السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / دلالات في زيارة الرئيس الصيني للمنطقة

دلالات في زيارة الرئيس الصيني للمنطقة

علي بدوان

”زيارة الرئيس الصيني (شي جين بينج) الأخيرة للمنطقة أكدت مُسلمات السياسات الصينية الخارجية المُتبعة منذ سنوات الانفتاح أواخر سبعينيات القرن الماضي، والداعية لتجنيب الصين الشعبية من الدخول في دهاليز الخلافات الدولية والإقليمية أو الغَرَق في أتونها، لصالح سياسات بناءة تعود عليها وعلى شركائها بالنفع المُتبادل في مُختلف الميادين والجوانب.”

جاءت جولة الرئيس الصيني (شي جين بينج) الأخيرة (15 ــ 23 يناير 2016) لبعض دول المنطقة، جولة ثورية بكل ما للكلمة من معنى، من حيث حرص جمهورية الصين الشعبية على إبقاء وتعزيز دورها وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية مع عموم دول المنطقة، ومن حيث الحجم المالي والاستثماري في الاتفاقيات التي تم توقيعها، ومن حيث الدور المُتوازن في سياسات الصين الشعبية في الأزمات الدولية المُشتعلة، حيث طالت الزيارة ثلاثة دول مركزية وذات وزنٍ إقليمي مؤثر وهي إيران والسعودية ومصر، حيث يُلحظ بأن الزيارة تمت للدول الإقليمية الثلاث التي تَشهَد علاقاتها البينية المُتبادلة خلافات واسعة بشأن العديد من القضايا وعلى رأسها الأزمة السورية المشتعلة، ومسألة اليمن، والملف النووي الإيراني حتى بعض إنجاز اتفاق (5+1) والبدء بتطبيقه، وقضايا الخليج وغيرها، مما يُؤشر على حرص بكين بالتواصل مع الجميع، والعمل السلس لإبقاء الخيط ممدودًا مع كل الأطراف، وتَجَنُب القطيعة مع أي منها.
زيارة الرئيس الصيني (شي جين بينج) الأخيرة للمنطقة أكدت مُسلمات السياسات الصينية الخارجية المُتبعة منذ سنوات الانفتاح أواخر سبعينيات القرن الماضي، والداعية لتجنيب الصين الشعبية من الدخول في دهاليز الخلافات الدولية والإقليمية أو الغَرَق في أتونها، لصالح سياسات بناءة تعود عليها وعلى شركائها بالنفع المُتبادل في مُختلف الميادين والجوانب، وخاصة منها الميدان الاقتصادي والاستثماري.
وبالطبع، إن الكلام الوارد أعلاه لا يعني البتة بأن جمهورية الصين الشعبية لا تُعير القضايا الساخنة والخلافات الدائرة في الإقليم أهمية مُناسبة، أو لا تتخذ موقفًا إزاءها، بل العكس تمامًا فالصين الشعبية تَملِكُ مواقف واضحة إزاء القضايا الخلافية الجارية في المنطقة، لكنها تعمل دومًا على تقديم موقف سياسي بناء يقول بالحلول السياسية، وبالحوار كطريق لحل الاستعصاءات القائمة، ومنها على سبيل المثال الأزمة المشتعلة في سوريا. فقد حرصت الصين على النأي بالنفس عن الانغماس المباشر في تداعيات الوضع العربي العام المتدهور، وبدت أميل إلى حلول داخلية سلمية، مع البقاء، في الوقت نفسه، ضمن موقف مناوأة الولايات المتحدة والغرب وأهدافهما السياسية بالمنطقة، وهي الأهداف التي ترى بكين بأنها على تتم حساب مصالح شعوب المنطقة، ولحساب سياسية القطب الواحد والتفرد بمصير المعمورة.
إن الصين الشعبية، تربطها بمنطقة الشرق الأوسط علاقات تاريخية عميقة، وتَحكُمُها مواقف إيجابية معروفة، حيث الموقف الصيني الدائم لصالح القضايا العربية وخاصة منها القضية الفلسطينية منذ نشوئها، وهو الموقف الذي أكد عليه الرئيس الصيني في زيارته الأخيرة حين أعلن من القاهرة بأن الصين كانت وما زالت مع حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصير وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس. كما في تأييد الحل السياسي لما يدور في سوريا بعد أربع سنوات من التخريب والتدمير وسفك الدماء.
