولية

إن استقلال الدول ، وصيانة سلطتها ، وبسط سيادتها ونفوذها على أراضيها، حقوق إنسانية مقررة بنصوص الشريعة الإسلامية وشواهد السيرة النبوية في جانب التكوين الدستوري للدولة والعلاقات الدبلوماسية بين الأمم والذي بناه خير الأنام محمد – صلى الله عليه وسلم -. كما ثبت ذلك وتقرر بموجب نصوص القوانين العمانية والدولية؛ لأن هذا المبدأ يعتبر ضمانا ثابتا للدول والمؤسسات في تقرير مصيرها، واتخاذ قراراتها. ولا يختلف هذا التدخل بين دولة وأخرى، أو بين منظمة دولية تجاه أية دولة أخرى كذلك. ومما يدلل على ذلك العهود والمواثيق التي جاءت في مختلف الاتفاقيات الدولية والإقليمية بين النبي – صلى الله عليه وسلم – وبين بقية الشعوب والطوائف والدول التي كانت موجودةً إبان قيام دولة المسلمين عند هجرتهم من مكة إلى يثرب، فقد كانت الأولويات الأولى للنبي – صلى الله عليه وسلم – وضع دستور سياسي دولي بين المسلمين وغيرهم من الشعوب، فكتب صحيفة المدينة المنورة المعروفة في كتب التأريخ والسير، والتي تضمنت القانون الدستوري الإسلامي لأمة المسلمين من جهة بعضهم البعض في التعاملات والولاءات وغيرها، وفي الجانب الآخر بينت الصحيفة الحقوق والواجبات التي تكون بين المسلمين وغيرهم من بقية الأمم من حيث التحالف والمصالح، فحري بمن يقدم على دراسة وقراءة القوانين الدستورية والحقوقية جعل هذه الصحيفة نوره الذي يستقي منه لإبصار توجهاته وطرقه المختلفة. كما أن لوثيقة صلح الحديبية البيان الكافي والبلسم الشافي لإيضاح تقرير الحق في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والشعوب، وأن تحترم المواثيق والقيم الإنسانية المبنية عليها؛ حيث إن وثيقة هذا الصلح كانت فيصلا بين دولة الإسلام وبين دولة الشرك المتمثلة في قريش من حيث احترام الشؤون الداخلية والخارجية لكل الأطراف، وما يزيد من الاستدلال بهذا الحدث تصرف النبي – صلي الله عليه وسلم- حيال انتهاك قريش لهذه الاتفاقية وتدخلها في شؤون المسلمين وعلاقاتهم الدولية والإقليمية، وذلك عندما أعانت بالخيل والسلاح والرجال حلفاءها بني بكر على خزاعة حليفة المسلمين، فأوقعوا بها الخسائر على ماء بأرض خزاعة يدعى الوتير، فاستنجدت خزاعة بالمسلمين، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة فأنشد أبياتا من الشعر أمام الرسول – صلى الله عليه وسلم – يستنصره، فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم -:(نصرت يا عمرو بن سالم). ولذلك أنزل الله سبحانه قوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) ليدل على صون شؤون المسلمين واستقلالية الدول بأسرارها وقوانينها وعمل مؤسساتها. لقد رسخت السياسة العمانية على لسان قائدها سلطان البلاد الرسم الصحيح المعتدل للسياسة الداخلية والخارجية للسلطنة منذ بزوغ فجر النهضة المباركة، والتي كان مبدؤها وأساسها عدم التدخل في شؤون الغير وكذا العكس بالنسبة لذلك الغير. وقد أكد ذلك جلالته في أكثر من مناسبة والتي من ضمنها افتتاحه لمجلس عمان عام 2012م. وجاء النظام الأساسي للدولة مؤكدا في المادة (10) على وجوب المحافظة على السيادة، وصـون كيان الدولة وأمنها واستـقرارها، والدفاع عنها ضد كل عدوان. وجاءت المادتان (37) و (38) منه مؤكدتان – أيضا – على وجوب الدفـاع عن الوطن وصـيانة أسرار الدولـة. والنظام الأساسي للدولة ليس وحده المختص في تقرير هذا الحق؛ إذ إنه يعطي توجيهات عامة تجاه حق عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، بينما توضح القوانين الخاصة الأخرى في السلطنة العقوبات والإجراءات التي من شأنها الحفاظ على هذا الحق، فهي تقرّ العقوبات في الجرائم ذات الطابع الموضوعي المؤدية إلى اختراق هذا الحق من قبل أي فرد أو مؤسسة داخل أو خارج السلطنة، كجريمة التجسس، أو جرائم إشاعة الفتن والنعرات داخل الوطن، أو إفشاء أسرار الدولة وغيرها. وقد نص قانون الجزاء على عقوبات مثل هذه التدخلات، فذكر في الفصل الثالث عقوبات الإخلال بحق عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة. غير أنه لا بدّ لإيقاع المسؤولية القانونية في هذا الجانب من أن ينظّم المقنن العادي جانب المساءلة في مثل هذه الجرائم إلا إذا كان منظما أصلا قبل صدور النظام الأساسي ذاته. فكل نص دستوري لا بدّ أن يكمّله – تنظيما وتأطيرا – نص قانوني خاص، فيبيّن آليات تطبيقه، ويحدد مسارات الالتزام به، ويوضح المراد من الواجبات للأفراد، تجاه الوطن في حق عدم التدخل في شؤون الغير. كما أقرّت القوانين والعهود والاتفاقيات الدولية هذا الحق – كذلك – بموجب النصوص التي اعتمدتها في ذلك، ومن ذلك ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة في الفقرة السابعة من المادة الثانية حيث قالت: “ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم الاختصاص الداخلي لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق، على أن هذا المبدأ لا يخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل الرابع”. وكذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أقرّ في المادة (30) مضامين هذا الحق، فنص على أنه: “ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه”. وكذلك العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية أقرّا ذلك. فلا تبرير من أي طرف كان استغلال بنود الإعلان أو العهود الدولية للتدخل في شؤون الغير الداخلية بذريعة حماية حقوق الإنسان إلا وفق المعايير والطرق الدولية المنظمة لذلك. وإلى لقاء آخر يجمعنا – بمشيئته تعالى – أستودعكم الله في الحل والترحال…

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي
– المحكمة العليا
msd99509559@hotmail.com

إلى الأعلى