الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / دور الإنسان في هذه الحياة

دور الإنسان في هذه الحياة

هذه الحياة التي نحياها بينها لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنها لا تنفصل عن الأحياء الذين يعيشون فيها, فهي منهم وإليهم, وللحياة الإنسانية قواعدها وفضائلها التي إذا أخذت فرصتها ساعدت البشر على أن يكونوا صالحين خيرين سُعداء.
وهذه الحياة لها قداستها التي توازي أهميتها البالغة ورعاية هذه الفضائل وتنميتها من أعظم أعمال الإنسان وأحقها بالمثوبة، كما أن الإساءة إليها إساءة إلى الحياة كلها, وكل محاولة لتزييف هذه الفضائل جناية ترتكب لا ضد جيل أو جيلين أو ثلاثة أجيال, بل ضد الحياة كلها في مداها البعيد.
من أجل ما سبق ذكره يبين لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القاعدة الراسخة أنه (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة, ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).
إن هذا الحديث النبوي الشريف نصٌّ مباشر في وجوب رعاية فضائل الحياة وفي التحذير من تحريفها, وهذا طبيعي من رسولٍ جاء يسمو بالحياة, وهو أيضاً إدراك سديد لقيمة الحياة ودورها.
واعلم أخي المسلم: أن هذه الحياة وُجدت قبل الإنسان, فهو ضيف طارئ عليها, وهي أبقى منه, فليس من حقه أن يسيء إليها, بل إن واجبه ألا تظل كيوم جاءها ووفد عليها بل لا بد من أن يضيف إليها الكثير من الخير والجمال, فهذا هو دورنا في هذه الحياة ومن أجل ذلك جئنا.
إن ما يسمى بالحياة الإنسانية ليمثل التطور الأرقى في مسيرة الحياة على الأرض, فكل إساءة لفضائل الحياة الإنسانية هدم لروح الرقي في الحياة كلها.
من أجل ذلك ليس من حق إنسان قعد به ضعفه عن اللحاق ببعض تلك الفضائل أن يهون من شأنها, ويعطي مبررات للتخلي عنها فواجبه أن لا يضيف إلى خطيئة عجزه خطيئة جحوده, واجبه أن يرفع الصوت عالياً بقيمة هذه الفضائل وحتميتها وقدسيتها وكما قلنا: إن فضائل الحياة ليست ملكا لجيل, بل هي ملك للحياة جميعها, حتى لو قصّر جيل بأسره في تحقيق هذه الفضائل أو بعضها فإن بقاء احترامه لها وشعوره بقداستها يُبقي لها أهميتها اللازمة للأجيال المقبلة.
وتعالوا نضرب لذلك مثالاً من واقع حياتنا وهو: مثلاً سكان الأرض اليوم يقاربون عدة آلاف مليون نسمة أو أكثر تقريباً بل تجاوز المليار من البشر. أرأيتم هذه الأعداد الهائلة؟ بعد مائة عام لا غير لن يكون على ظهر الأرض أحد من هذه الأعداد .. بل سيكون الموت قد أفناهم جميعاً، وخلال مائة سنة تالية, ستعيش أعداد أخرى, وعند منتهى تلك المائة الثانية ستكون تلك الأعداد الهائلة قد اختفت هي الأخرى, وهكذا يقوم الزحام وينفض, بينما الحياة ماضية باقية فكلما بقيت لها فضائلها ونمتْ كان ذلك خيرا للأحياء الوافدين جميعاً.
إذاً هذا المثال يبينه لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم), أو يريد منا أن نطبقه ونعيه جيدا فقال لنا الحديث النبوي الشريف السابق ذكره, (من سنَّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها ..) الحديث، فهذا الحديث النبوي الشريف يشير إلى أن تنمية فضائل الحياة جزء مهم من عملية رعايتها وتطبيقها, شريطة أن تكون هذه التنمية امتداد وانتشار لخصائص الفضائل ذاتها, وهذا ما عبّر عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم بقوله:(سنّة حسنة)، فإن كانت التنمية مسْخاً لخصائص الفضائل وانحرافاً عن جوهرها فتلك هي (السنّةُ السيئة) ولئن كانت فضائل الحياة تُصان بالعمل الذي يعطي القدوة .. فإنها كذلك تُصان بالقول الذي يحفظ الحُرمة .فواجب كل إنسان أن يدعو إلى احترام فضائل الحياة, وهنا نُذكر بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم):(بلغوا عني ولو آية .. فرُب مُبَلغٍ هو أوعى من سامع ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).
ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يُشجعنا على انتهاج هذا المسلك بكل صدقه ومبشراته, فذات يوم سأله أحد الصحابة فقال: يا رسول الله: الرجل يحب القوم, ولا يستطيع أن يعمل عملهم؟ فأجابه والرسول (صلى الله عليه وسلم) قائلاً:(المرء مع من أحب يوم القيامة).
أجل أخي الكريم: إن المرء مع من يُحب, ومع ما يُحب فحُبك الخير, وحُبك الفضائل .. حتى في حالات ضعفك يجعل لك في القافلة المباركة مكانا.
وفضائل الحياة كما يراها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تتمثل في كل قيم الخير والحق والجمال, تتمثل في كل ما أمر الله به أن يوصل, إن هذا الموضوع وهو الحياة بكل جوانبها يحتاج إلى كثير من التوضيح ولكن قليل يكفي خير من كثير يُلهي, فدورنا في هذه الحياة أعظم الأدوار , فواجب على الإنسان أن يغتنم كل حياته في العمل الصالح وفي إعمار الأرض واتباع ما أمر الله, ويحرص على أن يكون عضواً نافعاً ومفيداً. فهناك أفراد في هذه الحياة عاشوا فيها ما يقارب المائة عام, وعندما ماتوا, لم تُذكر لهم ذكرى, ولم يتركوا أثراً نافعا يذكرهم به الناس, في حين أن هناك أُناساً آخرين, عاشوا في هذه الحية العمر القصير, ومع هذا تركوا بصمة, وتركوا أثراً طيباً في قلوب البشر بعملهم الطيب الذكي, والنافع لكل عصور الحياة, فهيا إلى عمل صالح, وهيا إلى إعمار هذه الحياة بأعمال الخير, لنكون ممن وفقهم الله تعالى إلى ما ينفعهم في دينهم وأخراهم وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب اللهم اجعلنا هداة مهديين لا ضالين ولا مضلين اللهم آمين والحمد لله رب العالمين.

إبراهيم السيد العربي
إمام وخطيب جامع الشريشة/ سوق مطرح

إلى الأعلى