الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / آراء / المخلفات والمخالفات

المخلفات والمخالفات

السيد عبد العليم

” .. هناك حالات اهمال كثيرة فيما يتعلق بمنظومة القمامة، تبدأ باستهتار واستسهال الكثيرين بالقاء ما لديهم من مخلفات في غير الأماكن المخصصة لها، فهذا يلقي بقارورة مرطبات أو مياه غازية أو مياه شرب فارغة أو كيس بقايا مأكولات على جانب الشارع. وهذا قائد سيارة يفتح نافذة سيارته ليلقي محارم مستعملة أو علبة عصير أو غيرها من المخلفات في الطريق.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعد المنظر الجمالي للمجتمع أحد أهم مظاهر تصنيف ذلك البلد في سلم الرقي الحضاري، ويأتي في مقدمة ذلك مدى نظافة ذلك المجتمع، فأمر النظافة بالغ الأهمية بالنسبة لكثير من النواحي الصحية التي تقي السكان من الأمراض والأوبئة وما يترتب على ذلك من تخفيف الأعباء والنفقات المالية التي يتم انفاقها في النواحي الصحية والعلاج، مما يكون له مردوده ودوره في توجيه تلك الموارد إلى مصادر اقتصادية أخرى تعود بالنفع على البلد ككل.
ومن هنا تكمن أهمية قضية النظافة وجمع القمامة والمخلفات، وقد تابعنا في الاونة الأخيرة مشكلة القمامة وما وصلت إليه في واحدة من أجمل العواصم العربية وهي مدينة بيروت بلبنان، عندما تكدست القمامة وخرجت المظاهرات المنددة بذلك. ومازالت القضية تتفاعل في الأوساط اللبنانية. كما أن هناك بلدا عربيا آخر يفرض رسوم نظافة مع فاتورة الكهرباء لمواطنيه، بالرغم من عدم الالتزام بجمع تلك القمامة من المواطنين أو توفير صناديق في أماكن قريبة منهم لإلقاء مخلفاتهم فيها.
بالطبع فإن الوضع في السلطنة أفضل حالا. ومع ذلك فهناك حالات اهمال كثيرة فيما يتعلق بمنظومة القمامة، تبدأ باستهتار واستسهال الكثيرين بالقاء ما لديهم من مخلفات في غير الأماكن المخصصة لها، فهذا يلقي بقارورة مرطبات أو مياه غازية أو مياه شرب فارغة أو كيس بقايا مأكولات على جانب الشارع. وهذا قائد سيارة يفتح نافذة سيارته ليلقي محارم مستعملة أو علبة عصير أو غيرها من المخلفات في الطريق. وتلك عاملة منزل تطرح ما بسلة مخلفات منزل أصحاب عملها خارج صناديق القمامة. وهذا طفل أو شخص آخر يحذو حذوها. وهناك آخرون في مناطق البيوت او الفيلل التي يوجد بها صندوق قمامة لكل منزل او فيلا، لا يستخدمونها ويلقون بمخلفاتهم حسب أهوائهم. ثم إن هناك مشكلة التنازع فيما يتعلق بمكان وضع صناديق القمامة خاصة في المناطق السكنية حيث لا يرغب كثير من الأفراد في وضعها قرب منازلهم فيقومون بابعادها تجاه منزل آخر، ويقوم صاحب ذلك المنزل بإعادتها في سلسلة من التجاذبات بين السكان في كثير من الأحيان وبين السكان والقائمين على جمعها الذين يضعون الصناديق قرب مساكن معينة فيقوم أصحاب تلك المساكن بإبعادها ليستمر هذا المسلسل. كما أن هناك مزارع مجاورة أو وسط مساكن، يقوم العاملون فيها بإحراق مخلفات مزارعهم من فروع أشجار وغيرها، مما يترتب عليه أعمدة كثيفة من الدخان تسبب أضرارا صحية وبيئية بالغة بالمقيمين في المنطقة، وذلك استهانة من قبل هؤلاء العاملين وتساهلا بعدم نقل تلك المخلفات الى مواقع جمع القمامة الخاصة بها.
والأمر في وصف مثل هؤلاء الأشخاص وتلك الحالات يطول، وهو أمر بالغ الخطورة لأنه يمثل اساءة بالغة للوجه الحضاري والشكل الجمالي للبلد وما يترتب عليه من افساد كبير دون وجود وازع من ضمير أو أخلاق.
وعلى الجانب الآخر، يتعين على الجهات المعنية بجمع القمامة التفكير في ايجاد حلول جذرية وفعالة لتيسير عملية جمع القمامة. ويمكن أن تستفيد من تجارب عدد من البلدان الأخرى التي نجحت في هذا الأمر. كما هو الحال في سريلانكا ـ فقد أخبرني صديق زار ذلك البلد وانبهر بحالة النظافة الموجودة فيها دون أن يرى أي صناديق او مقالب للقمامة. وبالسؤال علم أن هناك غرفا معقمة في كل المناطق للقمامة والكل ملتزم بالقاء القمامة فيها، مما جعل المنظر العام للبلد جميلا ونظيفا.
