الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : تونس .. عود على بدء

شراع : تونس .. عود على بدء

خميس التوبي

من محمد البوعزيزي في سيدي بو زيد إلى رضا اليحياوي بالقصرين، تعود تونس إلى واجهة الأحداث في الذكرى الخامسة لما يسمى بـ”ثورة الياسمين” التي أطاحت بحكم الرئيس زين العابدين بن علي، والتي انطلق منها ما اصطلح الغرب الاستعماري الإمبريالي على تسميته بـ”الربيع العربي”.
وعلى الرغم من واقعية المشهد بتفاصيل ناطقة بعدم حدوث تغير جوهري في الأسباب الكامنة وراء انطلاق الشرارة الأولى لخروج الشباب والباحثين عن عمل إلى الشوارع للمطالبة بتوفير فرص عمل ومحاربة الفساد، فإن القطبة المخفية في التفاصيل ـ كما يبدو ـ هي أن هناك قرارًا بعدم استقرار الدول العربية وبخاصة تلك التي عصف بها ـ ولايزال ـ سونامي “الربيع العربي” عبر محاولة إنتاج “الفوضى الأميركية” غير الخلاقة.
ومن يتابع تفاصيل المشهد في تونس يجد أن الشعارات التي رفعت في البدء هي ذاتها في جولة الإعادة والدفع بأكبر عدد ممكن إلى الشوارع، والتحريض على المطالب الفئوية، بحيث تسهل عملية اندساس المأجورين والعملاء بين تلك الجموع، فتتولى بدورها عمليات التصعيد والتسخين والاحتقان في الشوارع من خلال استهداف رجال الشرطة والأمن والجيش والمراكز الشرطية والأمنية، ونهب المحلات التجارية.
ومن الواضح أن قرار إعادة إنتاج الفوضى الأميركية هذا، يراد به ترسيخ فكرة أن ما يجري هو “ربيع عربي” تعمل عواصفه على دفع مظاهر البؤس والفقر والفساد والديكتاتورية، ليحل محلها مبادئ الحرية والعدالة والمساواة واحترام الحقوق، وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية، وتوظيفها في تحطيم البنى الحيوية للعقل العربي من أجل اختراق الثقافة والوعي، وفرض الثقافة الجديدة تحت ظل الإسلام الممذهب والمطوَّف والمسيَّس لتشكيل العقل والوعي العربيين وفق التقسيم المراد سياسيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا وعرقيًّا؛ أي تدمير الإنسان العربي ليعيش في صراع فكري وثقافي وديني وسياسي، مصحوب بانهزام نفسي وانكسار معنوي، يرى كل الشرور والموبقات في وطنه وحكومته، والخير والعدل والحرية والملاذ عند الأميركي والبريطاني والفرنسي والإسرائيلي، ما جعله أداة سهلة وطيعة في خدمة هؤلاء، ولعل ما يحدثه الآن مغيبو الوعي والعقل وبقيادة العملاء والخونة والمأجورين من تدمير وتخريب وإرهاب وقتل وعنف في أوطانهم خير دليل على ذلك.
ووفقًا لهذا اليقين الثابت، يمكن القول إننا أمام مشهد يتم فيه تسويق “ديماغوجي” لضرب الاستقرار والعبث بالمقدرات، وإثارة الرعب والقلق وإرباك العقل العربي البسيط، بتضخيم حجم المظلوميات، وتغليب مظاهر الشر والظلم على مظاهر الخير والعدل، وقتل قيم الولاء والانتماء ونعمة الوطن وأمنه واستقراره.
وفي وضع اقتصادي لتونس، لا يمكن لأحد أن ينكر شح الموارد والدخل وشح فرص العمل، وانعكاس ذلك على المواطن التونسي، وحقه في المطالبة السلمية بتوفير فرص عمل وتأمين لقمة عيش كريمة له، إلا أن حراك الشارع التونسي ودون مقدمات، وفي ظل حكومة حديثة العهد مع ما تعانيه من تحديات جمة خاصة في المجال الاقتصادي، وفي المجال السياسي بسبب الصراع الحاصل بين حزب نداء تونس وحزب النهضة الإسلامية، وفي المجال الأمني جراء التهديد الإرهابي المتخذ من جبل الشعانبي بؤرة له، كل ذلك يثير الانتباه وعلامات استفهام عديدة؟ ولعل مطالبة المنصف المرزوقي الرئيس السابق والمحسوب على حزب النهضة الإسلامية التابع لجماعة الإخوان المسلمين بانتخابات مبكرة، إحدى علامات الاستفهام، مع أن فترة توليه للرئاسة في تونس شهدت احتجاجات، بل إن الإرهاب واغتيال رموز تونسية معارضة ووطنية وقادة قوى تونسية وعناصر أمن وشرطة، وانعدام التنمية والاستقرار أبرز ما تميزت به فترته. ويبدو أن ما تشهده المنطقة من تطورات على خلفية الاتفاق النووي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والغرب بقيادة الولايات المتحدة، وأخذ الأمور فيها إلى منعرجات تصادمية خطيرة، وكذلك الحراك بشأن الملف السوري والتحضير لمحادثات الحل السياسي، بالإضافة إلى جملة المواقف المعلنة من قبل الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي حول الأزمة السورية، وإعادة العلاقات الدبلوماسية بين بلاده وسوريا، وتدخل حكومته للمحافظة على الشباب التونسي من العفن الإرهابي وأيديولوجياته المريضة التي تقوده، والانخراط في التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق وليبيا، يبدو كل ذلك أحد الأسباب المؤدية إلى تحريك الشارع التونسي بالعزف على وتر أوجاعه الاقتصادية والمعيشية، بالإيعاز إلى حزب النهضة المتصارع مع حزب نداء تونس على السلطة. ولعل هذا ما كان يشير إليه السبسي في خطابه الأخير حول الأوضاع الجارية في بلاده، ولذلك لا غرابة أن يتقدم تنظيم “داعش” خطوة إلى الأمام بالاصطياد في الماء العكر ومحاولة اصطياده الشباب التونسي وإغرائهم بالمال مقابل انضمامهم إلى التنظيم الإرهابي الذي بدا يعاني من قلة عناصره جراء الضربات المحكمة والدقيقة التي يوجهها الجيش العربي السوري والطيران الروسي والسوري، وكذلك الجيش العراقي. وبقدر حاجة التنظيم إلى عناصر جديدة بقدر حاجة داعميه ومتبنيه إليه لاستخدامه سلاحًا يدمرون به سوريا والعراق وليبيا وتونس واليمن ومصر وغيرها. وما يلاحظ أيضًا أنه بمجرد وصول نداء تونس إلى السلطة توقف تدفق الأموال من قبل دول عربية كانت تضخها لدعم حزب النهضة.
إذن تشير الأمور إلى محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ونقل تونس من الدولة إلى فوضى “الربيع العربي”، والرهان الآن على الشعب التونسي نفسه في استلهام تجارب الدول العربية المستهدفة، وتجنيب بلاده مخاطر التدمير والتقسيم، وعلى الحكومة الحالية أن تنهض سريعًا بمطالب المحتجين وتلبيتها.

إلى الأعلى