الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / جنيف.. هل ستكون حاسمة؟!

جنيف.. هل ستكون حاسمة؟!

علي عقلة عرسان

” هل من المسموح أن يتفق هذان الأخوان “في جنيف”، على ما لم يتفقا عليه في سورية..
وربما على ما لا يجوز لهما رسمياً أن يتفقا عليه، بحكم الانتماء للعداوات؟!! وإذا فعلا، فهل يبقيان في عداد هؤلاء أو هؤلاء من الفريقين المتمترسين خلف متاريس النار؟! أم أن كلاً منهما سيلقى، مثل كثيرين ممن قد يكونون على شاكلتهما، جزاءَ سنِمَّار، مهما كان صادقاً ومخلصاً للشعب والوطن، ومهما أجاد وأفاد؟!”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوم الجمعة القادم، التاسع والعشرون من شهر يناير الجاري ٢٠١٦، تبدأ مفاوضات وفدي سوريا، وفد الحكومة ووفد المعارضات، في جنيف، كما أعلن ديمستورا، وتستمر بمن حضر، وبمن سيحضر، مدَّة ستة أشهر، ومرجعيتها المعلنة: بيان جنيف ١، وفيينا ١ و٢، وقرار مجلس الأمن الدولي ٢٢٥٤ الذي أشار في ديباجته إلى قرارات دولية أخرى متصلة بالموضوع.
ولكن كل تلك المرجعيات والقرارات تبقى محكومة بإرادة دولية يتحكَّم بها الراعيان الكبيران روسيا والولايات المتحدة الأميركية، على الخصوص.
وقد ظهر ذلك وتأكد، في تجاوزات لبعض محتوى القرار المشار إليه، “اللجان الأربع على سبيل المثال”، ولبعض ما جاء في المرجعيات الرئيسة، “فيينا على سبيل المثال أيضاً”.ويبدو مما استُشِفَّ في المؤتمر الصحفي الذي عقده السيد ديمستورا يوم الإثنين ٢٥ يناير، أن إرادة مجلس الأمن الدولي هي إرادة الراعيين الكبيرين، اللذين تجاوزا خلافاتهما، وأن تلك الإرادة هي التي ستمضي بالمسألة السورية نحو حل شبه “ناضج”، يُملى على الأطراف المعنية، في نهاية المطاف، مع المحافظة على بعض الشكليات التي تراعى في إطار، “التفاوض حتى الانهاك، والاستهلاك، وتعميق التباغض والتدابر..
بهدف إظهار “سورية التفاوض، وسيرياليته”، وتلميع حرية المتفاوضين، واستقلاليتهم”..
وتمرير ما يريده الراعيان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن طريق الدول والقوى التي تمسك برقاب المتفاوضين، حيث تسقيهم، عَللاً بعد عَلل، أو تجرعهم دون أدنى كلل “ما تريد أن يكون”..
وبهذا يبدون “نَشامى، ونشاوى”بإنجاز ما يريده المتحكمون بالقرار والتدبير والمصير، مع وهم كبير بأنهم هم من اختار وقرر وأراد.
وسيكون استمرار الاستنزاف، والتلويح بما يسر أو يضر، والإغواء والإغراء، والوعد والوعيد..
من بين الوسائل التي تجعل كلَّ حَرون يسلك الطريق، يبلَعُ رِيقه أو يبقى بلا رِيق.
ويبدو من خلال مؤشرات، وتصريحات، وممارسة لضغوط ، وظهور تحولات في المواقف، لا سيما الموقف الأميركي من المعارضات السورية التي يحتضنها تحالف دولي تقوده، وهو ما برز في تهديد جون كيري للمكلفين بالتفاوض، حسب قرار مؤتمر المعارضات في الرياض، بأنهم إن لم يذهبوا إلى جنيف من دون شروط ، فإنهم سوف يفقدون دعم حلفائهم، وموقف روسيا الاتحادية الذي هدد بوفد ثالث، أو معارض بديل..
يبدو من خلال ذلك كله، أن مجلس الأمن الدولي -”أي الراعيان باختصار”- عازم على فرض إرادته، والتوصل إلى اتفاق سياسي، لتبدأ حرب من نوع مختلف، “على الإرهاب، أو باسم مكافحته”، هذا من جهة..
