الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الطيب العيدي.. حروفيٌّ يحلم بفاكهة المستحيل

الطيب العيدي.. حروفيٌّ يحلم بفاكهة المستحيل

الجزائر ـ العمانية:
من سنة إلى أخرى، لا يخرج الفنان الجزائري الطيب العيدي على جمهوره إلا ليدهشه، فهو الفنان الذي لا يملُّ من التجريب.
وهو يخوض حاليا تجربة فريدة من نوعها وجريئة في آن تقوم على المزج بين الرسم بالضوء والحروفية.
هذه التجربة عمرها أقلّ من شهر، وهي “طموحٌ يحلم بفاكهة المستحيل”، فلا سقف يحدُّ من عزيمة هذا الفنان الجزائري الشاب.
يعود الفنان العيدي بحبل الذكريات إلى الطفولة التي تميّزت على غرار الكثير من أقرانه بالعصامية، حيث بدأت علاقته بالفن قبل أن يرتاد مقاعد الدراسة: “عشقتُ الفن في الطفولة، بدأتُ الخربشات الأولى ببلدية وادي مُرّة، قرب مدينة آفلو التابعة لولاية الأغواط بالجنوب الجزائري، واستهواني يومها اللعبُ بأيّ شيء يمكن أن يترك أثرا، سواء كان قلما أخطُّ به على الورق، أو طبشورا أعبث به على الحيطان، أو حتى عودا أُجريه على أديم الأرض، المهمُّ كنت أرى أنّ هناك عالما آخر، افتراضيا موازيا لعالمنا، تصنعه تلك الخربشات”.ويضيف العيدي: “مع مرور الأيام ازداد اهتمامي بذلك العالم، وبدأت أتعلم تقنياته وأساليبه، وعندما انتقلت لمرحلة التعليم المتوسط بمدينة آفلو بمتوسطة حي البريد، تزامن ذلك مع تخرج دفعة من أساتذة التربية الفنية، فكان حظي وافرا مع الأستاذ عبد القادر حواش الذي كانت له همّة عالية في تعليم التلاميذ الرسم، حيث كان مُلمّا بجميع التقنيات تقريبا، وكان رسّاما بارعا، فرأى أنّ موهبتي تستحقُّ الاهتمام، إضافة إلى أربعة تلاميذ آخرين، فكان يولينا اهتماما خاصا، وزوّدنا بكلّ ما نحتاجه من أدوات وألوان ووسائل وكتب”.وبانتهاء مرحلة التعليم المتوسط، أصبح العيدي يدرك ماهية الرسم ومدارسه ورواده، حيث كان يرسم وسائل الإيضاح لأساتذة العلوم والفيزياء والجغرافيا.
وفي عيد العلم الذي يُحتفل به في 16 أبريل من كلّ عام، ذكرى وفاة العلّامة عبد الحميد بن باديس، كان يرسم بورتريهات للإمام ابن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي.
ومع انتقاله للثانوية التقنية (شعبة الهندسة المدنية) بمدينة الأغواط، كانت ورشة الرسم مليئة بكل أنواع الأدوات والألوان والكتب المتخصّصة، ما جعله يكتسب خبرة كبيرة، وكان الأستاذان العمري وبن نخالة خير سند له حيث تركا له مفتاح الورشة ليتدّرب فيها.
وتستمرُّ مغامرة الطيب العيدي مع الرسم والخط واللّون، وكأيّ بداية يعترفُ هذا الفنان الجزائريُّ المغامر أنّ مشواره لم يخلُ من التأثر ببعض كبار الفنانين، حيث يؤكد: “لم تكن شجرة عشقي للرسم والخط والفن عموما مبتورة الجذور، وقد كان لعدد من الفنانين الكبار الأثر الواضح في تكويني لما مثّلوه من قدوة لي، وأولهم الفرنسي إيتيان دينيه (نصر الدين دينيه) الذي عاش بمدينة بوسعادة وأسلم فيها وخلّدها عبر أعماله الفنية الرائعة، بعد ذلك رحتُ أُحاكي أعمال الفنانين العمالقة من عصر النهضة إلى سالفادور دالي.
كما كنت أحاول أن أرسم ما أجده في المجلات أو أيّ صورة تُعجبني، لذلك لم أقف ولم أعترف أبدا بالمحطات على أساس أنّ أيّ عمل أقوم به كان يُشكّلُ بالنسبة لي خبرة أكتنزها وأُخزّنها في عقلي الباطن”.ومع تقدُّم العيدي في السن ودخوله للمعهد التكنولوجي بولاية المدية، اكتشف أنّ هناك علما آخر يجب أن يفهمه، هو فلسفة الجمال، حيث كان هذا العلم نقلة نوعية جعلته يعيد صياغة أفكاره ورؤيته لهذا الفن.
