الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف :الهبوط

اصداف :الهبوط

وليد الزبيدي

عنوان المقال تمت استعارته من عنوان مسرحية ارثر ميللر الكاتب الأميركي الشهير التي صدرت ترجمتها العربية ضمن روائع المسرح العالمي – الكويت – وترجمها الأستاذ عبد السلام إبراهيم، وعنوانها”الهبوط من جبل مرجان” .
هذه المسرحية معروفة لجمهور المسرح في الوطن العربي والعالم نظرا للشهرة الواسعة التي حصل عليها ميللر خلال القرن العشرين، وتنطوي مضامينها على انتقادات لحقبة خطيرة في تاريخ الولايات المتحدة والعالم، والدافع للحديث عن المسرحية والمؤلف لتسليط الضوء وإن كان على شكل نتف واضاءات سريعة ومقتضبة على فترة المكارثية في أميركا بصورة خاصة، وتعرض ميللر حاله حال المئات من المثقفين الأميركيين للاضطهاد والملاحقة من قبل المكارثية التي جاء اسمها من السيناتور الأميركي جوزيف مكارثي – 1908 – 1967 ، لأن ميللر كان من المدافعين عن الحرية الفكرية ولم يتردد في التنديد بالقمع الذي يتعرض له اصحاب الفكر مهما كان لونه واشكاله، وبسبب مواقفه هذه فقد شملته لجنة مكارثي الشهيرة والسيئة الصيت، وبالمقابل فأنه لم يخضع للتهديد والوعيد الذي تعرض له من العاملين في ” المكارثية، ولأن الولايات المتحدة قد بدأت سُلّم الصعود منذ بداية القرن العشرين ووضع قادتها نصب أعينهم الدول التي تمتلك الثروات والمواد الاولية الداخلة في الصناعات المختلفة، فقد سار قادتها على طريق تكميم الافواه وشراء الاقلام وقمع المعارضين، وافضل جهة تشهد ممارساتها القمعية على هذه السلوكيات لجنة مكارثي، التي قد يعتقد الكثيرون أن مثل هذه اللجنة والسلوكيات لن يكون لها أي وجود في المجتمع الأميركي المتمسك بالديمقراطية واحترام حرية التعبير، وقد يتوه الكثيرون من عدم وجود تعذيب في البلاد الأميركية، وهذا ما كان يفضحه ميللر باستمرار وقصة المعلومات الخطيرة التي كشفها امام السفير الاميركي بحضور المسرحي الإنجليزي هارولد بنتر في تركيا عام 1985 وتحدث بها صراحة ما حدا بالسفير الأميركي لطرد بنتر وغادر ميللر معه المكان ، وكشف ذلك السلوك للسفير الأميركي عن حجم الانتهاكات لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة التي تزعم باستمرار أنها بلد” الديمقراطية الأول”.
يتساءل ليمان بطل مسرحية ” الهبوط من جبل مرجان”: هل هذا هو الندم الذي تنهي به اثامك؟ ويقول ايضا:الحقيقة فظيعة، أليس هذا ما فرغت من قوله؟
ويختتم المسرحية هكذا (يبدأ في النحيب، لكنه يضبط نفسه سريعا ، وبمعاناة داخلية يحدق في الأمام ) لم يسجن ميللر في هذه المسرحية خياله بحدود شخوص العمل واطلق العنان لخياله ليصدح بصوته في كل مكان، ويلقي العديد من الخطب التي تستكشف النفس البشرية ويسبر اغوارها بطريقة تعتمد الحبكة وتلازم الافكار وتسلسلها.
أن استذكار ارثر ميللر من خلال احد اعماله الخالدة يفتح اكثر من نافذة ربما اعتقد البعض أنها اصبحت موصدة إلى الابد ، لكن القاعدة العلمية تقول أن الغرف المظلمة والسيئة والرديئة وما تزخر به هو تاريخ بذيء لا يمكن أن ينساها البشر.
هذه هي حقيقة أميركا لمن يتوهم غير ذلك.

إلى الأعلى