الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / انهيار سعر النفط : مكيدة سياسية إلى متى؟

انهيار سعر النفط : مكيدة سياسية إلى متى؟

د.أحمد القديدي

” في دوامة هذه العمليات ذات الطابع السياسي المحض للتحكم الحقيقي في أسعار الطاقة قامت الخزينة الأميركية بفرض ارتفاع قيمة الدولار العملة الخضراء أمام (يووان الصين) الذي شهد ثلاثة تخفيضات متتالية في قيمته خلال سنتي 2014 و 2015 و أمام (يورو أوروبي) عصفت به رياح السياسة بإفلاس اليونان وهزال الاقتصادات الأسبانية والبرتغالية والإيطالية…”
يوم 12 يناير الجاري كتب عالم الاقتصاد الأميركي و مساعد وزير الخزانة الأميركي الأسبق في إدارة الرئيس ريجان (بول جريج روبرتس) PAUL CRAIG ROBERTS دراسة قيمة و شديدة القسوة على الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الأميركية حين تفرض القانون الأميركي الوطني على الدول الأخرى وحتى الحليفة فتقوم بتأميم الاقتصاد العالمي وحتى السياسات العالمية لخدمة مصالحها تحت شعار (كونية القانون الأميركي أو مبدأ تطبيق القوانين الأميركية خارج الحدود) أي أن قوانين الولايات المتحدة تصبح هي المعوضة للقانون الدولي المنصوص عليه أساسا في ميثاق منظمة الأمم المتحدة. ويضرب روبرتس أمثلة تغريم مصرف وطني فرنسي بمليارات الدولارات لأنه خرق قرار حظر التعامل مع إيران. ومن هذا المنظور الجريء سنحاول تحليل أسباب استمرار انهيار أسعار برميل النفط وهي كما سيدرك القارئ الكريم أسباب سياسية وجغراستراتيجية أكثر منها اقتصادية أو ذات أبعاد متعلقة بالطاقة. فبعد بصيص الأمل لشهر أبريل 2015 حين تجمد سعر البرميل وأعطى للدول المنتجة وللشركات المستغلة بعض الرجاء في انعكاس مؤشر الأسعار نحو الارتفاع جدت أحداث خيبت آمالهم وعادت الأسعار إلى مجراها النازل حتى بلغنا مستوى قياسيا للاثني عشر سنة الماضية. وهذه الأحداث هي:
ارتفاع نسق إنتاج النفط في الولايات المتحدة بصورة غير مسبوقة وإلتحاق كل الدول المنتجة بهذا الارتفاع برفض مبدأ تخفيض الإنتاج (حاليا 30 مليون برميل يوميا) وذلك بالتزامن مع انخفاض مؤشر النمو في الصين حيث نزل مؤشر أسواق المال في شنغهاي يوم 24 أغسطس 2015 مثلا بنسبة 8% وصحب هذا السقوط انهيار تدريجي في القدرة الصناعية والتصديرية للإنتاج الصيني وهو الأدنى منذ 6 سنوات وإلى جانب هشاشة العملاق الصيني ( وهو الخصم الأول للاقتصاد الأميركي وبعده روسيا بالطبع) جاء إفلاس اليونان والتهديد بالتخلي عن (اليورو) تلك العملة القوية المنافسة للدولار وتمكن ضعف المؤسسة النقدية الأوروبية بالتوازي مع تفاقم أزمة الهجرات القادمة من الشرق الأوسط منذ الصيف الماضي حيث بلغت أعداد المهجرين من سوريا وإفريقيا الى سواحل و حدود الدول الأوروبية المليون وبالطبع بقاء الولايات المتحدة بعيدة عن هذه المصائب. فكان مبدأ السعر الأدنى للنفط هو الذي يصنع الواقع الجديد لأستراتيجيات لعبة الأمم من أجل تيسير عملية إعادة رسم خارطة العالم كله على أسس جديدة طارئة.
في نفس الصيف الماضي تم توقيع الاتفاقية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدول الست (أميركا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا زائد روسيا والصين) يوم 14 يوليو 2015 و تم إقرار رفع العقوبات المفروضة عليها بل وبالنظر إلى حاجة السياسة الأميركية إلى دور إيراني في الشرق الأوسط المعقد تم التخلي عن شيطنة النظام الإيراني بل و حتى تسهيل عودة إيران إلى ثوابت الشاهنشاهية القديمة وتم ضخ النفط الإيراني من جديد في السوق العالمية (مليون برميل إضافي يوميا) مما جعل الأسعار تواصل مسيرة التراجع مع انحسار الطلب الصيني على الطاقة.
في دوامة هذه العمليات ذات الطابع السياسي المحض للتحكم الحقيقي في أسعار الطاقة قامت الخزينة الأميركية بفرض ارتفاع قيمة الدولار العملة الخضراء أمام (يووان الصين) الذي شهد ثلاث تخفيضات متتالية في قيمته خلال سنتي 2014 و 2015 و أمام (يورو أوروبي) عصفت به رياح السياسة بإفلاس اليونان وهزال الإقتصادات الأسبانية والبرتغالية والإيطالية وردة فعل العملاق الصناعي الألماني الرافض لتحمل أعباء الدول الأوروبية الحليفة والضعيفة وكذلك رياح العدوان الإرهابي على فرنسا واجتياح المليون مهاجر للدول الأوروبية مما اضطر هذه الدول للتخلي عن معاهدة (شنجن) أي عودة الحدود الوطنية وإلغاء الهوية الأوروبية الموحدة تدريجيا.
هذه خفايا المنزلق الخطير الذي تنجر اليه أسعار النفط وهي كما لاحظتم ذات أبعاد سياسية نتج عنها إنحسار الإستثمار من قبل الشركات البترولية الكبرى مثل (إكسن موبيل) و(بريتيش بتروليوم) و (توتال) و (روايال دوتش شيل) وتكبدها انهيارات مختلفة في توقعاتها وأرباحها (من 20 الى 30 %) و يؤكد الخبراء أن العجز سيمس أسواق المال جميعا والعوامل التي ذكرناها تجتمع لمزيد انخفاض سعر البرميل لأن أسبابها الموضوعية متواصلة وهي الاحتفاظ بإنتاج مرتفع و تفاقم أزمة الصين وعودة النفط الإيراني للأسواق وارتفاع قيمة الدولار. والحل! هل يكفي أن تنسق الدول المنتجة قراراتها بالتخفيض من إنتاجها ؟ الجواب هو:لا . فالحل لا يمكن إلا أن يكون سياسيا لأن المعضلة سياسية ! فهل العرب (وهم من أكبر المنتجين) مثلا مستعدون للتوافق ؟ هذا هو السؤال و أنا أطرحه عليكم للتفكير.

إلى الأعلى