الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : خيبة الأحلام الصغيرة

أصداف : خيبة الأحلام الصغيرة

وليد الزبيدي

ذرف الدموع وهو يغادر مدينته التي لم يتخيل في يوم من الأيام أن يغادرها مهاجرا في رحلة تحفها الأخطار، وقد رمى الكثير من أحلامه وسعاداته الكبيرة والصغيرة في حفرة اليأس الذي غزاه وهيمن عليه كما لم يشهد مثل ذلك طيلة حياته.
ما أن تواترت الأخبار عن وصول آلاف المهاجرين إلى المدن الأوروبية حتى اتفق مع زوجته والأولاد على الشروع في رحلة وأد الأحلام الصغيرة، لم يكن أمامهم إلا الامساك بالمعول والشروع في تحطيم الطموحات، وقبل كل شيء ولكي يحققوا الرغبة المرعبة ويغادروا البلاد عليهم أن يبيعوا كل ما يمتلكون، البيت أو قطعة الأرض ومحل للعيش في ظروف قاسية جدا، ولكي تكتمل الأموال المطلوبة لرحلة الهجرة تسارع الزوجة لبيع ما لديها من مصوغات ذهبية وحلي في حال وٌجدت، ويجري الرجل اتصالاته ليحصل على أي مبالغ من المعارف والأصدقاء، والتسديد سيكون بعد حين وعندما يضطر الآخرون للهروب من الجحيم المتصاعد في البلاد، ويحرص أفراد العائلة على التزام الصمت قبل أيام من بدء رحلة الذهاب إلى الجنة الموعودة والجحيم المحتمل، هكذا تأتي التوصيات عبر مراجع المهربين الدوليين الذين يقبعون في الدول القريبة، وهناك الخطوات الواجب اتباعها وفي مقدمتها شراء عدة النجاة من احتمال الغرق وسط البحر، خاصة بعد انتشار أخبار كثيرة تتحدث بالصور عن أطفال وعوائل لقوا حتفهم غرقا وسط بحار الغربة والهجرة، فتحقق لهؤلاء في وقت مبكر جدا – الرحيل الأبدي -، كما تؤكد التعليمات على ضرورة أن تكون المبالغ الخاصة بالمهربين كاملة غير منقوصة وإلا فإن المجهول بانتظارهم ولن يجدوا لهم مكانا في قوارب -الخلاص- المزعومة.
لا يعرف حجم انتشار أخبار الهاربين من بلدانهم إلا أبناء تلك الدول فقد أصبحت تلك المعلومات حديث المجالس والقصص التي تزينها البهجة وتؤطرها أسيجة الخلاص النهائي تزخر بها وسائل التواصل الاجتماعي، هناك من يتخوف لكن سرعان ما يجيء الرد حاسما، وهل هناك أي بارقة أمل ، يلتزم الآخر الصمت مستسلما خائبا، أينما يدير وجهه تصدمه صور المأساة الحانقة والعتمة القاتمة.
ودع مئات الآلاف الأهل والأقارب والبيوت والأحياء والجيران، لم يغادروا إلا والدموع تسبقهم، وجراح النظرة الأخيرة التي يشيعون بها الجميع تخنقهم، لا أمل في القريب وربما في البعيد في العودة.
فجأة وخلاف كل ما توقعه آلاف البشر، يصدمون بالأخبار والاجراءات الجديدة، فقد قررت الدول الأوروبية اتخاذ قرارات قاتلة لهؤلاء بارغامهم على العودة القسرية للديار التي غادروها قبل أشهر مرغمين يائسين بائسين.
فقد هؤلاء جوازات سفرهم بعد أن ابلغهم وكلاء المهربين بضرورة التخلص منها بعد دخول الأراضي الأوروبية، وفقدوا بيتهم وممتلكاتهم التي اضطروا لبيعها لتوفير مصاريف الهروب إلى الجحيم، وخسروا مصادر معيشتهم، وفجأة تقرر السلطات الأوروبية ارغامهم على العودة إلى جحيم حاولوا الهروب منه مرغمين.

إلى الأعلى