الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تونس بين إحباط الشباب وعجز النخبة السياسية

تونس بين إحباط الشباب وعجز النخبة السياسية

السيد عبد العليم

” كثير من الشباب التونسي يدرك طبيعة المرحلة والصعوبات التي تواجه البلد. لكنه في نفس الوقت يدرك أيضا إفلاس النخبة السياسة وعجز وفشل الحكومة في طرح وتنفيذ خطط حقيقية للاصلاح ومواجهة الفساد والمحسوبية وتقديم خطط تنمية مرحلية. ولم يلمس وجود نوايا حقيقية للاصلاح والشروع في التنفيذ بشكل يدفعهم الى التحلي بالصبر كما يطالب المسئولون.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد خمس سنوات من (ثورة الياسمين) التي أدت إلى الإطاحة بنظام حكم زين العابدين بن علي في تونس، والتي قامت في أساسها نتيجة إحباط شباب تونس من الفساد والمحسوبية، نخشى أن تكون تونس قد بدأت في العوة إلى المربع الأول.
لقد شهدت تونس بعد سنوات من الإطاحة بابن علي، انتقالات سلمية للسلطة وتوافق سياسي بين ذوي الاتجاهات المختلفة إسلامية وعلمانية. ويرجع بعض من أسباب ذلك إلى وجود تنظيمات عريقة لها يد طولى في العمل العام والمجال السياسي مثل الاتحاد العام التونسي للشغل وحركة النهضة الإسلامية وغيرهم، ولاختلاف دور الجيش في تونس عن غيره من البلدان بوجود دور محدود له وعدم تسلطه وتدخله في الشأن السياسي. فقد ساعدت تلك العوامل وغيرها على الدفع بنجاح المواءمات السياسية التي وصلت بالبلاد حتى الانتخابات الأخيرة.
لكن في الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة، لعب المال السياسي فيها دورا كبيرا. وجاءت بنخبة سياسية، كانت التصارع هو المهيمن عليها. فحزب نداء تونس وهو ذلك التكتل الذي تشكل من قوى يسارية وعلمانية وليبرالية لمواجهة سيطرة الإسلاميين، سرعان ما دب الصراع داخله. حيث لم يعقد الحزب سوى مؤتمر واحد له منذ انتخاب رئيسه الباجي قائد السبسي رئيسا للجمهورية واستقالته من الحزب. فدب الخلاف والشجار وبدا لدى الكثيرين أن هناك محاولة توريث تجري لنجل السبسي بصعوده وزعامته الحزب بعد والده، الأمر الذي أدى إلى الانشقاقات وخروج أعضاء من الحزب مؤخرا وسعيهم لتشكيل كيان سياسي جديد.
يأتي ذلك التصارع السياسي في وقت كانت ومازالت تشهد فيه تونس مشاكل أمنية تمثلت في عمليات اغتيال لزعامات سياسية وهجوم على منشآت سياحية ومؤخرا حافلة للقوات الأمنية، مما تترتب عليها في نهاية المطاف اختلال الوضع الأمني وتشويه حالة الاستقرار المعروفة في تونس، بشكل أدى إلى تراجع الحركة السياحية التي تعد أحد أهم مصادر دخل الحكومة التونسية.
فضلا عن انه في غمرة التجاذبات السياسية بين النخبة والتي يرجع كثير من أفرادها إلى فترة حكم ابن علي وما شابها من فساد، كان هناك ترد في الأوضاع الاقتصادية ومشاكل في تسديد مديونيات على الحكومة، وعدم الحصول على المساعدات الخارجية التي تعهد بها المشاركون في مؤتمر أصدقاء تونس.
وإن كان الأهم من كل ذلك هو استمرار وتيرة الفساد والمحسوبية والتهميش وعدم الالتفات الى المناطق المحرومة (الجهويات). وعدم وجود بوادر اصلاح حقيقي من خلال تقديم خطط ووضع جداول زمنية لتنفيذها والشروع فيها. بل هناك كثير من المشروعات المتوقفة. الأمر الذي أصاب الكثير من أبناء تونس وفي مقدمتهم الشباب بالاحباط ، وأنه بعد خمس سنوات من الإطاحة بابن علي لم يتحقق أي شيء ملموس وكأن عقارب الساعة ترجع إلى الوراء.
