الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / حيفا تحتفي بديوان الشاعرة آمال رضوان “أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين” (2ـ2)

حيفا تحتفي بديوان الشاعرة آمال رضوان “أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين” (2ـ2)

بقراءات أدبائها ونقادها
فاطمة ذياب: مرّة تلوَ المرّةِ أقفُ سابرةً أغوارَ قصائدِ شاعرةٍ مميّزةٍ في زمن مميّز
فهيم أبو ركن: تعابيرِ شّاعريّةِ مُبتكرَةِ وانزياحاتِ مُعبّرةِ استخدمتْها الشاعرةُ بنجاح
حسن عبادي: الديوان أخذني إلى ملحمةٍ شعريّةٍ عشقيّةٍ، عبرَ جلجامش والسومريّين والبابليّين وزوربا والأسطورة الإغريقيّة

القدس المحتلة ـ “أشرعة”:
وعن رؤيتها للديوان تقول الكاتبة فاطمة ذياب : آمال عوّاد رضوان شاعرةُ الغموضِ والما وراء! مرّةً تلوَ المرّةِ أقفُ سابرةً أغوارَ قصائدِ شاعرةٍ مميّزةٍ في زمن مميّز، آمال عوّاد رضوان شاعرة الغموض والما وراء، تُحفّزنا كما في كلّ مَرّةٍ على تَحَدّيها ونَفعل، وليسَ السّؤالُ إنْ كُنّا ننجحُ أو لا، فلكُلٍّ منّا قراءتُهُ؟ العنوان (أُدَمْوِزُكِ وَتَتعَـشْتَرِين)؟ عندَ هذه الصّرخةِ الحانيةِ تستوقفُني المَعاني، وأحاولُ أنْ أتهجّأ عنوانَ القصيدةِ الّتي تحمِلُ شرفَ عنوانِ الدّيوان، فأراني يا آمال المُتعشتِرةُ ببلاغتِكِ ونصوصِكِ، أحاولُ بدَوْري، أنْ أُدَمْوِزُك مليكةً على عرشِ الحروفِ واللّغاتِ! ولمّا كان عنوانُ الكتابِ مفتاحُهُ، خِلتُهُ مفتاحًا مِن بيوتِنا العتيقةِ، وقد أضاعَ أبوابَهُ؟ وأتحَدّاني، وأُبحِرُ في نصٍّ مُتداخِلٍ يَضمخُ بالذّكورةِ الذاهلةِ والأنوثةِ المُشتهاة! تستوقفُنا صورةُ الغلافِ، ومجموعةٌ مِن التساؤلات: لماذا تتقدّمُ المرأةُ على الرّجُل؟ أمِنْ بابِ التّمنّي، أم هي تريدُها كذلك؟ وبكلّ الأحوال، الدّيوانُ يَدعونا إليه، لنُبحرَ في لجّةٍ ما بين الأرض والسّماء، وثمّة عوالم ترسُمُها آمال بفرشاةِ الحُروف!
آمال يا دُرّةَ الطيور، ما فتئتِ تُحلّقينَ في سَماواتِكِ اليابسة إلّا مِنْ نورِكِ ومِن نارِكِ، كعصفورةِ نارٍ ونورٍ تُضيئينَ الرّوابي! يا مَنْ تعتلينَ صهوةَ الجيادِ العَصِيّة! فارسةً ما زلتِ، تنتقينَ المَيادينَ الخاصّة المُميّزة، ونقفُ أمامَ جُموحِكِ الطّاغي، نرقبُكِ في دهشةٍ، وننظرُ إلى ثغرِكِ الأخرسِ، إلّا مِن سيْلٍ عرمرم يَتحرّشُ بنا، يأخذنا إلى (مُهْـرَةِ البَوْحِ الفتِيّ..
صَوْبَ ذَاكِرَةٍ عَذْرَاءَ)، تحاولين ونحاولُ مثلَكِ أنْ (نَتَطَهَّرَ بِنَارِ الُحُبِّ..
وَنورِ الْحَيَاة!).عزيزتي آمال، صعبٌ أنْ تَظلّي تتلظّينَ ما بينَ اشتعالِ الشوق والحنين، وتتضوّرينَ شهوة: أَأَظَلُّ..
أَتَضَوَّرُ شَهْوَةً؟/ أَحْلَامِي مُعَلَّقَةٌ..
بَــ ــ يــْـ ــ نَ..
