السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / كن صابراً ولا تجزع

كن صابراً ولا تجزع

نعلم جميعاً أن القرآن الكريم حفلت آياته بالصبر والصابرين والأمر بالصبر والتواصي به وما ذلك إلا لعظم منزلة الصابرين لذالك من أراد الفوز والفلاح والسعادة في الدارين فليكن صابرا ولا يجزع ولا يعرف الجزع طريقا إليه هذا وإن الله سبحانه وتعالى يجزي بالصبر أحسن الجزاء إذ يقول:(ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (النحل ـ 96).
أقوال الصحابة والعلماء والعارفين عن الصبر:
قال عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه:(ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر)، وقال الطبري: الصبر منع النفس محابها وكفها عن هواها، وقال السعدي: الصبر هو المعرفة العظيمة على كل أمر فلا سبيل لغير الصابر أن يدرك مطلوبه وخصوصا الطاعات الشاقة المستمرة فإنها مفتقرة أشد الافتقار إلى تحمل الصبر وتجرع المرارة الشاقة وكذلك المعصية التي تشتد دواعي النفس ونوازعها إليها وهي في محل قدرة العبد وكذلك البلاء الشاق خصوصاً إن استمر فهذا تضعف معه القوى النفسية والجسدية ويوجد مقتضاها وهو التسخط إن لم يقاومها صاحبها بالصبر لله والتوكل عليه، وقال بعض السلف: البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر ولا يصبر على العافية إلا الصديقون ويقول ابن القيم رحمه الله: وإنما كان الصبر على السراء شديداً لأنه مقرون بالقدرة والجائع عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضوره.
فمن خلق المسلم الشكر على السراء والصبر على البلاء فالنعمة والنقمة والسراء والضراء والخير والشر كل من عند الله تعالى والرضا لا يكون إلا بقبول الأمرين معا تسره النعمة وتسره النقمة ربما يقول قائل تسرنا النعمة هذا أمر طبيعي ولكن كيف تسرنا النقمة المعني أنه إذا جاءتني النعمة فرحت بها وشكرت وجاءتني النقمة فرحت بها وصبرت يكون بذلك الرضا.
وقد ذكر لنا النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) ذلك في الحديث الشريف الذي يرويه الإمام مسلم عن صهيب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).
إن المؤمن الصادق الذي يحبه الله هو الذي يحب ما يصنعه به مولاه فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط) ـ رواه الترمذي وابن ماجه وزاد البيهقي (الصبر عند الصدمة الأولى) بعد (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء).
لذلك ذكر الله تعالى الصبر والصابرين في القرآن الكريم مراراً وتكراراً في آيات كثيرة فلنذكر أنفسنا ببعضها، قال تعالى في سورة البقرة آية (153):(يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين)، وقال تعالى في نفس السورة بعد هذه الآية بآيتين:(ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) يختبرهم ويمتحنهم سبحانه، كما قال تعالى في سورة محمد (31):(ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم)، فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه ولهذا قال:(بشيءٍ من الخوف والجوع) أي: بقليلٍ من ذلك (ونقصٍ من الأموال) أي: ذهاب بعضها (والأنفس) كموت الأصحاب والأقارب والأحباب (والثمرات) أي: لا تثمر الحدائق والمزارع كعادتها وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده فمن صبر أثابه الله ومن قنط أحل الله به عقابه. ولهذا قال:(وبشر الصابرين).
ويكفي الصابر شرفا وفخرا وعزا وكرامة أن الله تعالى معه وإن هذه المعية التي أوضحها الله بقوله:(إِن الله مع الصابرين) فيها أعظم ترغيب لعباده إلى لزوم الصبر على ما ينوب من الخطوب فمن كان الله معه لم يخش من الأهوال وإن كانت كالجبال فالصبر أعلى الصفات والصابر في أعلى المراتب فلو لم يكن الصبر أعلى المراتب وأثنى المواهب ما جمل الله به رسله أولي العزم فقد فتح الصبر أبواب مرادهم وبلغهم بفضله غاية آمالهم ويكفي الصابر شرفا بعد شرف معية الله لهم أن الله تعالى أمر نبيه بأن يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل قال تعالى:(فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) (آخر الأحقاف).
فلقد صبر نوح ـ عليه السلام ـ على أذى قومه وهو يبلغهم دعوة الله تعالى قرابة ألف سنة وصبر الخليل إبراهيم ـ عليه السلام ـ على أبيه وقومه الذين ألقوه في النار فنجاه الله تعالى منها وصبر أيضاً نبي الله موسى على فرعون وهامان وقارون وصبره على بني إسرائيل من أعظم الصبر فلقد أتاهم بمعجزات عديدة يصدقون ثم ينكرون وابتلي عيسى ـ عليه السلام ـ في ذات الله فمنهم من يقول ابن الله ومنهم من اتهم أمه بالزنا وصبر سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) على أذي قريش ولم يدع عليهم وصبره على أهل الطائف كذلك فلنتخذ الأنبياء والمرسلين قدوة لنا في الصبر ولنعلم أن الحياة ميدان للاختبار يختبر الله تعالى عباده فيها بالمصائب والنوائب ليعلم هل يجزعون أم يصبرون وسبحانه وتعالى يعلم منذ الأزل من يصبر ومن لم يصبر ويختبرهم بالنعم ليرى هل يشكرون أم يكفرون وهو ـ جلّ وعلا ـ أعلم بالشاكر والكافر ولكن الله تعالى يختبر العباد ليعطي الصابر الشاكر جزاء صبره وشكره ويعطي القانط الجازع الكافر جزاء كفره فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط.
فالابتلاء بالشدائد يميز الخبيث من الطيب كما أن الشدائد تهذب النفوس وتقوم من اعوجاجها ويكون من نتائج الشدائد إما ثواباً مدخراً وإما تطهيراً من ذنب وإما تنبيهاً من غفلة أو تعريفاً بقدر نعمة الله علي الإنسان، فالصحة مثلاً، كما يقال: تاج على رؤوس الأصحاء لا يعرفه إلا المرضى ولا يعرف الإنسان قيمة الشيء إلا إذا فقد منه وحين يختبر الله تعالى الإنسان بمرض حبيبه أو موت عزيزٍ لديه أو ضياع ماله تكون الفائدة للإنسان نفسه لأنه بذلك يلجأ إلى الله تعالى فيبدأ بالتوبة والندم على ما فرّط في حق الله تعالى، فربّ مرضٍ ينزل بجسد العبد أنفع له من عظاتٍ بليغة فيجعله يحتسب الأجر عند الله تعالى وحينئذٍ يُعرف المؤمن التقي من غيره، فقد قال نبي الله داود ـ عليه السلام:(يُستدل على تقوى المؤمن بثلاث حسن التوكل فيما لم ينل وحسن الرضا فيما قد نال وحسن الصبر فيما قد فات).
إن الإسلام هو أعظم الديانات لذا فقد وضع علاجا لكل اختبار فإذا وقعت المصيبة للإنسان ينهاه الإسلام عن التفكير فيها والبكاء عليها لأن البكاء لا يعيد ميتا ومن فضل الله على الإنسان أنه خلق كل شيء صغيرا ثم يكبر إلا الحزن فإنه يبدأ كبيرا ثم يصغر شيئا فشيئا وإذا شعر المسلم بالهم وهذا وارد فعليه أن يتوضأ ويصلي ركعتين ليزيل الله همه ويفرج كربه وجاء في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى).
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى