الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من “سيدي بوزيد” إلى “القصرين” ذهبت الثورات وبقيت الإحباطات

من “سيدي بوزيد” إلى “القصرين” ذهبت الثورات وبقيت الإحباطات

محمد عبد الصادق

” .. اختلف المحللون في أسباب انتكاسة (ثورات الربيع العربي), منهم من أرجعها لغياب النخب والكوادر السياسية وقلة خبرة الحركات الثورية وعجزها عن الحوار والاتفاق للوصول بالبلاد لبر الأمان؛ وحالة التناحر والاستقطاب التي أصابت الحياة السياسية بالشلل وغياب السياق الاجتماعي الداعم للديمقراطية والتعددية, والدور السلبي للأقليات الدينية و بروز النعرات العرقية والمذهبية والطائفية,”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرت أكثر من خمس سنوات على إضرام محمد البوعزيزي النيران في نفسه احتجاجاً على سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمعاملة السيئة للشرطة وعدم وجود فرصة للعمل الشريف, وتحول البوعزيزي إلى أيقونة أشعلت الثورة في تونس والدول العربية المجاورة التي عانى الشباب فيها من نفس إحباطات البوعزيزي, ليهتفوا بسقوط النظام ويتطلعوا للعيش والحرية والعدالة الاجتماعية ونجحوا في مسعاهم وأطاحوا بـ” بن علي ومبارك والقذافي”, وتمر السنون ولا نرى مطالب الثورات تتحقق ولا نلمس التغيير المنشود, بل على العكس دفعت هذه البلدان فاتورة اقتصادية فادحة, نتيجة تردي الأوضاع الأمنية وغياب الاستقرار السياسي, وتراجعت موارد هذه الدول وتأثرت الأنشطة الإنتاجية والمرافق الخدمية بعد ما طالها من تخريب منذ اندلاع الثورات وحتى اليوم.
ومثلما انطلقت رياح (الربيع) من تونس وبالتحديد من “حي بوزيد” مسقط رأس البوعزيزي, يبدو أن نهاية (الربيع) ستعلن أيضاً من تونس وبالتحديد ولاية القصرين التي اندلعت فيها مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن, صاحبها حرق وتخريب للمنشآت العامة والخاصة وأعمال سلب ونهب للمصارف والمتاجر, وامتدت المواجهات إلى العاصمة التونسية وعدة ولايات حتى وصلت إلى سيدي بوزيد, وكانت شرارة الأحداث عقب انتحار شاب لم يجد اسمه في كشوف الـ “6آلاف وظيفة حكومية” التي أعلن عنها الرئيس التونسي لتهدئة الشباب الباحث عن عمل ( وصلت نسبة البطالة بين الشبان في تونس لأكثر من 20%) وانتشرت شائعات عن وجود تلاعب ومحاباة في اختيار المرشحين للوظائف, وسقط شرطي قتيلاً على يد المتظاهرين الذين اقتحموا بعض أقسام الشرطة وأضرموا النيران في مقرات أمنية وتعددت محاولات الانتحار بين الشباب المحبط من الظروف المعيشية الصعبة , واضطرت الحكومة لإعلان حالة الطوارئ في كافة أنحاء تونس ونزل الجيش والأمن الوطني وتم حظر التجوال في معظم المناطق.
وأهمية ما يحدث في تونس يرجع لخصوصية التجربة (الثورية) فيها؛ فالمفروض أنها التجربة الوحيدة الناجحة المكتملة بين (ثورات الربيع العربي), ويستشهد ويشيد بها كثير من المحبطين مما يحدث في مصر على وجه التحديد, الذين يرجعون استمرار حوادث العنف والإرهاب فيها إلى وجود “حكم العسكر” ووأد التجربة الديمقراطية, والتضييق على الإسلاميين وتهميشهم وانسداد الأفق السياسي أمام الشباب؛ مما أدى إلى يأسهم ووقوعهم فريسة في أيدي جماعات التطرف والإرهاب, ولهؤلاء أتساءل .. ماتفسيرهم لما يحدث في تونس؟! , فتونس لم تحرم من الديمقراطية ولم يحكمها العسكر ولم يتم إقصاء أي فصيل سياسي, وحزب النهضة الإسلامي مازال مهيمناً على الحياة السياسية, وصاحب الأغلبية حالياً في البرلمان بعد الاستقالات الأخيرة في “نداء تونس”, لماذا لم تشفع هذه الإنجازات لتونس وتجنبها الاضطرابات وتجعلها واحة للأمن والأمان والاستقرار الذي لم يحدث رغم الدعم الدولي والسمعة الطيبة التي اكتسبتها نتيجة إصرارها على المضي قدماً في طريق الحرية والديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة والتي نالت بسببها “الترويكا التونسية” جائزة نوبل للسلام.
