الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عدة الشهور عند العرب

عدة الشهور عند العرب

أحمد مصطفى

” لسنا بحاجة للتذكير بوضع ليبيا ما بعد قتل القذافي ولا باليمن ما بعد إطاحة علي عبد الله صالح ولا بسوريا ما بعد “سقوط كل العالم فيها”، فتلك لوحات دم وعنف ودمار نشاهدها يوميا على الشاشات وصفحات الجرائد. ولم يعد يجدي أن يقول العرب فيها مراثي. أما ما بقي للتمسك به من محاولات تغيير في تونس ومصر فإن لم يكن دخل في طريق الدم والدمار بعد فإنه على الأقل لم يحقق أيا مما كان مأمولا في يناير 2011.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
اختار اللبنانيون من قبل شهر مارس/آذار ليكون علامة انقساماتهم السياسية والطائفية، وأصبح لديهم 8 آذار و14 آذار (ويمزح البعض بشأن ولعهم بآذار بأنه لم يبق لمن يريد اطلاق حركة جديدة سوى 32 آذار). ثم جاءت موجات الاحتجاجات الشعبية في بعض الدول العربية والتي تحول بعضها إلى حروب دموية طائفية وعرقية، وظل شهر يناير (17 في تونس و25 في مصر) الأوفر حظا من التواريخ. ولم يكن غريبا ان تبدأ التحركات السورية (بدورها قبل أن تتحول الى حرب اهلية وتنافس دموي اقليمي وعالمي) في آذارـ على خطى لبنان بالطبع باعتبار البلدين هم الشام الكبير او كما كان يقال “شعب واحد في بلدين” قبل أن يصبح ستين شعب في اجزاء من بلدان. أما فبراير في ليبيا فقد ضاع وسط تكوينات كثيرة واقتتال على من قام بالثورة ومن له نصيب اكبر في تدمير البلد وحرقها حتى الآن.
طبعا عدة الشهور وتواريخها عند العرب طويلة، من تواريخ المعارك والحروب الى الغزو والاحتلال الى الاستقلال والتحرر، ولكل بلد شهره وتاريخه (أو أشهره وتواريخه) وإن اشتركنا جميعا في 5 يونيو 1967 و6 اكتوبر 1973 وقليل من الشهور والتواريخ الأخرى. وعودة للشهر الأوفر حظا منذ 2011 وهو يناير، حتى رغم أن يناير المصري لحق به 30 يونيو 2013 تاريخ الانتفاضة ضد حكم الإخوان. ويذكرني شهر يناير هذا بتواريخ انتفاضاته وثوراته عند العرب بملاحظة قديمة واجهتها يوماي في إحدى المصالح الحكومية في بريطانيا. فقد لاحظت أن عددا كبيرا من المراجعين تاريخ ميلادهم 1 يناير (مع اختلاف السنة). ولما سألت عرفت أن أغلبهم من اللاجئين والمهاجرين من أفغانستان والصومال وبلاد أخرى مزقتها الحروب. ولأنهم يأتون إلى الدول التي يلجأون إليها بدون أوراق رسمية أو ما يثبت أعمارهم يتم تقدير سنهم وتستخرج لهم أوراق يكون تاريخ الميلاد فيها أول يوم من عام كذا حسب تقدير السن.
إنها مجرد تقاطع ذكريات، وليس المقصود منها أي دلالة لموقف من يناير وثوراته كما لا أود التذكير بتاريخ آخر كاد ينساه المصريون وهو 26 يناير عام 1952: يوم حريق القاهرة الذي كان مقدمة ثورة 23 يوليو في العام نفسه والتي ما زال المصريون يعيشون بشرعيتها حتى الآن ـ شاءوا أم أبوا. المهم أن يناير هذا العام يأتي وثورات وانتفاضات بعض العرب في وضع لا تحسد عليه، ليس بسبب من قاموا بها ولا أهدافهم النبيلة وتطلعات شعوبهم المشروعة والمبررة. وإنما لأن العالم من حولهم يوشك على الدخول في نفق مجهول ربما يقود إلى بئر مجاري كبير خاصة على الصعيد الاقتصادي. ولا يعني ذلك أن العوامل الذاتية في البلدان المعنية كانت تتحسن وسيأتي هذا الخطر الاقتصادي ليقضي على “مكتسبات الثورة”، إنما هو تضافر عوامل سلبية خارجية وداخلية (وما بينهما) جعل من عدة الشهور والتواريخ العربية أطول مما يفضي إلى بداية حياة جديدة.
لسنا بحاجة للتذكير بوضع ليبيا ما بعد قتل القذافي ولا باليمن ما بعد إطاحة علي عبد الله صالح ولا بسوريا ما بعد “سقوط كل العالم فيها”، فتلك لوحات دم وعنف ودمار نشاهدها يوميا على الشاشات وصفحات الجرائد. ولم يعد يجدي أن يقول العرب فيها مراثي. أما ما بقي للتمسك به من محاولات تغيير في تونس ومصر فإن لم يكن دخل في طريق الدم والدمار بعد فإنه على الأقل لم يحقق أيا مما كان مأمولا في يناير 2011. وبالطبع لدى كل طرف ما يبرر به ذلك، وغالبا بإلقاء اللوم على آخرين وليس لوم الذات بالتأكيد. ولسنا هنا في مجال حسم على من يقع اللوم بقدر ما نحاول إثارة ميزة غابت عنا تقريبا وهي تعلم الدروس من المحن لمنع تكرارها والعمل على تحسين الأوضاع نحو الأفضل.
ربما لا يختلف كثيرون على أن من قاموا بالانتفاضات الأولى في عديد تواريخ العرب الأخيرة كانوا في أغلبهم مخلصون يتبنون أهدافا نبيلة يعترضون على أوضاع بلغت من العطن والفساد ما لا يطيقه بشر. وربما كان صحيحا أيضا أن أغلب هؤلاء لم تكن لديهم الجرأة الكافية ولا الإرادة لتولي مسؤولية “إصلاح الأوضاع” بما يعنيه ذلك من أعباء تنوء بها “العصبة أولي القوة”. ولعل ذلك ما فتح الباب أم استغلال قوى، بدت ثورية وهي لا تختلف كثيرا عما ثار عليه الناس، لموجة التغيير لتركبها أو تزايد عليها بانتهازية انكشفت سريعا في بعض الأحيان وما زالت تعيق أي تطور في أحيان أخرى. ومع تعقد الأوضاع في أغلب بلدان التغيير العربي لم يعد أمامنا سوى انتظار شهر جديد وتاريخ جديد، ربما للأسف يكون تاريخا عالميا حين يتعرض الاقتصاد العالمي لأزمة كبيرة تقود إلى كساد شديد يكون دافعا للناس كي “يعودوا لله والعيشة بتقواه”. وربما حينها تختلف عدة التواريخ والشهور عند العرب برزنامة جديدة تحدد بداية تصدي الناس لتحمل مسؤولية إصلاح أوضاعها بدلا من الاتيان بمن يقرر مصيرهم والتفرغ لانتقاده.

إلى الأعلى