الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / دراسة: أدب السجون فـي فلسطين التعريف والمميزات « 1»

دراسة: أدب السجون فـي فلسطين التعريف والمميزات « 1»

الأسرى في السجون ينسجون من رحم المعاناة لوحات أدبية مميزة

الأدباء الأسرى تجاوز إنتاجهم محنة السجن لآفاق أدبية أوسع

نضال الأسرى أجبر الاحتلال على تخفيف القيود على الكتب

الأرض ـ الحرية ـ الوطن ـ المقاومة..أبرز سمات الأدب السجون الفلسطيني

إعداد ـ رأفت حمدونة:
القدس المحتلة ـ الوطن:
الأدب أحد أشكال التعبير الإنساني عن مجمل عواطف و أفكار و خواطر و هواجس الإنسان بأرقى الأساليب الكتابية التي تتنوع من النثر ، إلى النثر المنظوم ، إلى الشعر الموزون ، لتفتح للإنسان أبواب القدرة للتعبير عما لا يمكن أن يعبر عنه بأسلوب آخر.
وأَدب السجون والمعتقلات في فلسطين جزء لا يتجزأ من الأدب العربى ، الذى يتطلع للحرية ، وهو من أصدق أنواع الكتابة ، سواء كان ذلك على مستوى النثر أو على مستوى الشعر، واختلفت التسميات حول النتاج الأدبي في باستيلات العدو ، فذهب البعض لتسميته ” بأدب الحرية ” ، أو “بالأدب الاعتقالي”، وحرص آخرون على صبغه بمفاهيم إيديولوجية، فأطلقوا عليه ” الأدب الأسير”، وذهب آخرون إلى تسميته “بأَدب السجون”، ولكن الجميع مجمعون على أنه يندرج تحت عنوان:”الأدب الفلسطيني المقاوم”.
وأدب السجون لم يكتب فى الصالونات المكيفة ، أو فى الحياة المرفهة ، أو بين الورود ، و البساتين التى تصدح فى سماءها الطيور المغردة ، بل كتب فى أجواء من الألم والأمل ، وفى ظل المعاناة والصبر والتأمل داخل محرقة العدو ، بين الجدران , ومن خلف القضبان ، وثمة فرقٌ بين من يكتبون فى الصالونات ومن يكتبون فى المعتقلات ، ففي الحالة الأولى يأتي أدبهم عاديّاً، أمّا في الحالة الثانية، فيضئ أدبهم بإشراقات جمالية، تضفي حياة روحية متوقِّدة، حيث أن المعاناة والألم مصدراً وحاضنة دافئة للعطاء والإبداع، المشع على طريق الحق والخير والجمال، حيث تتفجر الطاقات الإبداعية من خلال ممارسات القمع اليومية للسجان في أقبية السجون، التي شكلت تربةً خصبة لتفتُّح هذا الإبداع .
فى هذه الدراسة سيتطرق الكاتب لأدب السجون وتفصيلاته ، نشأته وعوامل ظهوره ، وظروفه ومميزاته ، وسماته الجمالية ، وأبرز التجارب الأدبية ، والكتابات الإبداعية من الشعر والنثر والرواية والقصة والخاطرة و المسرحية والرسالة .
أولاً ، تعريف أدب السجون:
هنالك الكثير من الأدباء ممن اجتهدوا فى تعريف ” أدب السجون ” ، وجميعها متشابهة فى مضمونها وأصولها ، ومختلفة قليلاً على الحدود والمساحات ، والأجناس و التصنيفات .
رئيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين الروائى ابراهيم الزنط ” المعروف بغريب عسقلانى ، والدكتور الأديب والناقد والمحاضر فى الجامعة الاسلامية عبد الخالق العف توافقوا على أن ” أدب السجون ” هو الذى يكتبه الأسرى فى المعتقلات ، ويستوفى الحد الأدنى من الشروط ، وأضاف الأديب الزنط أن ما يكتب عن السجون والأسرى خارج السجن من غير الأسرى أو من المحررين لا يُعَدْ أدب سجون ، وممكن تسميته ” أدب عن السجون” .
الأسير المحرر الأديب والروائى شعبان حسونة تطرق لثلاث مدارس فى تعريف أدب السجون ، الأول : هو ما يكتب في الأسر و يهتم بقضايا السجن ، وهنا يتم استثناء الأدب العاطفي و البوليسي وغيره من الأنواع التي تكتب في الأسر.
الثانى : هو كل ما يكتب فى الأسر ، وهنا يتم استثناء ما كتب عن الأسر من غير الأسرى كرواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف وغيره .
