الأحد 20 أغسطس 2017 م - ٢٧ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / بساط: سينما نظيفة جدًا !

بساط: سينما نظيفة جدًا !

**
دأب النقاد الفنيون على الانتفاض، جراء سماعهم، صفة ألصقها البعض بالسينما، تتمثل في لفظ “نظيفة”، وهم من الحساسية منها بمكان، يجعلهم رافضين لها تماما، غير قابلين وصم السينما بها، مستميتين ـ بكل ما أوتوا من أدوات فنية ونقدية ـ في الذود عن حياض مصطلحاتهم الفنية؛ حتى لا تقترب هذه الصفة ـ غير المرغوب فيها ـ منها، ويسقط رفضهم بالتقادم، وتصبح واقعا ملموسا، على حين غفلة، أو تهاون منهم.
وجدلية رفض النقاد الفنيين ـ أو حتى من يرون أنفسهم أوصياء على العملية الفنية ـ مصطلح “سينما نظيفة” أراها حائط صد بنوه لأنفسهم، حتى لا يتركوا الفرصة للآخر، ليطلق على ما يقدم في الجانب المعاكس منها بـ”السينما غير النظيفة”، لذا أرى اعترافهم بها أشبه بالمستحيل.
وتماشيا مع مقتضيات الطرح، وحتى لا أكون متجنيا، قبل أن أعرض قناعاتي، سأجاريهم مبدئيا في رفضهم، وأتساءل: ماذا تطلقون على مشاهد العري والابتذال والإسفاف التي خرجت بها علينا إحدى الفضائيات العربية منذ أسبوعين، معلنة عبر شاشاتها (برومو) فيلم لمنتج دأب على تقديم مثل هذه النوعية المنحطة من الأفلام، التي يثير من خلالها غرائز الشباب، وقد انتظر (عطلتهم الدراسية نصف السنوية) حتى يغازل جيوبهم ـ بالمثير من المشاهد ـ بالتوازي مع مشاعرهم ؟!
ولتأصيل مثل هذه النوعية الرديئة والمرفوضة، من شريحة مهمة وكبيرة جدا من مجتمعاتنا العربية، استضاف أحد برامج الـ(توك شو) المحسوب على هذه الفضائية، المعلنة عن الفيلم، ما أسموا أنفسهم بأبطال الفيلم، وبدل أن يتعرض المشاهد عبر شاشة التلفاز ومن خلال هذه الفضائية، إلى مجموعة بسيطة من المشاهد، جاءوا هم بأنفسهم، وجلسوا زهاء الساعة، في حوار لم يخل من الابتذال والخروج على الذائقة العامة للمشاهد في البيت.
وفي مداخلات البرنامج الهاتفية من بعض الأشخاص ـ التي لا أراها عفوية أبدا مثل أغلب البرامج المشابهة ـ تأكد لي مدى الإصرار على فرض هذه الأخلاقيات ـ المرفوضة من المجتمعات المحترمة ـ على المشاهد البسيط في البيت، وتمريرها من شاشة السينما إلى شاشة التلفاز.
ناهيك عن الاستخفاف الذي كان سيد الموقف طوال مدة الحلقة، ولو أنني لم أكن مهموما بمناقشة هذا الموضوع، لغيرت المحطة من أول خمس دقائق في البرنامج، ولكنني انتظرت إلى آخر اللقاء مُكرَهًا.
الغريب في الأمر، أنه وفي كل المداخلات التي تمت ـ وبتبجح قل أن نجد له نظيرا ـ تأتي شهادات مخرج ومؤلفي الفيلم، مؤكدة على أن الفيلم يخلو من أي مشهد أو لفظ خارج عن الأخلاق، في الوقت الذي تعرض فيه القناة بعض المشاهد الملغمة بالألفاظ الوقحة، وترددها على آذاننا.
وفي موقف أغرب من السابق، نجد بعض المتداخلين عبر البرنامج، وأكثرهم رجال، يتصلون ثم يعطون الهواتف لأطفالهم ـ البنات منهم على وجه الخصوص ـ ليبدوا إعجابهم بالفيلم وقصته الرائعة، وقفشاته الجميلة، وكمية الضحك التي لا يحدها حد، لدرجة جعلتني أشك أنني أعيش في زمن غيرالزمن، أو أنني أستخدم لغة مغايرة تماما، للغة التي أسمعها.
وللتأكيد على عدم حسن النوايا، أكد القائمون على الفيلم، أنهم سعداء بالتجربة مع هؤلاء الشباب، الذين نقلوا تجاربهم وإبداعهم الفني، من المسرح إلى السينما، ثم إلى التلفاز، وهو ما أراه ـ إذا لم ننتبه ـ ليس فقط كمحطة فنية أخيرة، ولكنني أراه المحطة الأخيرة في المنظومة القيمية والأخلاقية.
وفي لحظات أخرى، وكأنه إجراء انتقامي من كل من تسول له نفسه الاعتراض على ما يقدم، وحتى نصل إلى مرحلة الشك في كل قناعاتنا الأخلاقية ـ وأظنه شيئا مدروسا ـ فتحت التلفاز على نفس القناة، فرأيت من أطلق عليها لقب “بطلة الفيلم” وقد استضافها أحد البرامج النسائية بنفس الفضائية، في إصرار منهم على تأصيل هذا النموذج النسائي، وكان البرنامج ـ للأسف ـ يناقش مفهوم “الصداقة بين المرأة والرجل”،
وقد جاءت معلنة ندمها على عدم الظهور مع الأبطال الشباب في البرنامج السابق، فأصرت على أن تعوضه بشيء أكثر خصوصية في هذا البرنامج.
بقي أن أذكركم، بأن رد هؤلاء النقاد دائما ما يكون جاهزا مسبقا، فهم يعلمون أنه من اعترض على هذه المساحة غير الأخلاقية، من خلال الإعلان عن الفيلم بمشاهد بسيطة، لن يذهب ليرى ما بقي من مشاهد الفيلم. وهنا يتأكد (سوء ظن المعترض)، وهم دائما ما يتساءلون: كيف يحكم إنسان على عمل فني لم يره؟ وهنا أجيب: كيف لإنسان عاقل، أن يرى هذا الإسفاف وهذا الابتذال، ويذهب ليكمل ما أكره على رؤية بعضه؟.
لقد استمات الأوصياء في رفض مسمى “السينما النظيفة”، فماذا سيطلقون على ما يقدم لشبابنا الآن عبر شاشاتها، أظنهم سيطلقون عليها “سينما نظيفة جدًا !”.

إيهاب مباشر

إلى الأعلى