وُعُودِكِ الْمُؤَجَّلَةِ/ وَأَقْدَامِي تَتَعَثَّرُ..
بَــ ــ يــْـ ــ نَ..
جُدْرَانِكِ الْــ تَتَهَاوَى!/ عَلَى خَدِّ شُعَاعٍ..
مُضَمَّخٍ/ بِــــالْـــــ ــ دَّ ــ هْـــ ــ شَــ ــ ةِ/ ثَ رْ ثِ رِ ي نِ ي..
صَدًى/ لِأَرْسُمَ..
بَعْثَــكِ الْمُشْتَهَى!
وها نحنُ ما زلنا كما نحنُ، نُحاكي دهشةَ حروفِكِ تحتَ قبّةِ سماواتِكِ اليابسة: (أَمَامَ اشْتِعَالِ اشْتِيَاقِي/ ثَ رْ ثِ رِ ي نِ ي..
صَدًى/ لِأَرْسُمَ بَعْثَــكِ الْمُشْتَهَى!) ص4.
وها نحنُ نُحاولُ أنْ نرسمَ بعثَكِ المُشتَهى، المُمَوَّجَ على ضِفافٍ تتيقّظُ عندَهُ لغةٌ مُماحِكةٌ، تَسحَبُنا إليها وإلى عوالِمِكِ.(مَبْسُوطَةً..
تَمْتَدُّ رَاحَةُ فَجْرِكِ/ مُخَضَّبَةً..
بِحَنَانِ أَنَامِلِكِ الظَّمْأَى/ حِينَ أَلْثُمُهَا..
يَتَّقِدُ عَبَثِي/ وَعَلَى شَفَتَيْكِ..
أَعْزِفُ ابْتِسَامَتِي/ فَأَغْدُو وَارِفَ الْمَدَى/ أَلَا يَـــتَّـــــسِــــــــعُ..
لِأَوْتَارِكِ الْبَحْرِيَّة؟) ص5.
أخبِريني كيف يَبسُطُ الفجرُ يَداهُ وسَماواتُكِ يابسةٌ، وصهيلُ الحروفِ يَجعلُنا نقفُ ونقفُ، ونُتابعُ ونَغوصُ، ونُبحِرُ في دهشةِ الحُروفِ العصيّةِ والمعاني المُنتقاةِ بذكاءٍ مُتمَرّسٍ.
جامحةٌ أنتِ، وكالحياةِ تنتقلينَ مِن حالٍ إلى حالٍ، تَرسُمينَ لنا لوحاتِكِ بصَبرٍ وأناةٍ، و(بحنان أناملِكِ الظمأى) تنثرينَ على ثغرِ الصّفحاتِ هذه الابتسامة العازفة، والمَدى يا العزيزة آمال لا يتّسعُ لأوتارِكِ البحريّة، ونَفيقُ مِن غفوةِ المشاعر، لنرى أنّ كلّ هذا لم يكنْ إلّا وهمًا، لم يَتجسّدْ إلّا بلغةٍ ماطرةٍ، تُحاولُ أن تُلامسَ الأرضَ والواقعَ بيُبْسِ سماواتِهِ، ونظلُّ نَتقبّلُهُ على عِلّاتِهِ، وعندَ أناكِ نقِفُ لحظةً، قبلَ أن نُبحِرَ في طلاسمِ المَجهول، فنتحَدّاهُ ويَتحَدّانا، وتَكثرُ مِن حوْلِنا وتتشابَكُ الخيوطُ والعُقَدُ العصِيّةُ على مداركنا، إلى حُدودِ دَهشتِك يا أنا؟ كم أحتاجُ هذا الإبحارَ في ضجيج صمتِكِ وعنفوانِكِ؛ هي لغةٌ أخرى غيرُ لغتِنا، لا بل هوَ الخيالُ المُتمكّنُ مِن أدواتِهِ ونُصوصِهِ.
أَنَا/ مَا كُنْتُ..
مِنْ رُعَاةِ الْغَيْمِ وَالسَّمَاوَاتِ/ فَــفِي أَثِيرِكِ الْحَرِيرِيِّ/ أَتِيحِي لِيَ التَّحْلِيقَ/ بِأَجْنِحَتِكِ الْعَاجِيَّةِ! سَمَاوَاتِي الْمُضِيئَةُ..
انْطَفَأَتْ/ مُنْذُ..
أَلْفَ عامٍ..
وَغَيْمَةٍ/ وَمَا انْفَكَّتْ سُحُبِي..
