الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مدرسة السلطان قابوس الدبلوماسية

مدرسة السلطان قابوس الدبلوماسية

أ.د. محمد الدعمي

” الروح التوفيقية هي “المعاكس الموضوعي” للعصبية، على أشكالها، القومية والدينية ، المؤقتة والمستديمة. وإذا كان الإسلام قد ذم عرب ما قبل ظهوره بلفظ “الجاهلية”، فانه لم يكن يعني “الجهل” المجرد، بمعنى عدم المعرفة، وإنما عنى الجاهلية معاكساً لـ”الحُلُم” والحكمة و”بعد النظر” والمسؤولية التاريخية.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قدم أنموذج جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم في الدبلوماسية التوفيقية ما يشار له بالبنان من الإنجازات الإقليمية والدولية التي حفظت السلام وأدامته ، كما منعت المدمر من الحروب والارتطامات العسكرية التي لاحاجة بالمرء لتعدادها هنا. هي إنجازات معروفة، كان من شأن بعضها، لو أنها لم تتوفق، أن تنشر الخراب والموت على نطاق واسع. ولكن الحمد لله، أن أُكرم الإقليم والعالم بأبي “المدرسة التوفيقية” في عصرنا الراهن.
الروح التوفيقية هي “المعاكس الموضوعي” للعصبية، على أشكالها، القومية والدينية ، المؤقتة والمستديمة.
وإذا كان الإسلام قد ذم عرب ما قبل ظهوره بلفظ “الجاهلية”، فانه لم يكن يعني “الجهل” المجرد، بمعنى عدم المعرفة، وإنما عنى الجاهلية معاكساً لـ”الحُلُم” والحكمة و”بعد النظر” والمسؤولية التاريخية. وهذه السجايا جميعاً، والحق يقال، اختصت بالمدرسة الدبلوماسية المتفردة أعلاه، بلا منازع ولا مقارب، بدليل ما حققته من نجاحات لامجال لانكارها على سبيل حقن الدماء ومنع تجبّر الضغائن والأحقاد على سبيل وإرساء أسس السلام عبر العالم وفي أكثر الأقاليم عرضة للالتهاب والفوضى، أي الشرق الأوسط ، حيث تنتظر ملايين براميل النفط على شفا ثقب من نار مشتعلة عمياء.
تتجلى فضائل الحلم والروح التوفيقية، على نحو لا لبس فيه، في منع الانفعالات المتكهربة، المسؤولة عن أعداد كبيرة من الحروب التي سفكت بها دماء الإنسان وخربت بها ما أنجزته فنون السلام، معاكسةً لفنون الحرب، منذ أيام العرب و”داحس والغبراء” حتى آخر الحروب الكبيرة التي انتهت الى غزو العراق واحتلاله، للأسف. جميعها حروب كان يمكن منعها بشيء من تسليك قنوات التواصل وموانع سوء الفهم ومسكنات العصبيات.
هذه المحكات التي لم تزل بالذاكرة كان بالإمكان تجنبها لو تحققت الروح التوفيقية التي جعلت الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يسامح أشد أعدائه وأعداء الإسلام عصبية وتعنت وثأرية يوم فتح مكة، إذن هو إرتقى بنفسه وبالمسلمين درجات أعلى من عصبيات وثأرية قريش الحقود حقبة ذاك.
من هذا الفصل الأساسي في تاريخنا وتاريخ النوع الآدمي تستنبط مدرسة السلطان قابوس المعظم في الدبلوماسية التوفيقية نبراسها ودروسها، فهي “خير خلف لخير سلف”.
لنلاحظ ، في هذا السياق، فضائل منع الحروب وتجنيب المتنافسين الارتطامات عبر محكات تاريخية تدمي القلوب، كالحرب العراقية الإيرانية (ثماني سنوات من الأعمال العدائية دون توقف، يقال بأنها أزهقت ما لايقل عن مليون روح). لنستذكر هذه الحرب، من بين حروب مأساوية أخرى، ونقارن نتائجها بنتائج الرضوخ لصوت السلم والتفاهم والحوار: كم سنتمكن من حفظ أرواح لآباء وأبناء، أخوة وأخوات؟
إن الإنسان الأحكم والأرشد والأبعد بصراً وبصيرة يدرك جيداً أن منع يوم حرب هو أفضل بكثير سنوات من الجهود اللامجدية التي تصب في التسلح والتعبئة المادية والاعتبارية والنفسية. لنبارك، إذا، ما تضطلع به مدرسة السلطان قابوس الدبلوماسية على سبيل نشر السلام والمحبة، بدائل عن الاحتقان والكراهية.

إلى الأعلى