الثالث : هو كل ما يكتب عن السجون وكل ما يكتب بأقلام الأسرى ، وأميل إلى هذا التعريف ، على أن يستوفى الشروط في كتابة الرواية ، والقصة ، والقصة القصيرة ، والقصة القصيرة جدا ، والشعر العمودي ، وشعر التفعيلة ، والشعر المنثور ، واختلف المختصون بشمل الخاطرة ، والرسالة ، والمقال فى هذا الإطار .
الأديب الأسير المحرر د . فايز أبو شمالة أن أدب السجون هو كل ما له علاقة بالوجدان والعاطفة الإنسانية والتعبير عن ذلك فنياً، وهذا يشمل القصة والرواية والشعر والخاطرة والأغنية والعمل المسرحي ، ويتكون من شقين ، شق يتعلق بالسجناء أنفسهم، وما كتبوه هم من داخل غرف السجن، وما وثقوه أثناء وجودهم في السجن وحتى بعد خروجهم منه، فالتجربة قائمة، وتنعكس في التعبير لسنوات طويلة الأمد، وشق يتعلق بما عبر عنه الأدباء خارج السجن، ولاسيما أولئك الذين تخيلوا حياة السجن، واستمعوا لها، وعاشوا بوجدانهم تجربة السجناء، وراحوا يعبرون عنها بصياغتهم الخاصة، وأسلوبهم القادر على تصور حياة السجن، والتعبير عنها بشكل فني .
الأديب والروائى الأسير المحرر وليد الهودلى عرف أدب السجون بما يكتبه الأسرى فى داخل الأسر ، أو ما كتبه الأسرى من مذكرات بعد التحرر، أو ما كتب عنهم وعن السجون من غيرهم ، فى مجالات الرواية ، والقصة ، والشعر ، والمسرحية ، والخاطرة ، وألوان الأدب الأخرى ، ولا يشمل أدب السجون إنتاجات الأسرى من الدراسات والأبحاث والكتب فى مجالات من غير الإنتاج الأدبى .
الأديب والباحث الأسير المحرر سلمان جاد الله ” أبو سليم ” يعرف أدب السجون بالذي يكتبه الأسرى داخل السجون ، ويشمل الرواية ، والقصة ، والشعر ، والمسرحية، والزجل ، وحتى اللوحات الفنية ، وأدب السجون لا يشمل المقالات السياسة والتاريخ ، ويمكن أن يطلق عليها أدبيات الفصائل .
الأسير المحرر والأديب الدكتور خضر محجز عرف الإنتاج الأدبى بما يكتبه الأسرى خلال اعتقالهم ، حتى لو لم يكن عن السجن ، و أدب السجون هو كل إنتاج لغوي كتب فى السجون ، واتخذ الأسلوب الجميل وسيلة لإيصال محتوى ما ، كالشعر والقصة والرواية والمسرحية والنقد الأدبي ، والخاطرة الأدبية .
ويرى الباحث كأسير وروائى ، إستناداً للتعريفات السابقة ، أن” أدب السجون ” هو امتداد للأدب العربى لما يحمل من مميزات وخصائص ، وحس إنسانى وعاطفى ، ورقة مشاعر وأحاسيس ومصداقية ، وقدرة على التعبير والتأثير ، وأن ” أدب السجون” كل ما كتبه الأسرى عن السجن وغيره داخل الإعتقال وليس خارجه ، بشرط أن يكون من أجناس الأدب كالرواية والقصة والشعر والنثر والخاطرة والمسرحية والرسالة ، ويفرق الباحث بين ” أدب السجون ” المستوفى للشروط الأدبية ، وبين ” أدبيات وإنتاجات الأسرى الأخرى ” التى كتبوها داخل الاعتقال ، كالدراسات السياسية ، والأبحاث التاريخية والأمنية والفكرية ، والكتب فى مجالات متنوعة ، والترجمات من الصحف الإسرائيلية وغير ذلك من المجالات .
ثانياً ، تاريخ أدب السجون :
أَنْ نكتب عن الأسر والسجن في الأدب الفلسطيني، يعني أن نبدأ ولو باختصار شديد بتاريخ أدب السجون ، خاصةً وأن الأدب فضاء رحب للحرية والانطلاق ، لذلك فهو يأبى القيود والأصفاد والأغلال ، إنه عشق وشوق وتطلع ، رغم كل ألوان المعاناة اليومية الملازمة له ، حيث يظل السجين على أمل اللقاء مع الأهل والأحبة.
لقد أمدنا التاريخ العربي بذاكرةٍ خصبة أثراها عشرات بل مئات الشعراء الذين أُسِروا ، وكتبوا قصائدهم فى غياهب السجون ، كأبى فراس الحمداني ، والمتنبى ، وناظم الغزالي ، وعبد الرحمن منيف ورواياته المشهورة عن السجون ” شرق المتوسط ” و” الآن هنا ” ، ويحيى الشيخ صالح فى أدب السجون ، والمنافى فى فترة الإحتلال الفرنسى ، وشعر السجون لسالم معروف المعوش ، ورواية خطوات فى الليل لمحمد الحسناوى وآخرين .
كما يجدر التنويه أن أدب السجون ليس حكراً على الفلسطينيين والعرب فقط ، بل هناك آخرون كتبوا داخل الاعتقال كالشاعر التركى ناظم حكمت ، وشاعر تشيلى العظيم بابلو نيرودا ، والروائى الروسى ديستويفسكى فى روايته ” منزل الأموات ” وآخرون كثر ممن كانوا تحت الاحتلال واعتقلوا .
ثالثاً ، العوامل التى ساعدت فى ظهور أدب السجون الفلسطينى :
وصف أ. د. صادق أبو سليمان ” أدب السجون ” بما يصوغه الكاتب الأسير فى السجون وهو يحيا في مكان بئيس لا يوفِّر لساكنه إلا أبسط المتطلَّباتِ التي تحفظُ له حياته ، والذى يخرج من محْبسين: محبس السجن، ومحبس معاناة الأديب الذى ينسج التجربة الأدبية كلمات وجملاً وصوراً بديعة مفعمة بحيوية الإنفعال، وصدق التجربة والمشاعر ؛ والأديب الأسير الذى ينهل من مصدر المعاناة في سبيل الحرية.
و”أدب السجون” فرض نفسه كظاهرة أدبية في الأدب الفلسطيني الحديث، وبرز قبل احتلال الخامس من يونيو 1967م ، فالشعراء الفلسطينيون الكبار محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، أَثْروا الساحة الأدبية بهذا الأدب المقاوم، ولعل أبرز سماته تتمثل في التَّمَسُّك بالأرض، والتغني بالحرية، وحب الوطن، والالتزام والصدق المقاوم، الذي تجلى في نصوصهم، فأُطلق عليهم: رواد شعراء المقاومة الفلسطينية ، الذى اتسم بالبعد العربي والبعد العالمي كقصيدة : ” الثوار ينشدون”، لراشد حسين، و”أنا عبد” لفوزى الأسمر، موجهة لشعب إفريقيا، ولسميح القاسم عدة قصائد عن باتريس لومومبا، وإفريقيا، وزنوج أمريكا، ومقطع اسمه بطاقات إلى ميادين المعركة ، وهي سلسلة من القصائد القصيرة موجهة إلى المغني الزنجي بول روبنسون، وفيدل كاسترو، وكريستوف غبانيا، وثوار الفيتكونغ ، ولعل أبزها قصيدة محمود درويش”عن الأمنيات” .
وهنالك عدة عوامل ساعدت على الكتابة الأدبية لدى الأسرى وأهمها :
1- دخول الكتب الأدبية للسجون فى العام 1972 ، وتوافرها فى نهاية السبعينيات ، والتى مثلت العصر الذهبى للأسرى على الصعيد الثقافى بشكل عام ، والطفرة الأدبية الإعتقالية بالشكل الخاص ، ” فى هذه المرحلة ازدهرت القراءات الأدبية لتشمل طيفاً واسعاً من الأدباء على مستوى العالم ، ابتداءاً من غسان كنفانى واميل حبيبى فى مجال الرواية ، مروراً بنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين والطيب صالح ، وانتقاله تولستوى ، وديستويفسكى وتورجنيف ومكسيم جوركى ، وكتاب الأدب السوفيتى اللاحقين ، والعودة إلى شكسبير وتشارلز ديكنز وفيكتوهوجو فى أوروبا ، والانطلاق نحو الأدب الأمريكى وخصوصاً أدب جون جون شتاينبك ، وارنست همنجواى ، وكتاب آخرين من قوميات وتجارب وأجناس مختلفة فى مجال الرواية والقصة والشعر والمسرح ، والتى شكلت جامعاً ممتعاً ومصدراً غزيراً للمعارف والاستمتاع ” .
2- تنامى قوة الحركة الوطنية الأسيرة ، وتطور أساليب الإسناد الجماهيرى لها ، ما أدى إلى لجم شراسة القمع الجسدى والفكرى ، وخفف من حدة القهر الممارس ضد الأسرى .
3- التلفاز واضطرار إدارة السجن إلى السماح بإدخاله فى غرف السجن ، ما أتاح للمعتقلين للاطلال على العالم الخارجى من خلال الإطلاع على بعض البرامج الأدبية والفنية فى الفضائيات العربية التى سمحت بها إدارة مصلحة السجون ، ثم عادت ومنعت بعضها ضمن سياسة التضييق.