وعليه، إن زيارة الرئيس الصيني للدول الثلاث في المنطقة ذات الوزن والحضور والتأثير، ترافقت مع إعلان الصين الشعبية عن مواقفها السياسية المعلنة والمعروفة بشأن الأزمات التي تطال المنطقة وفي القلب منها الأزمة السورية، والقضية الفلسطينية، والملف الاقتصادي حيث تم توقيع اتفاقيات مع الدول الثلاث التي تمت زيارتها بسيولة نقدية تقارب نحو (25) مليار دولار أميركي، وهو رقم مُرتفع بكل الحالات، عدا عن زيادة المستوردات من دول المنطقة وخاصة النفط والغاز للصين، ومبادلتها بالمنتجات الصينية. فيما حازت العلاقات الاقتصادية الإيرانية ـ الصينية على النصيب الأكبر بالإتفاق على توظيف (600) بليون دولار للتعاون والاستثمار المشترك خلال السنوات العشر القادمة.
وكان الرئيس الصيني (شي جين بينج) قد أعلن عن تأسيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية قبل أقل من عامين، وصدّق 17 عضوا مؤسسًا يمثلون أكثر من 50% من رأس ماله البالغ حاليا 50 مليار دولارا – على اتفاق بشأن البنك ليعلن الرئيس الصيني تأسيسه رسميا يوم 25/12/2015، وليبدأ عملياته في بداية 2016، مركزًا على تمويل مشاريع في مجالات الكهرباء والنقل والبنية التحتية الحضرية في بعض الدول، ويتوقع أن يقدم قروضا تتراوح قيمتها الإجمالية بين عشرة مليارات و15 مليار دولار سنويا في السنوات الأولى، واعتبرت الولايات المتحدة وحلفاؤها في البداية إن هذا البنك ينافس البنك العالمي والبنك الآسيوي للتنمية، اللذَيْن تهيمن عليهما الولايات المتحدة وحلفاؤها.
ونُشير هنا بأن الصين دولة مُستهلكة للنفط والغاز، وتتربع في الموقع الثاني من حيث الاستهلاك العالمي للطاقة بعد الولايات المتحدة الأميركية، وأن جُل نفطها وغازها يتم استيراده من المنطقة وخاصة من إيران التي تبيع الصين نحو (35%) من حاجتها السنوية من النفط والغاز، فيما تحاول حكومة الصين احتواء تداعيات النمو الصناعي السريع الذي تسبب في كوارث بيئية مثل الضباب الكثيف الذي يغطي المدن الرئيسة من حين لآخر وفي مقدمتها العاصمة (بكين)، وتقوم وزارة حماية البيئة بحملة لخفض التلوث الصناعي في مصانع الكيماويات وصهر المعادن ومعالجة الغبار والتدفئة.
لقد نجحت جمهورية الصين الشعبية بشكلٍ جيد (وليس بشكلٍ تام) في بناء مشروعها التنموي والاقتصادي، حيث تواصل النمو السنوي ونمو الدخل الوطني والناتج القومي دون توقف، حتى وإن طرأ عليه انخفاض في بعض السنوات. فيما تَمَكّنت روسيا الاتحادية من وقف مسار التقهقر الذي بدأ مع تفكك الاتحاد السوفييتي السابق زمن الرئيس الأسبق ميخائيل جورباتشوف وتواصَلَ الرئيس الروسي الأول بعد تفكك الاتحاد السوفييتي بوريس يلتسين، وصولًا لبناء تحالف دول مجموعة (بريكس) المتشكلة من (الصين وروسيا والهند وجنوب إفريقيا والبرازيل) والتي تحظى بــ(35%) من الإنتاج العالمي، وتضم نحو (47%) من عدد سكان المعمورة. وعليه إن نمو وزيادة وزن وحضور مجموعة (بريكس) يسير باتجاه بناء القطب الآخر في مواجهة الولايات المتحدة، فوفق المنظور الصيني، فإن بكين تريد عالمًا مُتعدد الأقطاب، وليس عالمًا يسوده القطب الواحد كما كان الحال بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وفي هذا المسار أيضًا جاءت زيارة الرئيس الصيني الأخيرة للمنطقة وتوقيعه لعددٍ من الاتفاقيات الاقتصادية الضخمة التي أثارت الانتباه ولفتت اهتمام المراقبين والمتابعين.

إلى الأعلى