الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ستيفان دي ميستورا والضياعات الزمنية

ستيفان دي ميستورا والضياعات الزمنية

عادل سعد

”لقد قال دي ميستورا في مؤتمر صحفي بمقر المنظمة الدولية في جنيف يوم الاثنين الماضي إن كل يوم يمر دون أن يلتقي السوريون لمناقشة ما يجري في بلادهم هو يوم مهدور. وأضيف هنا: إنه يوم مهدور في كل الحسابات، إذا أخذنا بنظر الاعتبار مجموعة حقائق في مقدمتها العزل الزمني لما ورد في تقرير المبعوث السوداني الفريق الدابي.”

بالرغم ما لدينا عربيًّا من مقاييس للمسافات التي نتبضعها من مالكي التكنولوجيا المتطورة، وبالرغم ما نملك من إرث فكري ووصايا تحثنا دائمًا على اغتنام الفرص وملاحقة الوقت قبل أن يلاحقنا، رغم كل ذلك ما زلنا ـ مع الأسف ـ لا نعير اهتماما لقياس المسافة بين قلوب العواصف التي من المحتمل أن تداهمنا وبيننا، وهكذا يظل خليط الندم والنواح وتحميل الحظ السيئ، وأحيانا الآخرين مسؤولية القصور الذي نعاني منه في السيطرة على أوضاعنا.
أنا هنا لا أتحدث عن حالة واحدة وموقف معين، بل إن الوضع ينسحب على الكثير من تعاملنا مع تلاشي المسافات بيننا وبين التحديات المحتملة، ولذلك أقول هناك ضياعات كثيرة في أوقاتنا. لا أدعي أنني مكتشف ذلك، بل هي الحقيقة عن الزمن العربي الحالي، حيث قال بها خبراء سياسيون وعلماء نفس، ومن خلال تشخيصات ودراسات ميدانية وغير ميدانية، وكتب فيها مفكرون وقادة رأي وأصحاب شهادات على قضايا ساخنة، وأشارت إليها صحيفة نيوزويك الأميركية في استطلاع عن الشخصية العربية، وإن كانت غير محقة في بعض ما قالته. وها هو المبعوث الدولي إلى سوريا دي ميستورا يشير إلى هذه الضياعات بالنسبة للأحداث الدامية في هذا البلد العربي.
لقد قال دي ميستورا في مؤتمر صحفي بمقر المنظمة الدولية في جنيف يوم الاثنين الماضي إن كل يوم يمر دون أن يلتقي السوريون لمناقشة ما يجري في بلادهم هو يوم مهدور. وأضيف هنا: إنه يوم مهدور في كل الحسابات، إذا أخذنا بنظر الاعتبار مجموعة حقائق في مقدمتها العزل الزمني لما ورد في تقرير المبعوث السوداني الفريق الدابي، وكذلك عدم الانتباه المقصود لما جاء في تقرير المبعوث الثاني كوفي أنان وإلى شهادات وتقارير وتشخيصات أخرى صدرت خلال السنوات الأربع الماضية عن ذات الموضوع.
وإذا كان الهدر الحاصل في الزمن السوري قد استقطب كل ذلك، فلنا أن نتوقف أيضًا عند الهدر الزمني الذي حصل في الواقع العربي خلال العام الماضي 2015 عندما واصل العرب تنكب السلاح لمحاربة بعضهم البعض، متجاهلين وجود يوم عالمي للتسامح بموجب قرار اتخذته اليونسكو خلال مؤتمرها الثامن والعشرين. ويعني التسامح هنا على وفق تفسير نلسون مانديلا الصفح، وكذلك عندما نظر العرب باستهانة واضحة إلى التحديات البيئية، وحين وقفوا متفرجين يمتنعون عن أية خطوة تعيد (الرمق) ولو البسيط إلى العمل العربي المشترك، وعندما نأوا عن الكثير من المسؤوليات التي كان ينبغي أن يضطلعوا بها في محاولات البحث عن طريق يوقف نزيف التشرذم والمقاطعة والشتائم بينهم، ولنا في أكثر من بلد عربي واحد ما يؤكد ذلك، ويكفي أن نشير إلى ما يجري في العراق إذ لم تجد التكتلات السياسية المهيمنة على المشهد العراقي أن تؤثر في أحداث هذا البلد بما يوقف تقطيع الأوصال وتشعب الإرادات حتى داخل المكون الواحد، وعندما لجأوا إلى حفر (الخنادق) بينهم، والسعي إلى زيادة أيام العطل الرسمية ضمن مشروع قانون ما زال على طاولة مجلس النواب.
ولنا أن نتوقف أيضًا عند الهدر السياسي والاقتصادي الذي يعيشه لبنان في المحاولات المتكررة الفاشلة لاختيار رئيس للبلاد من المكون المسيحي، مع ملاحظة أن الخلافات بين هذا المكون تتصدر قائمة الخلافات بين اللبنانيين في متاهات الانقسام.
إن ضياعات عام 2015 لا تمثل إلا جزءًا بسيطًا من ضياعات اجتماعية وثقافية وسياسية ونفسية، واستحضار الشغب التاريخي على صعيد البلد الواحد وبين البلدان العربية، فهل لنا أن نطمح بإعادة الاعتبار إلى مبدأ احترام حاجات الزمن العربي الحالي بما يعيد تشكيل أولولياتنا خلال عام 2016، أم علينا أن ننام على وسائد انتظار ارتفاع أسعار النفط، وأن تثمر الأراضي الزراعية بكميات كبيرة من الخضراوات والبقول والغلات، وأن تكبر الثروة السمكية، وأن نجلس صباحًا لنجد سدودًا قد قامت وربات بيوت يعتقدن بأهمية ترشيد المياه وترشيد طلبات المنازل؟!
هل لنا أن نتعلم خلال 2016 ولو من الآخرين كيف تعيد أوروبا أوضاعها إلى ما يشفع لها بحماية وجودها، وأن نتعلم كيف نحمي شبابنا من أن يكونوا طعاما لأسماك البحار خلال قوافل الهجرة البحرية إلى المجهول في (المتوسط) وفي (ايجة)، أو في المحيط الهندي أو في المياه الضحلة المحيطة بأستراليا.
عام 2016 هو الآن على قارعة الشهر الأول، ولنا أن نستعيد لبقية الأشهر وإن كان الامر يقتضي منا هذا الاستعداد قبل ذلك، ولكن كما يقول البريطانيون: (أن تصل متأخرا خير من أن لا تصل).

إلى الأعلى