ولأن الوضع العام في سوريا، وفي المنطقة التي تنقسم دولها وتتطور صراعاتها، “لا سيما في العراق، وبين دول عربية وإيران”، ولأن تفشي الفتنة المذهبية “السُّنية -الشيعية”، ووضع المدنيين المحاصرين الذين يموتون جوعاً، ووضع اللاجئين السوريين الذين يتدفقون على أوروبا، وانتشار تهديد الإرهاب هنا وهناك من جهة ثانية..
يبدو لأن كل ذلك قد يخرج عن السيطرة، ويُدخل الجميع في انفلات خطر جداً..
ولأن الأطراف الدولية الكبرى تتجه نحو ضبط إيقاع تطور الصراع الاستراتيجي فيما بينها..
تم التوجه جدياً نحو توافق على معالجة المسألة السورية.
ستبدأ المفاوضات في جنيف بمن حضر، وسيتابع المؤتمر أعماله بمن سيحضر..
قد يتضعْضع موقف المفاوضين المكلفين من مؤتمر الرياض بتمثيل المعارضات السورية، وقد ينقسم المؤتمر على نفسه بين مؤيد للحضور ومؤيد للغياب، لا سيما بعد انذار كيري، وإضافة، أو طلب إضافة اسمين إلى الوفد أرادتهما موسكو، مقابل أن تسحب اعتراضها على مشاركة كبير مفاوضي المعارضة علوش، وقد.
وقد..
لكن إشارة ديمستورا، أثناء رده على سؤال حول الموضوع، في مؤتمره الصحفي، إلى أنه كان قبل قليل على اتصال بسمو الأمير محمد في الرياض، تشبه تسريب معلومة، بأن وفد المعارضة سيحضر.
لكن المشكلة ليست في الحضور، ولكن في “هل تكون جنيف هذه المرة حاسمة”، بعد كل هذه الخَضَّات؟! والمشكلة ستظهر بالصوت والصورة، ومضخَّمة، فيما سيتم عندما يجتمع الحضور.
فوفد المعارضات سيكون في تنابذ وتعارك، والكل في توتر وغضب.
فما تراه المعارضات شروطاً “أو مقدمات واجبة التنفيذ”، مما تضمنه القرار ٢٢٥٤، ومن ذلك: وقف إطلاق النار، ورفع الحصار عن المحاصرين وإيصال الغذاء والدواء إليهم، وإطلاق سراح معتقلين ومعتقلات، و..
إلخ، أعلن أنه ليس شرطاً، ولا توجد شروط مسبقة.
ومثل ذلك موقف المعارضة من بقاء أو عدم بقاء الرئيس بشار الأسد في الحكم خلال افترة الانتقالية.
وسيضاف إلى المقر الذي أصبح شبه محذوف موضوع “حكومة انتقالية ذات صلاحيات كاملة كما نص عليه القرار ٢٢٤٥ أم حكومة وفاق وطني أو مصالحة وطنية، كما أشيع أو يُشاع؟! وكل ذلك موضوع حوار يراد له أن يكون مستحقات لا تخضع للحوار.
وعلى هذه الأرضية، إضافة إلى التعقيدات الميدانية التي ستلقي بظلالها على المؤتمر..
سيكون التناوش والتعارك سيد الموقف، والاختلاف أكثر من خلاف متفاوضين “يُسعى بهم، أو يُزْجَوْنَ”إلى التقارب..و”حوار الطرشان”هو السائد بين الوفدين.
وإذا آل الموقف بمجمله إلى فشل تام، فإننا سنضيف تعقيداً إلى التعقيدات القائمة، على المدى البعيد..
وفي كل الأحوال ربما، وعلى الأرجح، أن يفرض الراعيان، باسم مجلس الأمن الدولي، حلاً ليس هو الحل.
وهذا قد يعيد الموقف بمجمله، إلى جمر تحت الرَّماد يشقى بها الوطن والعباد، وإذا قُدِّر أن يكون في جوف كل مفاوض “جُنيفيٍّ”مغص شديد، لعودته بلا حُنين، وبلا خُفين له ولحُنين..
فإنه لن تكون في حلق أي مواطن سوري شريف إلا غصص، ولن تدخل جوفه شَرْبة من ماء قُراح، كلا..
ثم..﴿ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى ﴿١٥﴾ نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى ﴿١٦﴾ سورة المعارج.
وفي ذلك ما يجعلنا من جديد في مأساة بعد مأساة، تصغُر معها مآسينا السابقة، فلا ننتفع برأي، وبلا بعيش، ولا بنصير.
وفي هذا بلاء وابتلاء، ودخول في مجهول، لا يعلمه إلا الله.
هل هذا مضحكٌ، أم هو مبكٍ..
قل به ما شئت، ويبقى شرُّ البلية ما يضحك.
وعند هذا الباب، من أبواب العذاب..
تحكمني، نكتة، تدخل في باب المضحك المبكي.
وكما يقول أشقائي المصريون:”حَكْمَتْ يافندم”، وروايتها، أو سردها المتخيل، يبدأ بسؤال، أدخل إليه باعتذار من مواطنين سوريين، أخوين في القومية والدين والهوية، وصديقين بحكم المواطنة والانتماء للتراب والثقافة والإنسان..
تجمعهما وشائج لا مجال للوقوف على تفاصيلها الآن.
واحد أتخيله مشرفاً على وفد الحكومة التفاوضي، وآخر أتخيله مشرفاً على وفد المعارضة التفاوضي، وكلاهما من منطقة واحدة، هي بلد بسعة محافظة، أو محافظة بسعة بلد..
مثلها مثل المناطق الأخرى في الوطن، أو الوطن المحافَظة، مكللة بالجراح، هاجعة في خيمة نواح، منقوعة في الدم والألم، في مساحة من الأرض مستباحة..
قُلِبَت أرضها فوقانياً تحتانياً، فأصبح الدمار لها سمة، والعمران بقايا وشم في أطلال ديار، كان لها اسمٌ، غار فيما غار مما كان، وصار من غابر الوقت الذي مسح فيه الموتُ وجه الحياة..
نظرا من خلال العقل والقلب، ففاض دمعهما حزناً وأسفاً على ما رأيا، وما وصلا وأوصلا الناس إليه، وما وَسَما به شعبَها ووطنَهما من سيئ السمات والصفات..
فمال أحدهما على كتف الآخر وبكيا، دون تحفظ ، ودون خوف من رقيب وحسيب، وحاصٍ للأنفاس والقسمات.
والسؤال هو الآتي:
هل من المسموح أن يتفق هذان الأخوان “في جنيف”، على ما لم يتفقا عليه في سورية..
وربما على ما لا يجوز لهما رسمياً أن يتفقا عليه، بحكم الانتماء للعداوات؟!! وإذا فعلا، فهل يبقيان في عداد هؤلاء أو هؤلاء من الفريقين المتمترسين خلف متاريس النار؟! أم أن كلاً منهما سيلقى، مثل كثيرين ممن قد يكونون على شاكلتهما، جزاءَ سنِمَّار، مهما كان صادقاً ومخلصاً للشعب والوطن، ومهما أجاد وأفاد؟! ومهما كان مأخوذاً بنجاحه وفشله، واستيقظ على حقائق أخرى،،رأى لحِكْمَةٍ ما، حقيقة “أن الله غالب على أمره”، فتبدلت ينابع نفسه المُرة بماء عذب، يباح له ولسواه من الظامئين؟!؟ هذا السؤال يبدو غريباً، لكنه يقارب الطُّرْفَةَ، أو المضحك المبكي من الأمور والوقائع كما قلت آنفاً.
هذا لن يحدث، لأن القلوب أحكمت أقفالُها، وحكم من معهم مفاتيح الأقفال خوف قتّال، فصار حال المرء إلى غير حال، وحكمه تاريخ الحقد، فآل إلى كان إن انطفأت نار حقده لسبب، أجبر على إشعالها لألف سبب وسبب، منها الخوف من اتباع نهج الحق، وترك نهج الباطل.
ففي الحدث السوري، الذي يشغَل العالم في اللَّتِّ والعجن الإعلاميين -السياسيين، ويكاد لا يعني القائمين عليه، والمتابعين له، والمستثمرين فيه، سوى القتل والدمار وإراقة الدم، والحصار، والموت جوعاً وتجويعاً، والهجرة والتهجير، والتخندق في مناقع الحقد والموت، وإعادة التربيع والتدوير، والتسويغ وفق منطق القهر، وتشويه المفاهيم والشروح والتفاسير.؟!