فجاءت وفاة الشاب رضا اليحياوي (28 عاما) الباحث عن العمل مؤخرا بصعقة كهربائية خلال تسلقه عمودا قرب مقر الوالي احتجاجا على سحب اسمه من قائمة توظيف في القطاع العام لتحاكي حالة انتحار البوعزيزي حرقا قبل خمس سنوات وتفجير (ثورة الياسمين). ولعل هذا الشاب واقرانه لمسوا ان حتى عملية اختيار أشخاص للتوظيف تتم بنوع من المحسوبية والمجاملة وليس على أسس سليمة ونزيهة. فكان انطلاق المظاهرات التي انتشرت سريعا جراء سياسة التهميش والفساد وأن النخبة السياسية لم تقدم شيئا حقيقيا. فضلا أن أداء الحكومة كان دون مستوى تطلعات وآمال الشباب.
اللافت في الأمر، هو أنه بعد أيام من اندلاع الاحتجاجات وانتشارها، يظهر رئيس الدولة عبر شاشة التلفاز ليتحدث عن الأيادي الخبيثة التي تحاول العبث والصيد في الماء العكر. الأمر الذي يعيد للأذهان كلام قيادات خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي من وصف كل من يطالب بتحقيق اصلاحات، بالعناصر المندسة والمأجورة والمتلاعبين بأمن الدولة وتطور الوضع في الوقت الأخير ليصبح الطرف الثالث في بلدان معينة. وهذا الكلام يدل على شيخوخة السلطة وأنها صارت بعيدة عن حركة سير الشارع السياسي.
زد على ذلك, أن رئيس الحكومة الحبيب الصيد وبعد أسبوع تقريبا من المظاهرات، يخرج على التونسيين مطالبا إياهم بالصبر، دون أن يقدم لهم أي تصور أو مخططات بحلول، من قبيل مواجهة الفساد والمحسوبية وإقامة العدل. وكأنه بذلك يخاطب أقواما من كوكب آخر. فاذا كان على الصبر فقد صبر الشباب حتى طفح بهم الكيل. وإلا ما كانت تلك الغضبة الكبيرة.
فقد دعا رئيس الوزراء التونسي التونسيين إلى “الصبر” بعد أسبوع من الاحتجاجات الاجتماعية غير المسبوقة منذ ثورة 2011، وذلك من دون أن يعلن أي اجراءات ملموسة للتصدي لمشاكل البحث عن عمل والفساد. وذلك بعد أيام عدة من المواجهات بين المتظاهرين وعناصر الشرطة والتي دفعت السلطات الى اعلان حظر تجول ليلي لمدة غير محددة. ورغم استمرار خطر تصعيد جديد، لم يعلن الصيد أي إجراء أثر جلسة طارئة لمجلس الوزراء وحض مواطنيه على “الادراك أن هناك صعوبات”، مضيفا أن “الحلول موجودة لكننا نحتاج الى التحلي بالصبر والتفاؤل”. وأوضح أن تونس “في خطر رغم الأشياء الإيجابية التي انجزناها وخاصة على مستوى الانتقال الديمقراطي”، لافتا مجددا إلى التحديات “الأمنية والاقتصادية والاجتماعية”. وكان الصيد أعلن الجمعة أنه لا يملك “عصا سحرية” لتأمين الوظائف للجميع في الوقت نفسه. وذلك في الوقت الذي يوجد فيه 750 ألف باحث عن العمل من بينهم 250 ألف حاصل على مؤهلات عليا، في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 11 مليون نسمة.
وفي الختام… فان كثيرا من الشباب التونسي يدرك طبيعة المرحلة والصعوبات التي تواجه البلد. لكنه في نفس الوقت يدرك أيضا افلاس النخبة السياسية وعجز وفشل الحكومة في طرح وتنفيذ خطط حقيقية للاصلاح ومواجهة الفساد والمحسوبية وتقديم خطط تنمية مرحلية. ولم يلمس وجود نوايا حقيقية للاصلاح والشروع في التنفيذ بشكل يدفعهم إلى التحلي بالصبر كما يطالب المسئولين. فعدم وجود أي من ذلك هو المحرك الرئيسي للغضب والنزول للشارع للتعبير عن ذلك الغضب، حتى تصل الرسالة السلطة وتتعاطى معها. وهو الأمر الذي ينتظره الشباب، فها قد وصلت رسالته للسلطات وهو بانتظار التعاطي معها وبعدها يكون لكل حدث حديث. وما يجري في تونس ليس بعيدا تكراره في بلدان أخرى حيث تتشابه الحالة في كثير من معطياتها.

إلى الأعلى