واللافت أن هذا الأمر ـ أي فكرة الغرف الثابتة لجمع القمامة ـ موجود بالفعل في مناطق هنا كما هو الحال خلف سابكو في منطقة القرم وكما هو الحال في مناطق بالخوير عند مواقف المتنزه العام مثلا، لكن المشكلة في الرائحة الكريهة المنبعثة من هذه الغرف والتي تنتشر لمسافات طويلة، مما يستوجب متابعة رفع المخلفات منها على أوقات متقاربة ومنتظمة وتعقيمها بشكل جيد والعمل بكل السبل على تلافي تلك الرائحة الكريهة.
كما يجب على الجهات المعنية بعملية جمع القمامة تسهيلها بشكل أكبر على السكان، فقد كان هناك منذ فترة سلات للقمامة صغيرة وعالقة في كثير من الأماكن العامة وفي بعض الطرقات والسكك وغيرها في المناطق السكنية، لكن للأسف اختفى كثير من تلك الصناديق الصغيرة منذ فترة، فلم نعد نراها في كثير من مناطق السكن وغيرها من المناطق العامة. وقد لاحظت ذلك في إحدى الحدائق العامة، حيث تمت إزالة أو بالأحرى اختفاء عدد من الصناديق الصغيرة من المكان تماما. الأمر الذي يدفع الكثيرين إلى ترك قمامتهم ومخلفاتهم بجوار الطاولات التي يجلسون عليها أو بجوار الأشجار في الحديقة بشكل يسيء للمظهر العام من جهة ويرهق عامل النظافة الذي لا يفتأ يلتقط أكياس المخلفات من هنا وهناك.
لقد أصبح مشهد عامل النظافة وهو يلاحق أكياس المخلفات وغيرها في المناطق السكنية وقت الفجر، وفي الطرق العامة في حر ما بعد الظهر وما يتعرض له من خطر يهدد حياته، واستفزازات من قائدي بعض المركبات الذي يراه أحدهم من على بعد وهو يجتهد في التقاط ورقة أو علبة فارغة أو كيس مخلفات من الطريق، وبدلا من أن يخفف سرعة مركبته ويحييه على ذلك، اذا به يضغط طويلا وبعصبية على بوق مركبته ويصيح في وجهه. فقد صار مشهد هذا العامل المسكين مألوفا في كثير من حالات مطاردة المخلفات جراء اهمال وتكاسل البعض.
وحتى تتم دراسة ومعالجة سلبيات عملية جمع القمامة الحالية أو تطويرها او التفكير في حلول أخرى بديلة، بات الأمر يستدعي التفكير بشكل جدي في تجريم وفرض غرامات عاجلة على المخالفات والتصرفات المسيئة للمجتمع المتمثلة في عدم القاء القمامة والمخلفات في غير الأماكن المخصصة لها.
ويمكن التفكير في طريقة لرصد مثل هذه التصرفات المخزية بعدم وضع القمامة في الصناديق والأماكن المخصصة لها، وتركها بجوارها من خلال وضع كاميرات مراقبة على سبيل المثال او التفكير في أي طريقة أخرى باستخدام التقنيات الحديثة التي يمكن أن يتوصل إليها المعنيون. لأنه في حالة تم رصد مخالفات وفرض غرامات على مثل هذه التصرفات سوف تتقلص وتتلاشى في النهاية هذه الظاهرة غير الحضارية. لأن هذه في النهاية ثقافة وأنماط سلوك يجب غرسها في أوساط المجتمع، وكما يخبرني صديق انه لاحظ في المترو بالعاصمة الماليزية كوالا لمبور عدم وجود أي شخص يتناول أي شيء من مأكولات أو مشروبات داخل عربات المترو، على الرغم من عدم وجود أية سلطات مراقبة، وبسؤاله في ذلك، علم أن هناك قواعد وأحكاما أنه حال تم ضبط أي شخص يتناول أي مأكولات أو مشروبات داخل عربات المترو توقع عليه عقوبة وغرامة كبيرة ومن ثم ارتدع الناس وصارت ثقافة ونمطا سلوكا لديهم ولا يجرؤ أحد على خرق ذلك.
فمن خلال تيسير عملية جمع القمامة أمام السكان، وفي نفس الوقت فرض غرامات على من يخالف وضعها في أماكنها المخصصة، يتم ردع المتكاسل ويتم الحفاظ على المظهر الجمالي النظيف للبلد، ويتم توفير كثير من الجهد والمال الذي يمكن توجيه الى مصادر اخرى مفيدة للجميع.

إلى الأعلى