تَتَحَجَّبُ/ خِشْيَةَ الصَّوَاعِقِ وَالنّكَسِاتِ! ص7 راعيةٌ في حقولِ غيْمِك؟ نعم، اِمنحيني فرصةً، لأُحَلّقَ بأجنحةِ الحروف، كي أُلامِسَ سماواتِكِ الأخرى، فما انفكّتْ سماواتُنا تشتهي الضّوءَ، وبِسكّينِ حرْفكِ تَغرزينَ جسدَ الوَجع.
نعم، منذُ ألف عام ونيف لم نزَلْ عندَ حافّةِ حُلمٍ نقِفُ، وتُفجّرُنا الصّواعِقُ والنّكساتُ.
بدِقّةٍ مُتناهيةٍ ترسمينَ حاضرَنا العَصِيَّ عن الفهم، الذي يُعربدُ بينَ نبضِ أملٍ ورجاءٍ.
يااااااااااااااه، كم هو مُؤلمٌ وموجعٌ أنانا الغارقُ في ظلمتِهِ! يسألُ وتسألينَ ونسألُ!: إِلَامَ أَبْقَى عَائِمًا/ عَلَى وَجْهِ وَجَعِي/ تُلَوِّحُنِي الرَّغْبَةُ/ بِيَدَيْنِ مَبْتُورَتَيْنِ؟ ص8.
لا أنتِ تعرفين، ولا نحنُ نعرف، هل صارَ الحُلمُ يَتضوّرُ في جُحرِهِ جوعًا وبرْدًا؟ نحن يا العزيزة آمال نحاولُ أن نتفيّأ بالحروفِ في هَجيرٍ يَلسَعُنا ببرْدِه، نرقبُ ونترقّبُ، فمَن يُلوّنُ لنا الحكايا في غاباتنا وغاباتِكِ؟ غَــابَـاتِــي تَــعـُـجُّ بِــالنُّــمُــورِ/ أَيَا لَهْفَةَ رُوحِي/ وَيَا عِطْرَ جَسَدِي/ دَعِينِي أَتَسَلَّلُ إِلَيْكِ/ كَحَالِمٍ..
بِثِيَابِ زَاهِدٍ/ لِأَظَلَّ ظَامِئًا أَبَدِيًّا/ تَــ ـ ا ــ ئِــ ــ هًـــ ــ ا/ بَيْنَ أَحْضَانِكِ!/ فَلَا أَغْدُو فَرِيسَةً لِمَجْهُولٍ/ يَصْطَادُنِي فِي غَفْلَةٍ؟ ص16.
سَأَنْتَظِرُكِ/ كَمِثْلِ أَمِيرَةٍ سَاحِرَةٍ/ لتُلَوِّنِي حِكَايَاتِي بِالتَّرَقُّبِ!/ وَكَمِثْلِ قَصِيدَةٍ تَتْلُونِي/ وَمْضَةُ لِقَاءِ حَضْرَتِكِ! ص18.
وها أنتِ كمِثلِ أميرةٍ ساحرةٍ تتهادَيْنَ مِن بينِ براثنِ الوجع، كي تنقشي وجَعَ الآخر، وتَنثرينا ما بين السطور.
قويّةٌ شفّافةٌ مُتفجّرةٌ قصائدُكِ، تَدعونا إليها بغمْزٍ ولمْزٍ وإيحاءٍ.
وَمَا لَبِثَتْ..
تُرَمِّمُكِ ذِكْرًى/ وَذِكْرَاكِ مُتْرَعَةٌ بتَضَوُّرِي/ تَتَرَاشَحُكِ..
تَبْسِطُنِي أَمَامَكِ فُصُولَ تَغرِيبَةٍ/ وَأَتَرَقْرَقُ زَخَّ أَرَقٍ/ كَوّرَنِي عَلَى مَسِيلِ دَمْعَةٍ!/ كَمْ تَسَوَّلْتُكِ وَطَنًا/ يَشْرَئِبُّ لِأَطْيَافِكِ الْقَزَحِيَّةِ/ لكِنْ فَجْأَةً/ تَقَصَّفَتْ خُيُولِي..
بِطَعَنَاتِ غُرْبَةٍ! ص97.
ونحنُ المُترَعونَ برَوعتِكِ، يُسحِرُنا هذا الغموضُ وهذا الاستحياءُ، فسلامًا لنورِكِ البهيِّ المُتخَفّي في مَدارجِ روحِكِ وقلبِك.