4- دور المجلات والنشرات والصحف التى كان يصدرها المعتقلون ، واهتمامهم بنشر النصوص الأدبية والقصائد الشعرية فى مجلات أدبية خاصة ” كصدى نفحة ، والصمود الأدبى.
5- نشر أعمال بعض المعتقلين خارج أسوار السجن بعد تهريبها بطرق مختلفة .
ويرى الباحث أن تطلع الأسير للحرية ، وملء الوقت بالاهتمامات الثقافية وخاصة الأدبية ، التى تحمل الأسير نحو الأفق الواسع والممتد بلا نهايات ، وتحلق بروحه نحو الفضاءات الرحبة ، والخيالات اللامحدودة ، والتى تمثل تحدياً لمشروع السجان الساعى لحصر جسده وروحه فى أمتار بل سنتيمترات معدودة ليبقى معتقل الظروف والسياسات والإحساس بالمعاناة والعذابات ، كانت عوامل معنوية للعيش فى كنف الحياة وصناعتها من لا شىء ، ولا يمكن استبعاد عامل التحفيز والتشجيع والمنافسة من قبل المؤسسات الفلسطينية والعربية والدولية بقضايا الأسرى ، وأهمها جائزة الحرية السنوية التى تعلن عنها هيئة شؤون الأسرى والمحررين فى مجال ” الرواية والقصة والفيلم والبوستر والأغنية ” ، والتى شجعت الأسرى على المشاركة فيها ، فى ظل سهولة التواصل مع الخارج مع تهريب الهواتف النقالة التى سهلت تصوير ونقل أدبيات الأسرى لكل مكان ، ولعل من أبرز الأجناس الأدبية التى اهتم بها الأسرى فى السجون :
1- المجلات الأدبية :
اهتم الأسرى بأدب السجون ، وشجعوا الكتاب والأدباء من خلال إنشاء عدد من المجلات الأدبية ، إضافة إلى المجلات الثقافية العامة كنفحة الثورة التى خصصت صفحات أو ملاحق أدبية ، ومن أبرز المجلات الأدبية :
1- الصمود الأدبى : والتى صدرت فى سجن عسقلان فى العام 1986 ، وقد أسسها وأشرف عليها الأسرى ” سلمان جاد الله ، رياض حلس ، وشاركهما محمد التلولى ” ، وقد أثارت ردود فعل جيدة ، وترصعت صفحاتها بكتابات الشهيد عمر القاسم وبملاحظاته النقدية .
2- صدى نفحة : والتى صدرت فى سجن نفحة فى العام 1989 ، كنشرة أدبية ، بعد ترحيله إليه ، ووجهت بالترحيب من قبل اللجنة الثقافية الوطنية ، واعتبرتها بعد شهرين من صدورها مجلة وطنية تعنى بشؤون الأدب ، وكان من أبرز من شاركوا فى تحريرها بالاضافة إلى مؤسسها الأسيرين ” معاذ الحنفى ، وفايز أبو شمالة .
3- مجلة “الهدف الأدبي” : فى معتقل عسقلان، والتى صدرت عام 1981م، وأشرف على تحريرها كل من: منصور ثابت، وعبد الحميد الشطلي، ومحمود عفانة .
4- مجلة “إبداع نفحة” : والتى صدرت عن اللجنة الثقافية الوطنية في معتقل نفحة، وأشرف على تحريرها كل من: فايز أبو شمالة، وسلمان جاد الله، ومعاذ الحنفي، ومحمود الغرباوي.
5- مجلة “النهضة ” : حطمت قمقم الفئوية التنظيمية ، وخرجت بثوب وطنى عام بدءاً بهيئة تحريرها ، مروراً بموادها وانتهاء بتوزيعها والإقبال علي قراءتها ، والتى عكست الأبعاد الحقيقية للتغيرات الكيفية التى أصبح عليها العامل الذاتى فى أوساط المعتقلين والتى انسجمت بدرجة نضجها مع نضج العامل الموضوعى دائم الحضور .
وعمل الأسرى بشكل جدي في الثمانينيات من القرن العشرين، على تهريب نتاجهم الأدبي خارج الأسر، واهتمت الصحف والمجلات الفلسطينية والعربية والعالمية، بنشر نتاجهم، وكان من أهم الصحف والمجلات التي نشرت أعمالهم الإبداعية: البيادر الأدبي، والشراع، والكاتب، والفجر الأدبي. كما عملت دور النشر والمؤسسات الثقافية والحزبية على نشر إبداعات المعتقلين في كتب، مثل: اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، ودار القسطل للنشر، ودار الآباء والبنون للنشر، ودار الزهراء، ومركز التراث في الطيبة، وغيرها .

إلى الأعلى