الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الوطن في قصيدة (عشقين ) للشاعر حميد خالد البلوشي

الوطن في قصيدة (عشقين ) للشاعر حميد خالد البلوشي

قراءة : فهد مبارك الحجري
تكدس اسمك بفمّي وهج يا ضحكة الاسباب
تكدّس كنّه الصبح الخجول الفاضح اسبابه
نداء يا أرض فارع تشتعل في قمته أحباب
(عمان) وشي من ريحة فراقٍ شب في ثيابه
(عمان) ربي تيمم وجه طفله والصلاة كتاب
قراه الليل تالي الليل فرض وركعت اهدابه
ذكرتك يا الوداع بيوت طينٍ والثرى مرتاب
وكني يا البيوت انسيت طيني بيت احبابه
وطن يشبه قصيدي يشبهك .. لا ..المحراب
سكون ولا ابي اوصف جلال انني ادرى به
حبيبي واذكرك غصب بقصيدة تذكر الغياب
واننـــي وعمـــان العشق بغيــابٍ أشقى به
وانا لا من ذكرتك ينضحك لعمان باب وناب
وانا لامن ذكرت عمان وجهك تضحك اطيابه
أبد..ما هوشريكك من جلب لك”هـ”الحضور وغاب
وابد ما انته شريك الليّ جلبت الغيم لاترابه
غلا واصل الغلا كلمه خجوله تستتر بحجاب
(أحبـك) تنقســم مـا بينـكم منطــوق وكتـابه
يصحّ العشق يا (ثاني) يصحّ لآدمي وتراب
وانـا قلبــي جمــع عشقين فيهم نور متشابه
عمان ..ووجه مجنوني بقلبي دون ذكر اسباب
يكــفيني هواهم وعشقهـم مالــي واسبــابه

الوطن ..
هو الميلاد .. المنشأ .. الأرض .. الحنين .. التاريخ .. الجغرافيا .. هو كل إشكالية وجدلية مع الذات في علاقة ثنائية أبدية ، وهنا في هذا النص ّ أراد الشاعر التعبير عن ماهيّة هذا الوطن بالنسبة له ، والعناصر والأشياء التي دائما وأبدا تذكره وتبعث حنينه لأرض المنشأ للقيمة الانسانية في هذا الوطن ..

في هذا النصّ ..
الوطن عند الشاعر له طعم آخر، وله قيمة من نوع خاصّ ، قيمة الإنسان بكل ما تعنيه هذه الكلمة، حيث تعاطى مع كل العناصر بطريقة سلسة، والجميل في هذه النص أنه ربط مابين (عشقين) في علاقة ثنائية أبدية هذه العلاقة هي التي رسمت لديه ملامح هذا الوطن، وهي التي جعلته يؤكد مركزيته الانسانية ضمن هذا الكون ..
نجد أن هذا النصّ عرف ولادته في غربة عاشها الشاعر ونبشت لديه كل الذكريات الجميلة في الوطن .. حيث نلاحظه في البيت الثاني يؤكد ذلك :

نداء يا أرض فارع تشتعل في قمته أحباب
(عمان) وشي من ريحة فراقٍ شب في ثيابه

كما أننا نجد مفردات توحي بحنين الشاعر للوطن عمان وهذه المفردات هي : ريحة فراقٍ – ذكرتك ـ الوداع ـ الغياب ـ الحضور. ولو نلاحظ النصّ سوف نجد أن مفردة (ذكرتك) تكررت أربع مرات فتارة يذكر ملامح المكان الذي عاش فيه في عمان، وتارة أخرى يتذكر حبيبته التي ذكّرته بوطنه ..
الشاعر تشكلت لديه الصورة الذهنية في غياب الوطن فأصبح الوطن حاضرا في ذهنه ضمن الزمن الذهني الذي عاشه بكل تفاصيله التي أخذت تتحرك ضمن عناصر المكان فكان الزمن والمكان ضمن منظومة حنينه واشتياقه وعشقه فارتسمت عنده كل الملامح التي تؤكد هذا العشق من خلال تمريره لشريط ذكرياته حيث تكونت الصورة الذهنية فأصبح الرابط الجميل مع الوطن في داخله في ذكرياته وذاكرته التي كلما ابتعد عن الوطن زادت ملامحها تجليا وحضورا، فهنالك وطن حاضر في الغربة هو الوطن الذي رسمته الصورة الذهنية وتشكلت كل العناصر حيث يقول في البيت الرابع :
ذكرتك يا الوداع بيوت طينٍ والثرى مرتاب
وكني يا البيوت انسيت طيني بيت احبابه

