الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : فـي فتح الحدود بين دولتي السودان

في الحدث : فـي فتح الحدود بين دولتي السودان

طارق أشقر

رغم عنصر المباغتة الذي اتسم به إعلان حكومتي السودان وجنوب السودان الأسبوع الماضي عن فتح الحدود بينهما وما كان له من وقع مفاجئ على الذين كانوا متحمسين لانفصال الجنوب عن الشمال في عام 2011، إلا أن خطوة الأسبوع الماضي لم تكن مثيرة لدهشة المتابعين للواقع السياسي والاقتصادي في دولة جنوب السودان التي لم تستطع وضع الأسس الكفيلة ببناء دولة مؤسسات ناجحة حتى لحظة إعلان رئيسها سلفاكير ميارديت مؤخراً رغبته في « تطبيع العلاقات» مع الشمال، أي مع السودان.
وفيما تؤكد كافة المؤشرات على سيطرة البعد السياسي على هذه الخطوة من جانب – جوبا – عاصمة دولة جنوب السودان التي تعاني ضغوطا كبيرة من المجتمع الدولي، الذي طالبها على لسان الأمين العام للأمم المتحدة في بداية نفس الأسبوع الذي أعلنت فيه التطبيع مع الشمال، حيث قام بان كي مون بمطالبة سلفاكير بضرورة حل مشاكله مع معارضيه وتكوين حكومة وحدة وطنية بعد أن فشلت فكرة الحكومة الموحدة في نفس هذا الشهر بسبب رفض معارضي سلفاكير استحداثه ولايات إقليمية جديدة في جنوب السودان، فانه يبدو بأن الرجل وجد نفسه مواجهاً بغضبة دولية يحتمل ان تجر وراءها عقوبات لم يكن الجنوب مستعداً لها، فآثر التوجه شمالا ليتخذ السودان مخرجا ومفراً اقتصادياً من أي ضغوطات سياسية واقتصادية محتملة في ظل تعنت معارضيه ضده.
وكيفما كان هذا السيناريو السياسي صحيحا أو غير صحيح، إلا أن الكثير من المراقبين في السودان يسقطون الجانب السياسي الممل جانبا، ويميلون لقراءة الحدث من منطلقات اقتصادية،محاولين البحث فيما يمكن أن يعود على الطرفين من منافع اقتصادية من خطوة فتح الحدود بين البلدين، وخصوصا على جمهورية السودان.
وأولى تلك الفوائد المرجوة، وكغيرهما من الدول الغنية بالثروة الحيوانية التي تملكها قبائل التماس، حيث يوجد بين دولتي السودان عدد من قبائل التماس التي تملك الملايين من رؤوس الأبقار وأبرزهم قبيلة المسيرية التي تعبر ابقارها الحدود بين البلدين وتصل الى أعماق أراضي دولة الجنوب لتمكث حوالى نصف العام للرعي هناك….
لذلك تعتبر هذه القبائل الكاسب الأكبر من قرار فتح الحدود، الذي سيسهم في إزالة العقبات الادارية والعسكرية من مسارات الثروة الحيوانية التي تعتبر أحد أهم ثروات البلدين رغم أنها غير مفعلة اقتصاديا بشكل كاف حتى الآن.
وعلى مستوى القطاع الزراعي، فقد عاني السودان الكثير من مشاكل قطاع الزراعة بعد انفصال الجنوب الذي أدى إلى ندرة الأيدى العاملة الجنوبية الزراعية مما أدى إلى زيادة تكلفة الانتاج وتأثير ذلك سلبا على معدلات الربح في مواسم حصاد الذرة والسمسم الذي يحتاج الى وفرة الأيدي العاملة وإلى سرعة في التعامل معه بمجرد ظهور علامات حاجته للقطع أي للحصاد، لذلك فان فتح الحدود سيوفر تلك الأيدي العاملة الجنوبية الماهرة والمخلصة في عملها أن توفرت احتياجاتها في مواقع العمل.
فضلا عن أن فتح الحدود سيوجد سوقا كبيرة لمحصول الذرة السوداني على وجه التحديد لتصديره للجنوب مما قد يعزز من أسعار هذا المحصول بزيادة الطلب عليه، وذلك في وقت يعاني فيه الجنوب من طول فترة هطول الأمطار لمدة ستة شهور مما يعوق العمليات الزراعية بالجنوب.
كما أن هذه الخطوة ستسهم أيضا في توفير الأيدي العاملة الصابرة والمثابرة من أبناء الجنوب للعمل في قطاع البناء والانشاءات في الشمال ايضاً.
اما تجاريا، أي فيما يخص التبادل التجاري السلعي، فإن خطوة فتح الحدود ستضمن لتجار جمهورية السودان الحفاظ على النصيب الأكبر من أسواق بيع السلع الاستهلاكية في الجنوب على حساب دول الجوار الجنوبي الأخرى مثل كينيا ويوغندا التي ظلت هي الكاسب التجاري الأكبر من انفصال الجنوب عن الشمال طيلة الخمس سنوات الماضية.
أما الفائدة التي ستعود على دولة الجنوب من هذه الخطوة، إلى جانب إنها ستؤمن مخرجاً سياسيا واقتصاديا لسلفاكير رئيس جنوب السودان لتخلصه ولو مؤقتا من ضغوط المجتمع الدولي الرافض لاسلوب تعامله مع معارضية، فهي ايضا ستساعد على ابراز اهمية الجنوب الاقتصادية والتجارية في وجه دولة السودان مما قد يؤدي إلى تعظيم الصورة الذهنية لمكانة الجنوب لدى متخذي القرار في السودان، مما قد يضمن لجوبا استقرار في انسيابية تدفق النفط الجنوبي عبر المنشآت البترولية السودانية، خصوصا وأن جوبا حصلت مؤخراً على موافقة من السودان على تخفيض رسوم عبور نفطها في ظل تراجع الأسعار، فهو موقف يمكن لجوبا ان تحصل على مثله مستقبلا في حال استمرارها في ابداء حسن النية لمتخذي القرار في السودان وفي حال استمرار تراجع أسعار النفط إلى اكثر مما هي عليه الآن.
كما أن فتح الحدود سيضمن لدولة جنوب السودان استمرار تدفق السلع الاستهلاكية ووصولها الى الحدود عبر تجار الشمال دون ان تضطر الى الاستيراد عبر فتح الاعتمادات بالعملات الصعبة وتحمل تكاليف النقل وغيرها.
وعليه يبقى الأهم في هذه الخطوة الايجابية هو مدى امكانية ضمان سلامة التجار وممتلكاتهم في حال نشوب اي خلافات مستقبلية، خصوصا وان التجار السودانيين لهم تجارب سابقة مريرة حيث ظلوا دائما اول الضحايا لأي حالة من التوترات السياسية بين الدولتين.
كما نتمنى الحرص على تفادي اي سلبيات اقتصادية وصحية وأمنية وغيرها قد تضر بالطرفين جراء اي اندفاع غير محسوب في التطبيق.

إلى الأعلى