قولي بربّكِ، أيُّ قالبٍ يَسكنُ حرفُكِ، فيأتي على شاكلتِكِ مُعبّقًا بثغرِ النصوص، مُضمَّخًا بكلّ ما وراء المعاني، بدلالٍ يَتهادى قصائدَ شَغفٍ في ظِلّ سَراب! وحقّ حرفِكِ وخفقِهِ المَكتوم بأجَله، لمّا تَزلْ مِن بينِ أصابعِ القصيدة تتسرّبُ المَغازي، وتُمطِرُنا بوابلٍ مِن الدّهشةِ والانبهار في حضرةِ عشتار.
هكذا نحن عزيزتي آمال، هي الذات التي جُبلت بالعزّةِ والأنَفةِ والكبرياء، لا يَغرُّنَّها القشور، ولا تلهثُ وراءَ العروشِ الخاوية، حتّى لو كان العرضُ مُغريًا، فعرشُنا بصدقِ انتمائِنا لأدواتِنا وقضايانا، نستمِدُّهُ مِن عيونِ البؤسِ، وقصاصاتِ الحُلم المُلقاةِ على هَوامشِ قصيدة!
عزيزتي آمال، إنّ قصائدَكِ المُمَوّجَةَ تحتملُ القسمةَ على أكثر مِن معنى ومَساق، تمامًا كما الرّجولة والأنوثة، والعلاقة المُتداخلة المُشعّة بالخصوبة والولادة والفرح، تأخذنا القصيدة إلى أكثرَ مِن مَسارٍ، وكلّ مَسارٍ لا يُلغي الآخر.
هي العلاقةُ الرّوحيّةُ كما نستلهمُ وتُلهمُكِ القصيدةُ علاقةَ النهرِ بروافدِهِ، فإن كانت المرأة هي الأرض، والذكوريّةُ هي السماء، فالنتيجة البديهيّة تَكامُليّةٌ لا انفصامَ فيها ومعها.
من عناوين قصائدك في ديوان (أدموزك وتتعشترين)، ترسمين لنا قصيدة بل مليون قصيدة: أَيَا قَصِيدَتِي الْخَالِدَةَ/ أَنْـــتِ..
أُنْـــثَـــى فَـــرَحِـــي/ ورِضَــابِــي مُــشَــمَّــعٌ..
بِــزَقْــزَقَــةِ طُــيُــورِكِ/ لَكَمْ يَسْتَهْوِينِي/ غِـــمَـــارُ أُنُـــوثَـــتِـــكِ الْــ أَشْـــتَـــهِـــي/ وَلَمَّا يَزَلْ طَعْمُ نَهْدَيْكِ عَلَى لِسَانِي/ مُذْ كُنْتُ رَضِيعَكِ/ أَنَــا بَــحْــرُكِ الْــغَـــرِيــقُ/ فِي جَــمْــرِ الْــــ نَّـــدَمِ/ في اخْـــتِـــلَاسُ آمَـــالِـــي/ أيا مُـهْـــرَةُ بَـــوْحِـي/ أَنَــا..
قَـامَـــةُ بَـــوْحِـــكِ/ الــ لا تهدأ/ و عَـــلَـــى أَجْـــنِـــحَـــةِ هَـــذَيَـــانِـــي/ تُطِلِّينَ وَضَّاءَةً..
وَأَتَوَضَّأُ/ وسَـمَائِي لما تزل تَـتَـمَـرَّغُ..
فِي رَعْــشَـةِ أَمْــسِـي/ و..
فِي مِصْيَدَةِ الْعَبَثِ!/ أأَعْتَصِمُ بِلِقَاءِ الصُّدَفِ؟/ أَيَا سَطْوَةَ أُسْطُورَتِي/ بَــحْـــرِي بِـــيُــمْـــنَــاكِ مَـــوْشُـــومٌ بِــالْـهَـــذَيَـــانِ/ حَـــقَـــائِـــبُ الْـــهَـــجِـــيــــرِ؟ هَا جَسَدِي الْمَلْدُوغُ/ بِاللَّهَبِ يَكْتَنِزُنِي..
وَبِالْقَصَبِ يَلْكُزُنِي! أيا زئْـــبَــــقُ الْــــمَـــــسَـــافَـــاتِ/ لَــكِ هَــيَّــأْتُ..
قَــبَــائِــلَ ضَــيَــاعِــي/ أَلَعَلَّ قِيثَارَةَ الْبَنَفْسَجِ/ تَتَسَايَلُ شَذًى مَسْحُورًا؟/ أمَا زَالَ الْوَقْتُ مُبَكِّرًا عَلَى النَّوْمِ؟!