وبعد تخرُّجه وولوجه إلى الحياة العملية، كانت أعماله قليلة، ولم يخرج ما أنجزه من لوحات عن دائرة التمرين، “لأنّ العمل يستنزفُ كلّ الطاقة، وبمجرد انتهائه لا تكون لدى المبدع أيّ رغبة في الإبداع”.بقي العيدي على هذه الحال ثماني سنوات، لكن بعد توقُّفه عن العمل في سنة 1998، بدأ يبحث عن شخصية فنية خاصة به، لأنّ المرحلة الماضية كانت كما يرى “محو أميّة فنية فقط”.فشرع بالبحث عن تقنيات أخرى للتعبير، بدءا بتقنية الرمل التي كانت رائجة في المنطقة، لكنها كانت “تقنية تقليدية”، فحاول أن يجعلها كالتقنيات الأخرى المعروفة، حيث جرّب بها كلّ أنواع الرسم، ووُفّق بشهادة المختصّين، لكن “للأسف لم تلقَ الاهتمام من الأكاديميين، لأنّهم يرونها دائما صناعة تقليدية”.عندما تسأل الطيب العيدي عن خصوصيته أسلوبيا وموضوعاتيا كفنان، فإنّه يُجيبك على الفور: “الفنان الواعي بضرورات الواقع، لا يرضى أن يكون نسخة مشوّهة عن فنان آخر، أو يذوب في ثقافات أخرى.
وعلى هذا الأساس، أُحبُّ دوما أن أمثّل بلدي وتاريخه وموروثه الفكري والحضاري”.ويضيف: “بقيتُ سنوات وأنا أبحث عن طريق أو مكانة وسط ما هو موجود على الساحة، وكنت أطمع أن أترك أثرا، ولو كان صغيرا في تاريخ بلدي الفني، فتذكّرت بداياتي الأولى لمّا لفت انتباهي، وأنا في الكُتّاب، تلك الطريقة البديعة التي كان الشيخ يخُطُّ بها على ألواح تلاميذه، وكانت طريقته تلك تسلبُ عقلي الصغير، ولشدّ ما كانت دهشتي، عندما وصل أحد الحُفّاظ لختم حزب من القرآن، بدأ يرسم الحروف في أشكال تشبه ما أراه في الزرابي، وما أراه في وشم جدتي التي أُحبُّها، كانت أحاسيس مختلفة تختلج في عقلي وقلبي الصغير”.ويتابع العيدي بقوله: “كلُّ هذا تذكّرته فجأة وقرّرت أن أبدأ من جديد، تحدوني رؤيا أكاديمية علمية، وهي إبراز هذا الفن البديع بطرق معاصرة، كان فيها الحرف المغاربي أول أدواتي نحو الحروفية”، موضحا أن الحروفية بالنسبة لتاريخ الفن هي فنٌ حديث يمزج بين المعارف التشكيلية العالمية والحرف العربي، وفيه يُفرغ الفنان كلّ معارفه السابقة.
ويؤكد أن المهرجان الدولي للخط العربي المقام سنويا بالجزائر كان حافزا قويّا له، حيث تستضيف الجزائر خلاله اخطاطين من أنحاء العالم ومن المدارس الخطّية الكلاسيكية والمعاصرة.
يقول: “هذا ما ساعدني كثيرا في مسيرتي، وكانت أعمالي تتحسن سنة بعد أخرى، ويُثني عليها المختصُّون والجمهور على حد سواء”.مُنح العيدي على 13 جائزة محلي وثلاث جوائز دولية، أهمُّها جائزة في الفن التشكيلي في موضوع التراث حصل عليها سنة 2013 بدبي، كما كان من المتأهّلين للمرحلة النهائية في جائزة الشهادتين بمكة المكرمة سنة 2012، وشكّل له هذا حافزا إضافيا للمُضيّ قدُما في هذا المجال بعدما أيقن أنّ شخصيته الفنية استقرّت على هذا الفن الذي “يجمع باقة متنوعة من الفنون”.أما بالنسبة للفن التشكيلي في الجزائر، فيرى الطيب العيدي أنّه “يسير في الوجهة الصحيحة”، حيث هناك الكثير من الأسماء التي فرضت نفسها على الساحة، خصوصا من الشباب الذين يذكر منهم: خالد السبع، عزيز عياشين، نور الدين تبرحة، حمزة بوخلدة، رشيد طالبي، سفيان داي، عبد القادر داودي، لبصير توفيق.
وهو يؤكد أنه سيكون لهؤلاء مكانة في تاريخ الفن في الجزائر، لأنّهم يُمثلون الهوية والثقافة الجزائرية بتنوعها وثرائها.
ويختم العيدي بقوله: “كلّي أمل أن يرى العالم أنّ الحرف العربيّ حيٌّ وما زال في ريعان شبابه وبإمكانه أن يُضيف للخزانة التشكيلية العالمية ويثريها”.

إلى الأعلى