الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عمان فـي عيون مصرية 2/3

عمان فـي عيون مصرية 2/3

سعود بن علي الحارثي

” .. أصدق القارئ القول إن دموعي تساقطت أكثر من مرة وأنا أقرأ هذه الانطباعات والمشاهد والمواقف التي سطرها وقدمها للمكتبة أساتذة كرام أحبوا عمان وشغفوا بأخلاق العمانيين, وكنت مع تقدمي في القراءة والاستطلاع أتوجه بالدعاء إلى العلي القدير أن يرشد الأجيال عبر المراحل الزمنية إلى هذه النعمة العظيمة, الخلق والمعاملة الحسنة والكرم واحترام الآخر .. فيتمسكوا بها ويحافظوا عليها كما كان عليه آباؤهم ,”

اعتاد الكتاب أن يهدوا انتاجهم الأدبي والعلمي وسيرتهم الذاتية إلى عزيز لديهم كان له فضل وأثر في هذا الانتاج أو المستوى العلمي الذي وصل له الكاتب, وطنا أو أسرة أو معلما أو صديقا أو مؤسسة علمية … واعتدنا أن نكتشف هذا الاهداء في الصفحة الأولى من الكتاب ومنه ننطلق إلى محتواه, بل قد يصبح هذا الاهداء هو المفتاح الذي يرشدنا أو يجيب على الأسئلة ذات العلاقة بالمؤلف ومشروعه, كتابنا هذا مهدى من الأصدقاء المصريين إلى:(أهل عمان الطيبين بدماثة خلقهم, وحسن معشرهم, وحبهم للعلم, وتذوقهم للأدب). فقد (حللنا بينكم زمنا فحللتم في عقولنا وقلوبنا إلى الأبد). الاستثنائية في هذا المشروع الجميل أنه مهدى إلى شعب بأكمله. فلإخواننا الأعزاء الذين عبروا عن مشاعر الوفاء والحب والود تجاهنا كل الشكر والتقدير والاحترام. وأصدق القارئ القول إن دموعي تساقطت أكثر من مرة وأنا أقرأ هذه الانطباعات والمشاهد والمواقف التي سطرها وقدمها للمكتبة أساتذة كرام أحبوا عمان وشغفوا بأخلاق العمانيين, وكنت مع تقدمي في القراءة والاستطلاع أتوجه بالدعاء إلى العلي القدير أن يرشد الأجيال عبر المراحل الزمنية إلى هذه النعمة العظيمة, الخلق والمعاملة الحسنة والكرم واحترام الآخر .. فيتمسكوا بها ويحافظوا عليها كما كان عليه آباؤهم ,وأن تظل عمان كما هي في عيون الآخرين متميزة بأخلاق ونبل هؤلاء الأبناء.
العنوان الأول للانطباعات كان (رحلتي في سلطنة عمان) بقلم: الأستاذ الدكتور إبراهيم ضوة. وقد انطلق في كلماته الأولى من شخصية جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم الذي يرى فيه أنه ( حاكم يمتلك رؤية مستقبلية, ظهر أثر منها في رفضه مقاطعة مصر, وقت أن كان الاتجاه العام هو مقاطعتها ) موقف عماني استثنائي أكد على ثوابت السياسة العمانية, وتفرد في اتخاذ القرار جرت عليه هذه السياسة, نظر إليه حينها بأنه خارج عن المألوف والطبيعي, فأثبت التاريخ أنه كان هو الطبيعي والسليم, بل وفي كل المواقف على مدى العقود الماضية من عصر النهضة. وانتقل الدكتور ابراهيم بأسلوب سلس وجميل وربط رائع لإكمال الصورة التي انطبعت لديه عن عمان, إلى شعبها ( شعب طيب تجد فيه الأخوة الصادقة, تشعر معه بالألفة والمودة, وأنك بين أهلك وعشيرتك … كنت أختلف معهم وأحتد أحيانا في النقاش, ولم أخش يوما شيئا, كانوا يؤمنونني على رأيي, الاختلاف علامة صحية, لم أشعر أن الاختلاف سيجر علي المتاعب … لو حضرت هذه النقاشات لما علمت إلا من خلال الزي واللغة. من العماني ومن غير العماني … ) دقة في الوصف جمال في اللغة عمق في تحليل الشخصية التي عاش معها وتعرف على طبيعتها, تحاور مع الكثيرين ومارس حياته بكل سلاسة وألفة ومودة , لم يشعر بأنه غريب أو مختلف في شيء عنهم. مجتمع يؤمن بالحوار ويعترفون بأن الآخر على حق بمجرد ما يصلون إلى حقيقة ذلك.