وفي البيتين السادس والسابع :

حبيبي واذكرك غصب بقصيدة تذكر الغياب
وانني وعمان العشق بغيابٍ أشقى به
وانا لا من ذكرتك ينضحك لعمان باب وناب
وانا لامن ذكرت عمان وجهك تضحك اطيابه

نجد أن الشاعر جمع بين عشق الحبيبة وعشق وطنه عمان ورسم ملامح هذه العلاقة التبادلية في العشق من خلال تذكر أحدهما ليذكره بالآخر، ما أجمل هذه الصورة، وما أصفاها، إنه الوطن الذي يزرع أبجدياته في الإنسان الوفي لهذا الوطن، وهذا ما نلاحظه في البيت السابع ..

وانا لا من ذكرتك ينضحك لعمان باب وناب
وانا لامن ذكرت عمان وجهك تضحك اطيابه

ولو نلاحظ الشكل رقم واحد المبسط الذي يرسم هذه العلاقة ما بين العشقين سوف ندرك ذلك :

هذه العلاقة التبادلية بين العشقين اتخذت لها صورة جميلة عند الشاعر وعند المتلقي، ومن خلال هذا الشكل وجدنا أن القصيدة وجدت بها علاقات ثنائية استجابية ما بين العشقين تجبر المتلقي على الاستمتاع بهذا البناء الفني المتقن الذي في تماهيه مع الحالة النفسية للمتلقي يعطينا صورة رائعة . فما أجمل هذا العشق عندما يجمعه الشاعر في هذه الثنائية، فبمجرد ذكر الحبيب يُفتح باب الوطن على مصراعيه لتبدأ رحلة التذكر والذكريات وكل المكونات والعناصر التي بدأت تتوالى في ذهن الشاعر فترتسم تلك الابتسامة ( العريضة ) التي تثلج الصدر عندما يظهر بياض الأسنان فهنا الجمال حيث عبّر الشاعر عن هذه الابتسامة بمفردة ( ناب )، فهذه العلامة أو الإشارة اللغوية ارتبطت في علاقات حميمة مع ما سبقها فأخذت جمالا وكوّنت صورة رائعة .. وإذا ما ذكر الشاعر هذا الوطن ارتسمت ملامح الحبيب في ذهن الشاعر .

ثم نجده يؤكد هذا العشق في حواره مع صديقه ( ثاني) الذي كان صديقه في الغربة التي انطلق منها يرسم الوطن والحبيب في ذهنه في لحظة يمتزج فيه الشوق والحنين مع هذا العشق :
يصحّ العشق يا (ثاني) يصحّ لآدمي وتراب
وانا قلبي جمع عشقين فيهم نور متشابه
عمان ..ووجه مجنوني بقلبي دون ذكر اسباب
يكفيني هواهم وعشقهم مالي واسبابه

من خلال الشكل الثاني والذي يمثل العلاقة الواردة في البيتين العاشر والحادي عشر حاولنا أن نؤكد أهمية هذه العلاقة في حميمية تتحرك ضمن فضاء شاسع في عالم الشاعر ..

وبعد ..
هذا هو الوطن الذي رسمه لنا الشاعر حميد خالد البلوشي ، في لحظة رسم فيها كل الصور والمعالم والمعطيات التي بدأت تنتشي في ذاكراتنا، في ذكرياتنا، ولم نحسب ما قَصُر، لأننا هنا في هذا النصّ، نبحث عن الوطن في الشعر، عن الصورة التي رسمها لنا الشعر، عن القيمة الحقيقية لمفهوم الوطن في الذات بوعيه ولا وعيه .

إلى الأعلى