الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : السوري إن حكى

باختصار : السوري إن حكى

زهير ماجد

حتى الأطفال في سوريا باتوا ملمين بأحداث بلادهم، فكيف بالكبار الذين عرفوا الأسرار العميقة لها، فاذا بهم على غير اهتمام بجنيف وغيره من المؤتمرات، بأي كلام أو حوار أو جمل رنانة .. السوريون جميعا اتفقوا على أن المدخل لحل أزمة بلادهم متوفر في الميدان العسكري وحده، وهذا يعني في تعريفهم الوطني، أن الأزمة طويلة وماضية وتحتاج لوقت، ولصبر، ومزيد من الشقاء والألم والموت والدمار .. وأن من وضع يده في دم السوريين لن يتراجع طالما أنها تلوثت بالأحمر، ولو شاهد بيتا يدمر صار الدمار بالنسبة إليه مطلبا غير مزعج.
الذين نقلوا عن الشعب السوري تطلعاته إلى جنيف 3 عرفوا مدى الفهم العميق لدى هذا الشعب الأبي الذي بات محترفا في قراءة ما يجري لبلاده، في قوى الارهاب التي زرعت في أرضه من كل حدب وصوب، وفي أولئك الذين فتحوا مخازن أسلحتهم وأموالهم من أجل أن ينمو هذا الارهاب ويكبر. نظرة الشعب السوري كما نقلها أحد العائدين من هناك تقول إن لا أحد على اهتمام بالمؤتمرات كيفما كانت وكيفما ستكون. بالنسبة اليه كلام بكلام، بل مشهد مزعج لمعارضات كل منها له ارتباطاته ومصدر حياته وعيشه وطوافه خارج سورية .. هؤلاء النكرات يعرفون جيدا أنهم دمى تتحرك بقوة الغير، تعيش على حسابه، ومن يملك المال يملك القرار.
الشعب السوري اليوم أقوى مرات من كل ماسبق، يريد لصموده أن يثمر في النهاية، فلقد كيّف نفسه على حرب طويلة فيها كل المفاجآت التي لم يبق فيها أية مفاجأة، وفيها العسر والخسائر، بل لانكشف سرا أنه فقد الأمل في حل قريب بعدما كشفت له الأزمة تكالب العالم على بلاده، بل حرب عالمية عليها. كل سوري اليوم يدير شؤونه كما لو أنه سيمضي عمرا في حرب عليه .. صار هذا السوري مقتنعا بضرورة أن يرتب أموره المالية والاقتصادية ويوميات طعامه وكل مخزون ممكن من أجل غد مماثل. وبات مقتنعا أيضا انه ما حك جلدك مثل ظفرك، فعلى جيشه العربي وحده تتعلق الآمال، ولكي يتقدم هذا الجيش وينتصر لابد من رفده بما يحتاج .. جيش الشعب هذا قدم الآلاف من الشهداء ولم يقل كلمة الآه ، وانه بالتالي المتراس الذي يحمي الوطن والمواطن ، ومن ثم وحده من يعيد الأرض بكل تفاصيلها القديمة.
تمر الحياة في سوريا على افرازات حروب الآخرين عليها .. هنالك آخرون يعرفهم السوري وسبق له أن سماهم واحدا واحدا .. تكتب الأزمة عناوينها ويومياتها، يصبح لكل عنوان تاريخ، كما يصبح لكل يوم تفاصيله المكثفة. هكذا إذن يتربى أطفال سوريا في بيوت تعتز بانتمائها إلى واقع يدافع عن نفسه بقوة امتلاكه للتاريخ وللجغرافيا المرسومة في القلب قبل أن تكون خارطة على الورق.
تكبر سوريا كل يوم بصبر رجالها وأطفالها ونسائها، وبرجال ميدانها، وبأصدقائها الخلص الذين تجاوزوا الصداقة الى الفروسية .. سوريا في أزمتها مدرسة مفتوحة لمن يريد تعلم كل أسباب الحياة الناعمة في ظل الخطر الدائم. ربما هي فرصة لممارسة الجانب الآخر من اللعبة البشرية، لعل من يمر بها سيكتب له طول البقاء ولذلك يبقى الوطن السوري على عزه المعروف.

إلى الأعلى