ما حدث في تونس في الذكرى الخامسة لـ(ثورة الياسمين), يعطي الفرصة للناقمين على (ثورات الربيع) لنعتها بالمؤامرة الكبرى, ويعطي الضوء الأخضر للأنظمة في الدول العربية المجاورة التي اكتوت برياح الربيع لتفعيل الحلول الأمنية لفرض الأمن والاستقرار وإعادة هيبة الدولة وترحيل ملفات الحرية والديمقراطية لآخر درجات سلم الأولويات, بعدما ثبت أن الأولوية عند المواطن هي توفير “لقمة العيش”, وأنه لا صوت يعلو فوق صوت “المصلحة” المتمثلة في الاقتصاد القادر على توفير فرص العمل, والأمن والاستقرار الذي يجذب الاستثمارات ويعيد السياحة والأنشطة الصناعية والزراعية والتجارية إلى طبيعتها قبل حالة الانفلات التي أصابت البلاد منذ الثورة ولم تبرأ منها حتى الآن.
واختلف المحللون في أسباب انتكاسة (الثورات العربية), منهم من أرجعه لغياب النخب والكوادر السياسية وقلة خبرة الحركات الثورية وعجزها عن الحوار والاتفاق للوصول بالبلاد لبر الأمان؛ وحالة التناحر والاستقطاب التي أصابت الحياة السياسية بالشلل وغياب السياق الاجتماعي الداعم للديمقراطية والتعددية, والدور السلبي للأقليات الدينية و بروز النعرات العرقية والمذهبية والطائفية, ومنهم من أرجع الفشل لصعود الإسلاميين وقفزهم على السلطة, وتربص “الفلول” و بقايا الأنظمة القديمة ونجاحهم في إقناع الجماهير بعدم جدوى الديمقراطية وتعارض الحرية مع الاستقرار والرفاهية ومسارعتهم في دعم وممالأة الأنظمة الحاكمة الجديدة في محاولة لإعادة إنتاج السياسات والممارسات القديمة, ولكن اتفق الجميع على أن هذه الانتكاسة نتيجة طبيعية لحالة التجريف والتهميش الممتدة للكفاءات السياسية والإدارية, الذي مارسته الأنظمة السابقة طوال العقود الماضية.
وراح البعض يشكك في الأسباب التي اندلعت بسببها هذه الثورات ويرى أنها غير مبررة, وإنما اندلعت نتيجة العدوى, فنجاح (الثورة) في تونس كسر حاجز الخوف, وأغرى الشباب في مصر لتقليدها وجرأهم على النزول بالملايين في الشوارع والميادين للإطاحة بالنظام, وانتقلت العدوى لليبيا وبقية الدول العربية, كما أرجع آخرون سبب سقوط الأنظمة لأزمة انتقال السلطة, فعندما يظل نظام استبدادي قمعي قابضاً على كرسي الحكم مدة طويلة يشعر المواطنون بالتململ ويلح السؤال عن كيفية انتقال السلطة ـ كما في حالة حسني مبارك بعدما تقدمت به السن وتدهورت حالته الصحية وعدم وجود بديل بعد امتناعه عن تعيين نائب له وانتشار شائعات حول نيته توريث ابنه الحكم ونفس الشيء في حالة معمر القذافي في ليبياـ وهو ما أثار حالة من السخط والإحباط بين الجماهير والنخب السياسية.
وآخرون أرجعوا الفشل لاكتفاء (الثوار) بإزاحة رأس النظام, واحتفالهم بالثورة قبل اقتلاع جذور النظام القديم, الذي سرعان ما استعاد عافيته وأجهض التغيير أو على الأقل عطله أو أعاد تدوير النظام القديم وأنتج نظاما سياسيا هجينا, كما يرون أن الحراك الجماهيري الكاسح في (ثورات الربيع) قابله ردة فعل مساوية له ولكن في الاتجاه المضاد (وفقا لقوانين نيوتن), كما عابوا على الحركات الثورية إهمال البعد الإقليمي؛ حيث ناصبت القوى المحافظة بالمنطقة (ثورات الربيع) العداء منذ اللحظة الأولى وتكتلت للعمل على وأد الحراك والمد الثوري مخافة أن ينتقل إلى أرضها وحاولت بكل إمكانياتها إعادة الأمور إلى سيرتها الأولى بالتعاون مع بقايا النظم السياسية القديمة في الدول التي أصابها (الربيع).
مهما اتفقنا أو اختلفنا في نظرتنا لثورات (الربيع العربي), يظل هاجس التغيير والتطوير والتحديث مسيطرا على وجدان الإنسان العربي الذي يحلم بأن يرى وطنه خاليا من الفساد والمحسوبية والمحاباة وإهدار مبدأ تكافؤ الفرص, ويحلم باليوم الذي يحصل كل مواطن على فرصته كاملة وحقه العادل وفقا لعلمه وكفاءته وإخلاصه في العمل.

إلى الأعلى