«تجربة حياتي في عمان», كانت بقلم الأستاذ الدكتور إبراهيم بركات الذي استعرض بأسلوب أدبي شيق موقع عمان الحساس بصراعاته وتحدياته, وكيف أن السياسة العمانية بحكمة قائدها قد تمكنت من تجاوز كل تلك الصراعات والتحديات, تحليل دقيق وقراءة مدركة واعية وكلمات بسيطة اختصرت بما عرضته من عناوين كبيرة صفحات وكتب كثيرة , ما يؤكد على أن هؤلاء الأساتذة الكبار كانوا على اطلاع واسع بثوابت السياسة العمانية وتوجهاتها وتحديات المنطقة وخصائص المجتمع العماني ومكونات ثقافته (( عمان .. تلك السلطنة التي تقبع شامخة في أهم مناطق العالم الاستراتيجية, وأشدها غليانا, وأوسعها مطمحا, وأعمقها جذورا , وبحكمة سلطانها الأحكم , تنأى عن إسفاف المسفين, ورذالة السفهاء والطامعين, والخوض في شئون القاصين والدانين, وعن أن تكون إمعة لذوي الأغراض الذاتية, والأيديولوجيات المارقة, دولة قليلة الحجم في سكانها, قوية الاحترام بمبادئها, ضئيلة الكميات في مواردها, كبيرة المردود بعدل حاكمها … ) وعن الأمن الذي تشهده عمان والذي بات مضرب المثل لزوار السلطنة والمقيمين فيها يعبر الكاتب عن ذلك في كلمات مختصرة ولكنها معبرة ( فعمان بلد تجوب أرجاءه وربوعه, فلا يأخذنك رهب لأمنه وأمانه.) , وعن اسهامات العمانيين التاريخية والحضارية يقول ( على مر التاريخ شارك العمانيون في النهضة العلمية العالمية … ) , وقد قدم الأستاذ الدكتور في ورقته المختصرة لعشرات الأسماء العمانية التي أسهمت في تلك النهضة العالمية .. الخليل بن أحمد الفراهيدي – ابن دريد –العوتبي– سليمان النبهاني – راشد بن خميس الحبسي – أبو مسلم البهلاني . مستعرضا انتاجهم الأدبي والعلمي والشعري. عن جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – يقول الكاتب في تحليل العارف الباحث المستكشف المحلل لعبقرية الكبار (حاكم عمان السلطان قابوس بن سعيد الذي اعتلى عرش السلطنة عام ألف وتسعمائة وسبعين, ويؤرخ للنقلة الحضارية لهذا البلد منذ ذاك التاريخ, القريب في زمنه, البعيد إلى حد لا يكاد يصدق في إنجازاته, ذلك إنما كان ناتجا من نفس أبية, وقلب صاف يعرف ربه, ويؤمن بوطنه, وعقل علمي منظم يخطط ويستشير غير متعال أو مستنكف , وشعور بأهداف نبيلة لبني جلدته , وعقيدة تنم عن راع مسئول أمام ربه عن رعيته). أما عن علاقة الشعب بالسلطان فيصفها الكاتب بلغة راقية وكلمات بليغة تلخص قراءته لمرحلة زمنية عمرها خمسة وأربعون عاما ( … فهو نبضهم الحقيقي , ومجمع همومهم وحاجاتهم وآمالهم وآلامهم وطموحاتهم . ) .
أما العنوان الذي قدمه الدكتور أحمد بهاء الدين خيري (الأخلاق والحضارة) فيستعرض فيه تفاصيل المشهد التي شجعه على الموافقة على العمل في عمان ويمثل بحق شهادة مشرفة يفتخر بها كل عماني , حيث يعبر عن ذلك المشهد بقلمه قائلا : ( في منتصف عام 1998 م تلقيت رسالة من أحد الأصدقاء الإنجليز الذين زاملتهم في العمل بمصانع (( رولزرويس )) لمحركات الطائرات في مدينة بريستول الإنجليزية خلال عامي 1984 و1985 م, وكانت تحمل دعوة مباشرة لكي أشاركهم في العمل بجامعة (السلطان قابوس)) الوليدة. وكان مما ذكره لي في رسالته إن رغبتي التي طالما عبرت عنها في رؤية بلاد العرب وقد شاعت فيها ثقافة النظام والانضباط والنظافة, كما كان حال بريطانيا حينئذ , يمكن أن أجد نموذجا ناصعا لها حيث هو حينئذ في سلطنة عمان).
هذه الصورة النقية الصافية التي نقلها هذا الصديق البريطاني إلى الدكتور أحمد بهاء الدين في جمهورية مصر العربية هي ما يجب أن نحافظ عليه ونتمسك به.
سوف نستعرض عناوين أخرى من الكتاب وقراءات إضافية لانطباعات ومشاعر أعلامه وشخصياته في الجزء الثالث والأخير من هذا المقال.

إلى الأعلى