هكذا نراكِ، في كلّ مَقطعٍ تُناجينَ القصائدَ بقصيدةٍ، وبذكاءٍ مُحبّبٍ تردّينَ على العناوين؟ دَعِينِي أَحْلُمُ/ وَكَأَنَّنِي/ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ الْمَطَرِ/ فَهَيِّئِي الْوَلَائِمَ لِنَوَافِيرِ الْحَلِيبِ/ كَيْ لَا تَجِفَّ يَنَابِيعِي! ص112.
لكن سلاطين الحُلم لا تُريدُنا أن نحلمَ، طالما هيّأتْ لنا قبائلَ الضّياع، وتصدّعَتْ شيوخُ بوادينا، كعصفورٍ على أسمال طفولتِهِ يَرتجفُ.
عزيزتي آمال عوّاد رضوان، يا أبجديّةَ المفاتيح، خبّئيني تحتَ قميصِكِ المُعطّر، فصدى صوْتِكِ المُقدّسِ لمّا يَزلْ في سِكَكِ المَظالِمِ يَتدرّجُ، وإنّي أُصَلّي، ما بينَ غضبٍ وغضبٍ، كما العصفورة مِن فننٍ إلى فننٍ، تُلهبُنا شِعرًا صوفيًّا مُثقَلًا بموْجِ العتب! نراها القدسُ وأُمّةُ العرب، وقبائلُ الزّيفِ وأحكامُ لهَب! هي خلاصةُ الخُلاصة مليكةَ الحرف آمال، نشْتَمُّنا مِن بين عِطرِ القصيدةِ وأنفاسِها.
نعم عصيّةٌ على الفهم، لكنّها ليست مُستحيلة، فمَن رامَ العُلا ركبَ الموجَ الأعلى أو غاصَ، ليَنتقي الأجْوَدَ والأحلى.
هكذا هي آمال عوّاد رضوان، ما بين إصدارٍ وإصدارٍ تُدهِشُنا بعُمقِها ودلالاتِها.

يقول الكاتب فهيم أبو ركن: جماليّةُ الإهداءِ في “أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِين”: لن أتطرّقَ في مداخلتي هذه إلى دلالاتِ العنوان المميّزِ، لأنّ العنوانَ يستحوذُ على اهتمامِ الدّارسينَ، وهو في الحقيقةِ يَستحقُّ ذلك، لتَميُّزِهِ وحداثةِ ابتكارِهِ وغرابتِه، وسأخصّصُ مُداخلتي وأُمحْورُها حولَ الإهداءِ الذي لا يَقلُّ إبداعًا وروْعة، ويُلفتُ الانتباهَ لأمورٍ عدّةٍ، سنأتي على بعضِها باختصار.
في ملاحظةٍ أولى أقولُ: إنّ معظمَ الشّعراءِ أو الأدباءِ يُخصّصونَ في كتبِهم الإبداعيّةِ صفحةً أولى، يُهدي كلُّ شاعرٍ أو أديبٍ نتاجَهُ الإبداعيَّ لمَن يَشاءُ، بعضُهم يُهديهِ لقضيّةٍ عامّةٍ، وآخرُ لموضوعٍ شخصيٍّ، وكثيرًا ما يتّصلُ الإهداءُ بشكلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ بفحوى الكتاب، أو بشخصيّةِ الكاتب.
لكن كثيرًا مِنَ الإهداءاتِ تأتي مُنفصلةً عن الكتاب، فتشعرُ أنّها جاءتْ نشازًا شاذّة، أو أنّها قُطفتْ فجّةً جافّة، أو أنّها رُكّبتْ مُصطنَعةً تفتقرُ إلى المصداقيّة، وأحيانًا تكونُ مُغرقةً في أمورٍ شخصيّة، لا تعني القارئَ مِن قريب أو بعيد.
في ديوان “أُدَمْوِزُكِ وتتعشترين” إهداءٌ مِن نوعٍ آخر، إهداءٌ مُوحٍ لا تستطيعُ فصلَهُ عن مضمونِ الدّيوان، وتشعرُ بأنّهُ جزءٌ لا يتجزأ مِن الديوان، يُمهّدُ له، يتماهى معهُ، ويُكملُهُ ويتمُّ به.
إهداءٌ مميّزٌ بجَماليّتِهِ، بأسلوبِهِ وبدلالاتِهِ الخاصة.
