الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب :التحرر من الاستعجال

رحاب :التحرر من الاستعجال

**
يعتبر الاستعجال من الحالات العقلية والنفسية التي تجعل الناس ضحايا للضغوط والتوتر والقلق وتذهب بركة الوقت.
وأشبهه أحيانا بالريح التي تذهب الأناة والرفق والتعقل.
بل قد يشبه أحيانا شخصا يلتهم طعاما ساخنا جدا بدون مضغ، أو كمن يطبخ طعاما ولا يتركه على النار حتى ينضج.
من أخطر المواقف التي أضبط نفسي فيها مستعجلا أوقات الصلاة.
وهي اللحظات الذهبية التي يدعوني الله سبحانه وتعالى أن أقبل عليه فيها؛ لكي يكرمني بعفوه وعطائه وهي موسم متكرر للتخلص من جميع نزعات الدنيا من قلق وتوتر ويمنحني فرصة استقاء الشعور بالطمأنينة من خلال مخاطبته ومناجاته.
كنت أردد مع نفسي قول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب سيدنا بلال بن رباح: أرحنا بها يا بلال.
وأتعجب وأنا ألاحظ نفسي والآخرين نرتاد المساجد ونحن على عجلة من أمرنا للانتهاء من الصلاة.
أين تكون الراحة وكيف يمكن أن نشعر بها أو نعقلها أو نحل مشاكلنا بالصلاة أو نتداوى به؟! نأتي إليها غير مطمئنين وغير خاشعين، بل مسرعين ومستعجلين، ما يجعلنا نفرغها من السكينة ومن الهدوء وننهب طاقتها بالتشتت والاستعجال.
كنت أحيانا أنتهي من بعض الصلوات في بعض المواقف ولا أعرف كم ركعة صليت وأحيانا أقرأ بعض الآيات بطريقة أوتوماتيكية ولا أعرف ما السورة التي قرأت، بعضا من آياتها أو كل آياتها.
وأخرج من المسجد وأنا ألوم نفسي: لماذا الاستعجال في الصلاة؟! ألاحظ نتيجة لذلك أن الأمور التي أكرس حياتي لإنجازها على حساب الصلاة لا تأخذ مجراها السهل، بل ربما تتعقد معي أو تتعثر أو تعترضها عقبات.
وبعد سنوات من دراستي للبرمجة اللغوية العصبية وتحديدا موضوع خط الزمن، الذي تعلمت من خلاله إدراك الطريقة التي أعيش بها الوقت وأشعر به وأتعامل معه؛ أعدت تدريب نفسي أن أعقل الوقت ثم أن أشعر به وأتحد معه أو أنفصل عنه، وهل أسرعه أم أبطئه وكيف يمكنني أن أحوله إلى شيء ملموس ومحسوس، ومتى أجعله طويلا أو أجعله قصيرا، وهل أنا أعيش فيه أم من خلاله؟!
دراستي لجميع أوضاع الوقت أكسبتني حكمة التعامل معه وخاصة عندما أدخل المسجد للصلاة.
صرت أتخيل نفسي كمن يكور الوقت على شكل كرة من القماش وأضعها خارج المسجد بعد أن أحشو فيها جميع المشتتات الذهنية والنفسية التي تشغل عقلي والهموم التي توترني، وبعد ذلك أقبل على الله نظيف العقل متعطشا للقائه من خلال استمتاعي بكل حركة من حركات الصلاة و أستشعر نفسي في أمن وأمان، لا شيء يشغلني إلا خالقي الذي أقبل عليه كطفل يرجو رحمته ويحسن به الظن ويعود إليه بحب ورجاء، فهو من خلقني وهو من يدرك تماما ما ينفعني وهو أمني وأماني وهو الذي يجري الحياة في كياني وهو البصير بكل ذرة في كينونتي وهو الأول الذي ليس قبله شيء وهو الآخر الذي ليس بعده شيء وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، وبهذا الشعور أنخرط في فعل الصلاة متلذذا، متحررا من الزمن ومن الاستعجال.
أبدأ صلاتي بالنية ثم أدخل بعقلي ولساني وجسدي وروحي في حركاتها، وأعيش الشعور بذكر الله وقراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن وكذلك التركيز على كل حركة من رفع اليدين أو الركوع ثم السجود ولحظة ملامسة جبيني لموضع السجود وكيف تتركز طاقتي في ذلك المكان ومدى قربي من الله، وهنا تتحرك عضلات جسمي وأشعر بنشاط عجيب في الضفيرة الشمسية وهي الموقع الذي تتموضع فيه الطاقة الحيوية التي تجعل الحياة مستمرة وهي العقل المعوي الذي يتحد مع البصيرة المتمركزة التي متى اتحد العقل الرأسي والعقل القلبي والمعوي فإن اتزان الطاقة في الإنسان المصلي يتحقق ويخرج الإنسان من صلاته وقد تجددت طاقته وصار أكثر شفافية وابداعا وتوفيقا في الحياة.
إن الصلاة بخشوع وتركيز والمواظبة عليها في المسجد هي من أقوى وأفضل وأنجع الحلول لكل مشاكل الإنسان.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى