الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التجرية الشعرية العمانية

التجرية الشعرية العمانية

البنية المدحية في الشعر العماني (1)
تتعدد أغراض الشعر بحسب ما يتولد في النفس البشرية من مشاعر وأحاسيس، وبحسب ما يستدعيه الموقف الذي يمر بالإنسان من حزن أو فخر أو مدح أو استنهاض أو حنين أو غزل…إلخ.
وأنا هنا بصدد الحديث عن غرض (المديح) الذي يعد من أقدم الفنون والأغراض الشعرية التي اتجه إليها الشعراء، وزخرت بها الدواوين الشعرية. وقد مر المديح من خلال رحلته الطويلة منذ العصر الجاهلي – إن صحت التسمية- حتى يومنا هذا بمراحل كثيرة أدت إلى الإسهام في تطوره وتنوعه بشكل ملحوظ.
والمديح في اللغة كما جاء في (لسان العرب) لابن منظور: مدح: المدح: نقيض الهجاء، وهو حسن الثناء، يقال مدحته مدحة واحدة، ومدحه يمدحه مدحا، والصحيح أن المد المصدر. والمدحة الاسم، والجمع مدح. وهو المديح والجمع المدائح والأماديح.
لقد كانت لعمان مشاركات أدبية كثيرة. حيث شاركت في إثراء الأدب، والنهوض بالشعر في جنوب شرق الجزيرة العربية والخليج العربي، وعدّت هذه المشاركة جادة وعميقة، وكان ذلك منذ العصر الجاهلي، والدليل تمثّل في الأسواق الأدبية التي اشتهرت بها عمان، مثل سوق صحار، وسوق دبا. لقد كانت الوفود تأتي إلى هذه الأسواق من أماكن متفرقة من الجزيرة العربية، فتنشد الأشعار، وتضرب بالقباب، وتلقي الخطاب، وتوثق الأحلاف.
ولهذا تنوعت الأغراض الشعرية وكانت أشهر هذه الأغراض وأكثرها هو غرض المديح، حيث احتل الجزء الأكبر من دواوين الشعراء العمانيين أمثال الستالي والكيذاوي وغيرهم من شعراء المدح العمانيين، ونجد أن أكثر القصائد المدحية كانت في سلاطين عمان وملوكها. ونجد أيضا أن كثيرا من قصائد المديح قد قيلت في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، وتحدثت عن الهجرة النبوية للرسول عليه الصلاة والسلام، كما مدح الشعراء العمانيون الدعوة الإسلامية وعقيدة التوحيد، وهذا وإن دلّ فإنه يدل على صدق العقيدة وقوة الإيمان في النفوس.
أما دوافع المديح وأسبابه فقد اختلفت لدى الشعراء، فنجد الدافع لدى بعضهم هو المحبة والألفة فاتسمت قصائدهم بعاطفة بصدق العاطفة، وبعضهم كان الدافع لديهم التكسب والعطاء فاتسمت قصائدهم بعدم الصدق الفني.
وقد تطور المدح العماني بتطور الإنسان العماني وانفتاحه على الشعوب الأخرى، حيث مرت القصيدة المدحية العمانية بتطور ملحوظ منذ العصر الجاهلي حتى وقتنا هذا. فنجد أن المدح في عصر النباهنة كان بمثابة امتداد للعصر الجاهلي بكل ما فيه من بنية تقليدية ومن أفكار ومعان عامة، وذلك ما كان ظاهرا في شعر الستالي والكيذاوي.
وإذا ما انتقلنا إلى عصر اليعاربة فإننا نجد أن القصيدة المدحية يغلب عليها التكلف والصنعة البديعة والمعاني المستهلكة و العاطفة الفاترة، مثل ما نجده في شعر خلف بن شيخان الغافري في مدح سلطان بن سيف.
أما في عصر البوسعيديين فإننا نجد أن الأدب بعامة والشعر بخاصة أخذ شكلا جديدا، وأصبح له أسلوبه الخاص؛ وهذا يرجع إلى ما كانت توليه الدولة البوسعيدية من اهتمام بالشعر والشعراء، فقد شجعت الأدباء والشعراء، وأنشأت لهم المجالس الشعرية، وأخذت تطور الأسواق الأدبية مثل سوق صحار وسوق دبا.
في حين نجد أن المدح في عصر البوسعيديين قد تخلص من المقدمات الغزلية، رغم أننا نلحظ أن بعض الشعراء قد احتفظ ببنية القصيدة التقليدية أمثال ابن شيخان والمجيزي، ولعل ذلك يرجع إلى ما كان للسلاطين البوسعيديين من منزلة في النفوس، وتلك المنزلة صنعتها الحروب والفتوحات والانتصارات. كما نجد أيضا أن المدح قد تطور فلم يعد يقتصر على مدح الأفراد، وإنما أصبح أكثر المدح في الإشادة بالفتوحات، وتمجيد الأحداث التي شهدتها الدولة في شرقي أفريقيا وزنجبار وذلك أمثال الدرمكي. بذلك نجد أن المدح يتطور بتطور الأحداث والظروف كغيره من الفنون الأخرى.
وفيما يتعلق ببنية القصيدة المدحية نجد أنها تتكون من بنية داخلية تتمثل في المعاني العميقة للقصيدة بما تحمله من اتجاهات وبحور وقوافي، وبنية خارجية تتمثل في الإطار الخارجي بما تحمله من ألفاظ ومعان وتشبيهات.
وأدرج هنا نموذجا للمدح في عهد النباهنة للشاعر الكيذاوي في مدح فلاح بن حسن، فقد مدحه بالكرم والشجاعة والمروءة، فقال يمدحه:
فتى تهرب الأبطال خوفا نزاله كما يهرب الشيطان خلف الكواعب
مــتى تنتــــصر به أنت تنتصر بأغلب قـرن في التغالب غالب
وإن تستمحه في السماحة تستمح أبر جـــواد للمواهب واهب
أما المدح في عهد اليعاربة للشاعر خلف بن سنان الغافري، فقد قال أبياتا في مدح انتصارات الإمام سلطان بن سيف، ونلمح انها افتقدت روح الحماسة حيث يقول:
قل لمن ظن ذا العرش لن ين صره وهو ناصــــــر علام
مد حبلا إلى السماء ثمت اقطع وأرن هل غاض ما يغضـــــــي المرام
إن المتتبع للاتجاهات الفنية التي ظهرت في نهاية القرن الميلادي التاسع عشر، يجد أن هناك عدة عوامل ساعدت على بعث الأدب وإثرائه، وهذه العوامل ترجع في معظمها إلى ظروف تاريخية وسياسية فرضت نفسها، منها:
• تفهّم روح العصر ومتغيراته، وبعث الروح القموية.
• المناداة بضرورة التطور وتجاوز أساليب الزخرفة والمحسنات اللفظية.
• تأسيس الإمبراطورية العمانية وازدهارها خلال هذه المرحلة ازدهارا أثر بشكل واضح في تطور الشعر.
• الهجرات إلى شرق أفريقيا، وما نتج عنها من استنشاق بعض ملامح الحرية المفقودة.
• ازدياد النفوذ الاستعماري في منطقة الخليج عقب الحرب العالمية الثانية، وما تبعها من ظهور الحركات التي تنادي بالتحرر والثورة.

وفاء الشامسية

إلى الأعلى