المفارقةُ الجميلةُ أنّ جميعَ قصائدِ الديوانِ جاءتْ بلغةِ المُذكّرِ الّذي يُخاطبُ حبيبتَهُ، إلّا الإهداء فقد جاءَ بلغةِ الأنثى التي تُخاطبُ حبيبَها، وكأنّها تُقدّمُ له الفرصة، وتُمهّدُ لهُ الطّريقَ، وتضعُ أمامَهُ إمكانيّةَ البوْحِ، ليَكشفَ لها عن مكنوناتِ نفسِهِ، فنسمَعُها تُنادي في البداية قائلة: أيا عَروسَ شِعري الأخرسَ! فمَنْ هو الأخرس؟ شِعرُها أم العروس؟ وهل كانَ يجبُ أن تقولَ: “أيا عروسَ شِعري الخرساء؟ هنا لا مجالَ للخطأ، فالعارفُ لغويًّا يعلمُ أنّ كلمة “عروس” وإنْ كانتْ تُستعملُ للأنثى في العامّيّة، إلّا أنّها في اللغة الفصيحةِ تُستعمَلُ للمذكّر والمؤنث، ولمَن شكّ للحظةٍ في ذلك، سرعانَ ما تُؤكّدُ الشّاعرةُ تُوجّهُها قائلة: أَيَا عَرُوسَ شِعْرِي الْأَخْرَس!/ إِلَيْكَ/ مُهْرَةَ بَوْحِي فَتِيَّةً!
إنّ التّركيبةَ البُنيويّةَ لهذهِ الجُملةِ الشّاعريّةِ مُوفّقةٌ وجميلة، صورةٌ فيها إيحاءٌ شاملٌ وموسيقى داخليّة، ووقعٌ ودلالاتٌ واسعةُ المساحةِ وكبيرةُ الحجم، فتقدّمُ الإهداءَ لحبيبها “مهرَةَ بوْحِها فَتِيَّةً، بفَوانيسِ صَفائِها”، وتَطلبُ منهُ أنْ يُحلّقَ ببياضِها، والبياضُ كما هو معروفٌ رمزُ الطهارةِ والعِفّةِ، البراءة والنقاء.
وما يزيدُ من تأكيدِ دلالةِ الطّهارةِ والنقاءِ أنّها تقولُ مُتابعة: “حَلِّقْ صَوْبَ ذَاكِرَةٍ عَذْرَاءَ”! وهل أطهرُ وأنقى مِن العذراءِ رمزًا دينيًّا ودلالةً جسديّة؟ وتُواصِلُ: “وتَطَهَّرْ بِنَارِ الْحُبِّ وَنُورِ الْحَيَاةِ”.إذن؛ الشّاعرةُ تُشبّهُ حبيبَها الّذي تُخاطبُهُ وتُقدّمُ لهُ الإهداءَ بالمعدنِ الثّمينِ، كالذّهبِ الّذي تُطهّرُهُ النّارُ وتزيدُهُ نقاءً ولمعانا.
إهداءٌ جميلٌ مُوفّقٌ ومُحكَمٌ، لأنّهُ مُتكاملٌ لا تستطيعُ أن تستغني عن أيّة كلمةٍ فيهِ، وقد أدّى مهمّتَهُ على أحسنِ وجه.
عدا عن الإهداء، أودُّ الإشارةَ إلى أنّ الدّيوان يَغُصُّ بالتعابيرِ الشّاعريّةِ المُبتكرَةِ، والانزياحاتِ المُعبّرةِ الّتي استخدمتْها الشاعرةُ بنجاح، مُستعملةً تقنيّةً عاليةً في الاستفادةِ مِن المُحسّناتِ البديعيّةِ، مِن طباقٍ ومقابلةٍ وجناس، وعلى سبيل المثال لا الحصر أسمعها تقول:
*”أسْرَجَ عَيْنَ فرَسِي هَوًى/ وَهَوَى!”.
*”يُغْمِضُ خَطِيئَةَ مَلَاكِي/ عَلَى سَلَامِ إلْهَامِي..
وَمَا أَلْهَانِي!”.
*”وَمَضَى/ مضى بعُمْرِي يَتَلَهَّى/ يَتَلَبَّسُ حُمَّى عِطْرِي..
يَتَلَمَّسُ ظِلَّ هَذَيَانِي!”
*”أَحُرَّاسُكِ شُدُدُ؟/ أَتَحْرُسِينَكِ مِنِّي..
أَمْ تَحْرُسِينَنِي مِنْكِ؟”
“*رُحْمَاكِ/ بِأَبْجَدِيَّةِ عِشْقِكِ الْحَيِّ/ أَضِيئِي..
أَوْتَارِيَ الْــ يُوَسْوِسُهَا السُّوسُ!”
*حتى في عناوين القصائدِ نجدُ بعضًا منها، مثل: “مَــا مَــآلِــي إِلَّاكِ آمَــالِــي”.ديوانٌ هامٌّ مثيرٌ وجديرٌ بالدراسةِ مِن عدّةِ نواحٍ، لأنّهُ يَطرحُ قضايا يجبُ بحثها ودراستها مِن ناحيةٍ تعبيريّةٍ، بُنيويّةٍ، نحويّةٍ وصرْفيّة وأخرى، لأنّ الشّاعرة استطاعتْ ترويضَ بعضِ الأفعالِ اللّازمة لتجعلَها مُتعدّيةً، كما أدخلتْ ألـ التّعريفِ على الفعل، وهذه القضيّةُ أثارتْ نقاشًا في حينِهِ، عندما استُعمِلتْ في أواخرِ القرن الماضي.
إذن، يمكنُ التّحدّث عن هذا الديوان ساعاتٍ وساعاتٍ.
أتمنّى للمحتفى بها آمال عوّاد رضوان؛ عروس هذه الأمسية المَزيدَ من التألّق والإبداع المميّز.

يقول حسن عبّادي: حلمُنا في نادي حيفا الثقافيّ، أن تكونَ أمسياتُ الإشهارِ مُرفقةً بمنصّةٍ نقديّةٍ مهنيّةٍ، ونحن فخورون بتحقيقِ هذا الحلم مع آمال في هذه الأمسيةِ المميّزةِ، بحضورِ المُتكلّمين الأفاضل من نقّاد وأدباء وكتاب وشعراء وليس مجرّد “سحّيجة”.بمنظارِ القارئِ العاديِ وانطباعاتِه أنا، أُمثّلُ القارئَ الذي أُعجِبَ بالدّيوانِ (أُدَمْوِزُكِ وتتعشترين) مِن أوّل قراءةٍ حالَ إصدارِهِ وبشغفٍ، واتصلتُ بزميلي المحامي فؤاد نقارة، وأخبرتُهُ بأن الديوانَ جديرٌ بأمسيةٍ غير اعتياديّةٍ تليقُ بالديوانِ وبالشّاعرة آمال، وكانت قراءةٌ ثانية شدّتني وشوّقتني لطريقةِ عرضِها وموْضوعِها، حين رأيت الدعوة للأمسية ليلة سفري في رحلة عائليّة، دُهشتُ لهذا الكمّ من مداخلاتِ الأفاضلِ المُشاركين بهذهِ الأمسية، وأنّهُ كانت هناكَ محاولاتٌ لكتّابٍ ونقّاد أُخَر للحديث، فزادَ فضولي وتساءلت: هل هذه الزحمة بسبب الديوان الشعريّ “أدموزك وتتعشترين”، أم بسبب صاحبته “آمال عوّاد رضوان”؟ لهذا اصطحبت الديوانَ معي لأقرأه مرّة أخرى مع ليالي الأنس في فيينا.
كي تكونَ أديبًا وكاتبًا في يومنا هذا، عليك أن تكون مثقّفًا، ولأن تكون مثقّفًا عليك أن تكون قارئًا ثمّ قارئًا ثمّ قارئًا، وآمال عوّاد رضوان نِعمَ المُثقّفة، أخذتني معها بسلاسةٍ ولباقةٍ ودونَ تكلّف إلى ملحمةٍ شعريّةٍ عشقيّةٍ، إلى عالمِها العِشقيِّ الصّوفيِّ والأسطوريّ، عبرَ جلجامش والسومريّين والبابليّين وزوربا والأسطورة الإغريقيّة.
آمال عوّاد رضوان نصيرةُ المرأة، شاعرةٌ مُتمرّدةٌ على العاداتِ والتقاليدِ، تحدّت التابوهات المُتوارثة/ جريئةٌ تطرّقتْ لإغواءِ الجسدِ ومعرفةِ الإنسان بهِ وبالآخر، لتُدَوّنَ ملحمةً عشقيّةً.