ولذا لا أرى أن هذا التخييل مما يمكن أن يفضي إلى مجرد فكرة تحث على تحول ما أو تغري به..
لا لأن كلاً من الرجلين “المثَلين”لا يأمل بذلك ولا يتطلع إليه، ولا يحس به..
بل لأنه ليس بيد أي منهما أي قرار، فالتفويض لحد بلا كفن، ومساحة لا يُسمح فيها التفكير بمستوى حقيقة ومصير ووطن..
ولأنه لا تنفيذ بيد كل منهما لما قد يرقى إلى قرار يُتَّخذ، فهما مرسالان.
ومن يطرح منهما فكرة تجاوز ما لثوابت ما من ثوابت التكليف، بما هو مطلوب منه التمسك به، والدفاع عنه، والحصول عليه..
وفعل بدافع الحرص وتوهم الحرية والثقة..
قد يكون حظه حسناً جداً، إن هو نُبِذَ، أو قبع في بيته معزولاً، أو سُجِن..
فتلك نعمٌ أو حُظوات، غير متاحة إلا لمن..
ودون مَن”خرط القتاد”..
ولا هي مما يُسمح به حتى أن يكون ضمن المتاح، فيما نَحلُم به من صباح.
لذا استبعدت أن يكون شيئ من هذا من حظِّ الرجلين المُتَخَيَّلين، وأستبعد أن يحدث هذا لمن هو من جيل حالي، وآخر قادم..
فنحن وهذا على ما يشبه النقيض.
ولسبب وجيه كبحت جماح فكرة خطرت، مثل قطرة من سحابة صيف، لضاحٍ في صحراء، بلا ظل ولا ماء..
حين تذكرت معركة صِفِّين، والحكمين المفوضين من علي ومعاوية، رضي الله عنهما، أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص..
حيث كان من أمرهما ما كان..
ففي السياسة يمكن أن يكون ما يُخفى غير ما يُعْلَن، من أمر الأنفس، والسياسة تحسب حساب ذلك، وما هو أبعد منه وأسوأ، وما ينطوي أصلاً على شر وغدر، فيصبح معها صاحب النية الحسنة، والطوية الحميدة، مغفلاً أو جاهلاً غرَّ..
وبعض الحقائق تقول:إن الإيمان لا يطيق حسابات السياسة.
هذه النُّكْتَة التي فرضَت نفسها عليَّ في نهاية هذا الحديث، مُرة، بطعم الحنظل، ولها لون الدم، وفي فضائها ريح صرصر، وظلمة ظُلم، وبعض سدوم.
وفي تلافيف الرؤوس وبعض الحشى منها تفاعلات، وتناقضات، ورعب، وإرهاب..
فكيف لا نتوه ولا نحلم، ولا نتخيل ونتوهم، وكل سوري منا، في موقع المبتلى بما يحدث، والمدقق بما قد تؤول إليه الأمور، يُطَْعَم حنظلاً، ولا يُجرَّع منه قطرات فقط ، إلا من رحِم ربك ، وهو الرحمن الرحيم.
فالمأساة أصابت الجميع تقريباً بجراح عميقة، ووضعَتْهم في أدنى دِركٍ من الإحباط، وتركتهم هناك يتطلعون بأمل، إلى كل نبأ فيه فرج..
كأنهم أفراخ جرول/الحطيئة، الذي قال فيهم:
ماذا تقول لأفراخ بذي مَرخٍ زغْب الحواصل لا ماء ولا شجر
وماذا نقول نحن لآخرين، أكبر من الفراخ، يرمحون بين مأساة ومأساة، قتلٍ وقتل، جوعٍ وجوعٍ، موت وموت..
وبين قوة وقوة:سورية، أو عربية، أو إسلامية، أو دولية..
كل منها يتكلم لغة الرصاص، وبيده العذاب، وله وفيه ما لا يعلم إلا الله من شر وشر، فساد وفساد.؟!
ألا..
كان الله في عون العباد

إلى الأعلى