الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / سيسيولوجيا الشوشرة

سيسيولوجيا الشوشرة

الكثير من المشاكل الاجتماعية يمكن تناولها على خشبة المسرح، والكاتب المسرحي هو الذي يستطيع التقاط إحدى هذه المشاكل – أو حزمة منها – ليجعلها محوراً لمسرحيته ومن خلالها يمكنه أن ينسج أحداثاً بين مجموعة من الشخوص يحركهم وفقاً لخطةٍ معينة تفرضها تماسك مُجمل المسرحية، إنه سيجد فرصة كبيرة وفضاءً واسعاً للتعبير عن رأيه ومحاولة وضع اليد على الجرح ملتمساً له الدواء الناجع؛ واستغلالاً لهذه الفسحة الفنية لحرية التعبير العاقل والمنطقي، وكعادة المسرحيين عبر التاريخ فإنهم يوظفون أشكالاً تعبيرية مختلفة منها الجاد، ومنها الضاحك، ومنها ما يجمع بينهما، حيث يمكن للكاتب المسرحي أن يستفيد من عامل الضحك والإضحاك ليضفي على موضوع المسرحية حسّاً مرِحاً يجذب أكبر قدر من الجمهور المتعطش للفرح والفكاهة، على اعتبار أن عامل الضحك والاضحاك في العمل المسرحي من أهم العوامل التي استغلّها المسرحيون على مرّ العصور، بل عرف المسرح الضحك منذ فجر التاريخ عندما كان ندماء السلطان أو الحاكم أو الوالي في الدول القديمة يمثلون له منفردينَ ومجتمعين بعض الأدوار المضحكة لتسليته، والضحك بشكل عام يمكنه أن يدخل في أي موضوع جاد وقد عُرف قديماً دمج الجد بالهزل كما في كتابات الجاحظ لا سيما في كتابه ( البخلاء )، وكذلك نوادر جحا، بل وحتى في حكايات ألف ليلة وليلة،ناهيك عمّا جاء في الأدب القديم المترجم مثل كليلة ودمنه لبيدباء الهندي والتي ترجمها إلى العربية ” ابن المقفع ” يتجلى فيها عامل الجد والهزل، ولعلّ نجاح أدبياتنا العربية في تراثنا القديم هي التي حفّزت الأدب الغربي الذي استفاد منها أيما استفادة، فها نحن نرى آثار ذلك في الكثير من أعمالهم المسرحية والتلفزيونية والسينمائية، وقد استفاد الكثير من كتّاب المسرح من التجارب السابقة للمسرحية الاجتماعية / الكوميدية، وأصبح لها تاريخ في ساحتنا الثقافية بالوطن العربي ودول الخليج. وتجربة العمل المسرحي في منطقة الساحل الشرقي من المملكة العربية السعودية لا تنفصل عن الحركة الفنية بشكل عام في المملكة وقد أخذت هذه الحركة بالأسباب للوصول إلى النجاحات المطلوبة رغم قلة الامكانيات لدى الفرق المسرحية الخاصة، إلا أن الجهات الرسمية لم تأل جهداً بتشجيع هذه الفرق المسرحية لا سيما إمارة المنطقة الشرقية وفروعها. حيث لم تأل جهداً بدعم مهرجانات الأعياد في مختلف مدن وقرى المنطقة، ومنها مهرجان الوفاء بسيهات الذي أشرفت عليه جمعية سيهات الخيرية ونادي الخليج، كما ساهمت في دعمه بعض الشركات الأهلية، وقد قامت الفرق المسرحية الأهلية بتقديم منجزها الفني الجميل والذي أعجب الجمهور فاحتشد له أيما احتشاد طوال ليالي الأعياد، والإجازات السنوية والنصف سنوية، وهذا ليس بالمستغرب فكل الفرق المسرحية في المنطقة لها حضورها ولها جمهورها حيث يلاحظ الكثير من المتابعين مدى النشاط الذي وصلت إليه هذه الفرق المسرحية الأهلية على مستوى المنطقة بل وحتى امتدادها على مستوى المملكة والخليج وهو إنجاز لا يمكننا نكرانه بل نشكره لهذه الفرق ويجعلنا نشدّ على أيديهم للمواصلة والعطاء، ولعلّ المنجز الحضاري المهم الذي قدمته هذه الفرق المسرحية هو تناولها للمشكلات الإجتماعية على المستوى المحلي، كقراءة جادة لمسرح الواقع من قبل مؤلفي هذه المسرحيات، وبالتالي انعكاس هذه القراءة على إبداعاتهم وعطاءاتهم في الكتابة للمسرح وإثراء هذا الميدان الفني بالموضوعات التي تهم المواطن، وبالتالي تأخذه لمساحاتٍ من الوعي والبصيرة لما فيه من الخدمة الجليلة للفرد والأسرة والمجتمع والأرض والوطن.
