الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مردخاي و”المقاومة الاستجدائية”!

مردخاي و”المقاومة الاستجدائية”!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

عندما نتحدث عن الفصائل والنخب في الساحة الفلسطينية فنحن لا نعمم ولا نساوي بين الجميع، لا سيما في ساحة بان فيها الخيط الأبيض من الأسود، ولكن هذا لا يمنعنا من القول بأن أغلب هذه الردود هي، إلى جانب تعبيرها عن العجز المقيم، فيها قدر لا بأس به من الهروب من مستوجب وضع الأصبع على الجرح، أو تسمية الأمور بمسمياتها.

هَزُلَت لتبلغ مبلغًا نسمع فيه ما سمعناه مؤخرًا من ردود أفعال مُستفزة وغاضبة شاجبة من قبل عديد الفصائل وغير قليل من النخب الفلسطينية جراء ما جاء في مقابلة مع ماجد فرج، رئيس استخبارات السلطة الفلسطينية “الأوسلوية”، وأقرب المقربين إلى رئيسها، أجرتها معه صحيفة “ديفنس نيوز” الأميركية… المفارقة هنا هي في أن ما تبدى في ردود الأفعال هذه هو أن أصحابها وكأنما هم قد أُخذوا على حين غرة، بمعنى أنهم قد فوجئوا بما كان ليس معروفًا لهم ومعهودًا لديهم، أو ما لا يعايشه أغلبهم، ويواجهه بعضهم مع شعبهم، في كنف هذه السلطة تحت الاحتلال ومنذ أن كانت.
هذه واحدة، يضاف إليها، انصباب أغلب ردود الأفعال في وجهة واحدة هي شخص فرج، لدرجة أن البعض رد تصريحاته، التي تستحق أن يقال فيها ما قاله مالك في الخمر، إلى محاولة قائلها تقديم أوراق اعتماده للأميركان خليفةً لرئيس السلطة، والذي اعتدنا أن تثار موسميًّا مسألة خلافته لتبدأ خفوتًا ويتم سحبها من التداول، أي تناسي هؤلاء أن الرجل ما هو إلا موظَّف مكلَّف يحمل وينفِّذ، هو أو من هو في مكانه، سياسة ونهجا ومنطقا تسووي تصفوي بعينه، وذلك للأسف أمر يتواتر منذ أن أقاموا هذه السلطة…ما الذي كان من فرج؟!
لم يأتِ بجديد، ولا بما كان خافيًا على الفصائل والنخب في الساحة، ولا بغير ما أدركه الحس النضالي للشعب الفلسطيني ووعاه سلفًا منذ بداية التغريبة الأوسلوية. كل ما كان منه أنه فاخر بدور أجهزته الدايتونية، أو قيامها بما عليها، في محاصرة الانتفاضة الشعبية الراهنة، وإعادة تأكيد المؤكد، أو “المقدَّس” أوسلويًّا، وهو “التنسيق” أو التعاون الأمني مع المحتلين، وتكراره لمكرورهم رفض فكرة المقاومة، اللهم إلا على الطريقة البلعينية، والقبول الضمني بوسمها بالإرهاب، وأبدى استعداد أجهزته للانضمام إلى تحالف الحرب على هذا المسمَّى، محذرًا حلفاءه المنشودين من وجود ما دعاه “آيديولوجية داعشية” لدى بعض الشباب الفلسطيني… ومن غيض لا فيض ما جاد به: لقد “اعتقلنا نحو مئة فلسطيني” منذ بدء الانتفاضة، لأنهم “كانوا يخططون لتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية”، وصادرنا أسلحة، و”أحبطنا 200 هجوم” ضد الاحتلال خلال ذات الفترة، بل وأكثر منه، وليسمع القاصي والداني: إن “قوات الأمن الفلسطينية عملت جنبًا إلى جنب إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة وغيرها لمنع انهيار السلطة”…
عندما نتحدث عن الفصائل والنخب في الساحة الفلسطينية فنحن لا نعمم ولا نساوي بين الجميع، لا سيما في ساحة بان فيها الخيط الأبيض من الأسود، ولكن هذا لا يمنعنا من القول بأن أغلب هذه الردود هي، إلى جانب تعبيرها عن العجز المقيم، فيها قدر لا بأس به من الهروب من مستوجب وضع الأصبع على الجرح، أو تسمية الأمور بمسمياتها، وبالتالي التهرُّب من استحقاق مواجهة سياسة ونهج بكامله ونأي بالنفس عن ضرورة مقارعته، إذ إن المشكلة ليست في فرج، وإنما في سلطته التي يحمل نهجها وينفِّذ سياساتها، ويحرص كثرة من الشاجبين على عدم قطع شعرة معاوية معها، وتحديدًا مع رئيسها… على أي حال، ما كان ليطل أمر مثل هذا الهروب. عاجلهم رئيس السلطة بنفسه فقطع عليهم الطريق. دافع عن رئيس استخباراته فرد القرار لنفسه وله وحده، وذكَّر الهاربين عسى أن تنفع الذكرى، التنسيق الأمني “يتم بأمر مباشر مني”، وإلقاء الحجارة على المحتلين بالنسبة لي “ممنوع”، وأوعزت للشرطة بمنعه، والمسموح فقط عندي هو “المقاومة السلمية”، وهذه السلمية هي على الطريقة الأوسلوية المعروفة لا غير!!!
في ردود أفعال الصهاينة على تصريحات فرج ما تفاوت بين الاندهاش، وما كان مدعاة للتندر وما لا يخلو من احتقار، ومنه، على سبيل المثال، ما قيل في صحيفة “معاريف” من أن “إسرائيل معنية بتكريس مكانة السلطة ككلب حراسة يلتزم بتعليمات إسرائيل التي تجد نفسها في حل من تقديم تنازلات”، أو قول الجنرال شاؤول أريئيلي، قائد جيش الاحتلال سابقًا في غزة، “إن إصرار عباس على التعاون الأمني مع إسرائيل لم يسفر إلا عن مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية وتهويدها”، وزاد أريئيلي الكيل فقال، إن نتنياهو قد جعل منه “أضحوكة في نظر أبناء شعبه، بدلًا من أن يكافئه على ضبط الأوضاع الأمنية فإنه يعاقبه بمصادرة أراضي الضفة”!
…وإذ هي هزُلت إلى مثل هذا الحد فلسطينيًّا، يقابلها غلاة الصهاينة باتهام نتنياهو بإبطاء التهويد والتساهل مع جيشهم المحتل الذي يتهمونه بالتهاون في قمع الفلسطينيين، وبدوره يتهم نتنياهو بان كي مون بتشجيع الإرهاب الفلسطيني…ويكملها صائب عريقات، كبير مفاوضي “المقاومة الاستجدائية” في ساحات “المجتمع الدولي”، بواحدة من جديده الذي لا ينضب لا فض فوه، ذلكم بتأكيده، وهذه المرة جازمًا، بأن “يؤاف مردخاي منسق شؤون الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية بات الرئيس الفعلي للشعب الفلسطيني”!!!
…كان الأجدر بالفصائل والنخب الفلسطينية، بدلًا من الاكتفاء بكيل بيانات الشجب والإدانة للمتفاخرين بتعاونهم مع عدوهم، أن تسأل نفسها: ترى ما الذي دفع الشعب الفلسطيني في انتفاضته الراهنة إلى استبدالها بخمسة ملايين فصيل فردي مقاوم داخل الوطن المحتل، ناهيك عن ملايين في الشتات؟؟!!

إلى الأعلى