روّضَت الأسلوبَ النثريَّ في القصيدةِ والموسيقا الداخليّة، وتقمّصَتْ شخصيّةَ الرّجلِ في خطابِهِ، لتصِفَ المرأةَ كإنسانةٍ حبيبةٍ معشوقةٍ عاشقةٍ، والرجلُ يُبجّلُ مَحاسنَ عشتار ومفاتنَها، يُعاتبُها ويترجّاها، يتمنّاها ويشتاقها شوقًا عارمًا، وكلُّهُ رغبة في الاتّحاد الرّوحانيّ والجسديّ معًا، مُستعملةً لغةً روحيّةً معنويّةً، مبتعِدةً عن الوصفِ الحسّيِّ وعن الحُبِّ الجسديّ، مُركّزةً على العلاقةِ الرّوحيّةِ لتبنيَ علاقةً متكاملةَ، تصِلُ قدسيّةَ العلاقةِ التشاركيّةِ حدَّ العبادةِ، بلغةٍ متأثرةٍ بالأساطيرِ والأديانِ السماويّةِ وطاغيةٍ، فتحلّقُ بصوفيّتِها عاليًا، لتزيدَها روْنقًا وجَمالًا.
مداخلة رشدي الماضي/ حين يَحمِلُ الأمَلُ الاسمَ آمــــــال: قصيدةٌ مهداةٌ إلى الشاعرة آمال عوّاد رضوان: أَيُّ القَواريرِ مِثلَكِ..
أَيْقُونَةً لِلشِّعْرِ/ تُمْطِرُ/ بَيْنَ حُروفِ اسْمِكِ عَسَلا/ يَسْتَضيءُ بِبَهاءٍ إلهِيٍ كَلِيم!/ ثَمَّةَ رِياحٌ وَانْزِياح/ يُسَافِرُ بِكِ مَجَازًا/ يُوقِظُ/ في مُقلتَيَّ الصَّباح../ دَعِيني/ أرْفَعُ حِجَابَ الكِتابِ وَأَنْهَمِرُ/ على عَطشِ العُمْرِ/ دَفقًا طويلا/ لمْ يَعُدْ لِلوقتِ وَقتٌ/ أَسْتَريحُ فيهِ وَأنْتَظِرُ/ لا عُمْرَ آخَرَ لي لِأَسْنِدَني/ إلى بَسْمَتِكِ البَريئةِ كَالفراشة/ فتأتي نحوَ قلبي شمسًا لهُ/ شمسًا لهُ وَوشاحا/ أأبقى وحيدًا في الظّلام/ أَلُمُّ أَيّامِيَ ذِكرى/ تَحُكُّ تحتَ الجُرحِ مِلحا/ وتَحتَ الجُرْحِ سُنبلة/ ترتجي كلَّ يومٍ/ ترتجي أرْضًا وعُمْرا..!
مُلهِمَتي..”شيْطانَتي مِنْ عَبْقَر”/ ماذا أرى؟/ لا اسْمَ فوْقَ اسْمِكِ/ يَحمِلُ الأمَلَ- آمَالًا- تَحُطُّ/ على صَهْوَةِ الغيْمِ..
شُعَاعا/ يَهُشُّ بعَصًا لهُ أتْراحَنا/ يُبَشِّرُ بفرَحٍ عَظيم/ يَنْهَرُ “عادًا وثَمود”/ ويَقتلِعُ المَساميرَ خطايا/ تَحجُبُ قُرآنًا وإنْجيلًا عَليم../ غَزالتي/ أيْقونَتي!!/ كلُّ كلامِكِ بئرٌ وَنَهْرُ/ وَمَعابِرُ إلى عُمْقٍ مُضاء/ حَلِّقي فوْقَ حيفا/ كنيسَةً وَمِئذنة/ واسْقِني ذَيّاكَ النِّداء:/ تَعالَ..
تعالَ اصْعَدْ إليَّ/ لِيُصبحَ فرْقٌ ما بينَ الإقامةِ والرحيل/ وتكونَ الدّيارُ هيَ الدّيار/ تَألفُكَ معنًى وقصيدة/ يُشرِقُ فيها الصّليبُ/ قيامةً..
لِعوْدتِكَ الجَديدة..
آمال!!/ بكِ تَستجيرُ البلادُ وَتستضِيء/ تَستردُّ ما فقدَتْهُ فينا وَتستعيد/ حُلمًا..
يَكتبُ على “لهبِ القصيد/ جاءَنا اليوْمَ فتحٌ..
يَحملُ النّصرَ، يَحملُ النّصرَ..
نصرًا أكيدْ.

إلى الأعلى