من أمثلة المسرحيات التي شدّتني، وكتبت عنها هذا المقال الذي لم أنشره حتى تاريخه إلا في هذه الصحيفة – الوطن العمانية – هي مسرحية بعنوان ( شوشرة )- وقد تم عرضها قبل سنوات قلائل-، وهذه المسرحية هي إحدى المسرحيات التي قدمها مهرجان الوفاء للكاتب المبدع والفنان المسرحي محمد الحلال، وقد أخرجها الفنان محمد السبع، وقام بدور البطولة فيها كل من الفنانين القديرين علي السبع وحسين الهويدي، ويشاركهم في التمثيل كل من جعفر السيهاتي، وناصر عبد الواحد، و منتظر داوود، و مؤيد محفوظ، و عبد الله محفوظ، ومصطفى الحلال، وعلي عيد، وقام بإدارتها مدن درويش، ومهندس الصوت أحمد الباشا، وقد دارت أحداث المسرحية حول مشكلة الاحتدام القائم بين النساء وأزواجهم كثيري الأسفار من أجل الاستجمام والبحث عن اللذائذ والراحة والهدوء والسكينة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى مشكلة انعدام الثقة بين الآباء والأولاد في إطار العائلة الواحدة، ومشكلة انتشار الشائعة وترتيب الأثر المدمّر للفرد والأسرة من جراء هذه الإشاعات دون تثبت أو التأكد من صحتها، ومن المشاكل الأخرى التي فُتحت لها إحدى النوافذ مشكلة تسقيط الكفاءات ووأذ الطاقات في مجتمعنا، إضافة إلى مشكلة النزاعات بين الأصدقاء والأخوة التي تنتهي بالقطيعة النهائية، ومشاكل جانبية أخرى، وقد أضفى روح الدعابة والفكاهة على المسرحية بشكل مدهش كل من الفنان حسين الهويدي الذي يقوم بدور ” إسحاق “، وكذلك الفنان علي السبع الذي يقوم بدور ” أبو وداد ” حيث يتمتعان بها طوال مسيرتهما الفنية مسرحياً وتلفزيونياً، وكانت تعليقاتهما على بعض مجريات المسرحية أثناء أداء أدوارهما على خشبة المسرح بمثابة المانشيتات الصوتية الضاحكة التي تفاعل معها الجمهور وصفق لها بحرارة.. وكذلك ما قامت به زوجة ” إسحاق ” والذي قام بدورها الممثل الرائع ناصر العبد الواحد الذي أثبت بجدارة قدرته العجيبة على تقمص دور ” أم يوسف ” وقد ذكرنا بنبرة صوته الشخصية النسائية المشهورة في المسرح الكويتي ” أم عليوي “، حيث استطاع أن يوصل إلى أذهان الجمهور كباراً وصغاراً رجالاً ونساءً ” اللزمات ” التي يطلقها بين الفينة والأخرى أثناء أداء دوره النسائي الضاحك، كقوله: ” زليخا جهزي الزلاطة “، وقوله عن الرجال: ” يا ربي جبتهم امفسخين خذهم بثيابهم”، وكذلك حركاته ورقصاته ووصلات الغناء التي كان يؤديها.. ولا أنسى بقية الفريق من الممثلين كالخادمة التي اشتهرت بعبارة ” بطني واجد حرارة “، كما أبدع الفنان المتألق سعيد قريش الذي قام بدور الابن ” يوسف ” وهو زوج “وداد ” وهما يسكنان مع والده ” إسحاق ” والذي كان يخلص في حبه لزوجته ويحترم والديه ويقدم لهما ولعمه ” أبو وداد ” كامل الاحترام والتقدير، وقد صُدم ” يوسف” بتصديق عائلته للإشاعة التي أٌطلقت ضده من أنه قام بسحب كامل رصيد والده من البنك مُستغلاً الوكالة الشرعية التي يحملها منه، كما صدِم بسبب تصديق زوجته ” وداد ” الإشاعة التي أُطلقت ضده من أنه مقبل على الزواج من أخرى، وهذه الإشكالية والتي مثلت العقدة في قصة المسرحية وهي التي نقلت الحدث الضاحك وقلبته رأساً على عقب حيث تحوّلت إلى الجدّ والحزن والألم، ومن هذا الحدث المفاجئ في النص المسرحي تنطلق الرسالة إلى الجمهور ويتفاعل معها، ومن هذه العقدة أيضاً برزت الإجابات التي كانت ضائعة منذ بداية المسرحية حيث أصبح للقصة المؤداة على الخشبة تماسكاً وتوازناً بين الحس الفكاهي والرسالة الجادة المضمّنة في النص بطريقة جيدة، ثم ينكسر أيضاً هذا الحدث بحدث مفاجئ آخر وهو اعتراف حفيد
” إسحاق ” من ابنته المطلقة واسمه ” نجيب ” الذي اعترف لهم بعد أن سمع إصرار والد يوسف على سحب الوكالة من ابنه، وإصرار الزوجة ” وداد ” على الطلاق، وإصرار يوسف نفسه على الخروج من البيت بعد أن حاول إقناع عائلته ببراءته من كل التهم والإشاعات التي لفقت ضدة من مجهول.. حيث اعترف الابن نجيب بأنه هو الذي قام بتلفيق الاتهامات على سبيل الغيرة وكان تصرفه هذا بمثابة الرد العكسي على ما لحقه من الألم تجاه طلاق والدته من والده وقد سبب له ذلك عقدة نفسية رافقته حتى أثناء دراسته حيث يتم تعييره من قبل الأولاد بأنه ابن المطلقة، وكان تلفيقه لهذه الإتهامات والإشاعات نوعا من الغيرة على السعادة التي يراها لدى ” يوسف ” وحبه الكبير لزوجته ” وداد ” وأراد أن يخرّب هذه العلاقة، وكان هذا الاعتراف كالصاعقة على جميع أفراد الأسرة، إلا أنها انتهت بالتصالح بين الأب ” إسحاق” وابنه “يوسف” وكذلك ” أبو وداد ” الذي كان مصراً على طلاق ابنته من ابن أخيه ” يوسف”.
في هذا القالب المسرحي المليئ بالشوشرة، والذي مثلته هذه الفرقة يمكننا أن نقول أن سيسيولوجيا النص المسرحي يمكنه أن يتماس مع أغلب مشاكلنا الاجتماعية، بل يمكنه أن يتدخل في معالجة أعقد المشاكل ويجد لها الحلول المناسبة وفقاً للرأي الإبداعي لكاتب المسرحية، ووفقاً لقناعات الممثلين الذين اقتنعوا بتمثيل هذه الأدوار وأبدعوا فيها، ووفقاً للإقبال الكبير الذي أقنع الجمهور بجدوى أمثال هذه المسرحيات الاجتماعية الكوميدية.

عقيل بن ناجي المسكين
gosi@argasksa.com

إلى الأعلى