الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (196) :اللغة وعيوب النطق

نافذة لغوية (196) :اللغة وعيوب النطق

صحيح أن العرب كما عرف عنهم كانوا أمة بلاغة وفصاحة وشعر، لكنهم كانوا إلى جانب ذلك أصحاب همة وفعل تسبق أيديهم ألسنتهم، أو يردفون القول بالعمل ، مع الإبقاء على مظاهر الفصاحة تلك ، وكما كان القول محل فخر بين القوم كذلك كان العمل. ومما يروى عنهم من مجالسهم أن صبرة بن شيمان الحداني دخل على معاوية والوفود عنده ، فتكلموا فأكثروا ، ثم قام صبرة فقال : ” يا أمير المؤمنين ، إنّا حيّ فِعال ، ولسنا بحيّ مقال. ونحن بأدنى فعالنا عند أحسن مقالهم ” … فقال معاوية : ” صدقت ” ، وذلك استحسان لصدق القول والفعل.
كما يروى أن أبا بكر الصديق ولّى يزيد بن أبي سفيان ربعاً من أرباع الشام ، فرقي المنبر فتكلّم ، فأُرْتِجَ عليه، فاستأنف فَأُرْتِجَ عليه، فقطع الخطبة، فقال: ” سيجعل الله بعد عسرٍ يسراً، وبعد عي بياناً، وأنتم إلى أميرٍ فعّالٍ أحوج منكم إلى أميرٍ قوّالٍ “.
فبلغ كلامه عمرو بن العاص، فقال: ” هنَّ مخرجاتي من الشام ” استحساناً لكلامه.
وقول يزيد : ” سيجعل الله بعد عيٍّ بياناً ” أي بعد عجز عن الكلام ، فالعيّ فقدان الإبانة عمّا يخالج النفس.. وأرتج عليه : أي انغلق عليه الكلام .. ومن ذلك رتاج البيت. وهذا من عيوب النطق والبلاغة، وقريب منه الحَصْر، وهو محاولة التعبير وانعقاد اللسان عن المراد. ومن الباب الحُبْسَة ، أي تعذّر الكلام ، وكل ذلك مذموم عند العرب. قال الشاعر في العيّ :
وما بيَ مِن عِيٍّ ولا أنطقُ الخَـنَـا إذا جمع الأقوامَ في الخطب مَحْفِلُ
وقال بشار بن برد فيه أيضاً :
وعِيُّ الفعَالِ كَعِيّ المَقالِ وفي الصَّمْت عِيٌّ كَعيِّ الكَلِمْ
وكل هذا يشير إلى العجز عن القول والفعل والبلاغة المحمودة في الصمت ، ومن هذه المادة أخذ معنى الإعياء وهو العجز الذي يسبّبه التعب ، وصاحبه مُعْيٍ من الإجهاد أو المشي أو نحوهما … ولا يقال : عيّان إلا على ألسنة العوام. كما يقال في نظيره : الحَصِر ، كأن الكلام حبس عنه ومنع منه ، قال جرير:
وَلَقَدْ تَسَقَّطَني الوْشَاةُ فَصَادَفُوا حَصِراً بِسِرِّكِ يا أُمَيْمَ ضَنِينَا
وقد قال موسى بن عمران حين بعثه الله إلى فرعون ليبيّن حجّته ، وقد ذكر العقدة التي كانت في لسانه : ” رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي “.
ومما يذكر ويصنّف في عيوب النطق المذموم عند العرب قولهم للرجل : اللَّجلاج ، وهو الي يتلجلج في الكلام ويردّد فيه. والتَّمتام الذي يردّد لسانه حرفيّالتاء والميم ، والألثغ وهو الذي لا يستطيع لسانه أن يلفظ حرفيّ السين والراء وغيرهما. والفأفاء: الذي يردّد حرف الفاء في كلامه. كل هذا كان يعد من عيوب النطق عند العرب ، ولك أن تنظر إلى عيوب أخرى إن شئت في الجزء الأول من كتاب البيان والتبيين للجاحظ فثَمة المزيد من القول فيه.

د. أحمد بن عبدالرحمن بالخير
كلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى