الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / قصر الحمراء بغرناطة .. بذخ القصور وعظمة الهندسة المعمارية الإسلامية
قصر الحمراء بغرناطة .. بذخ القصور وعظمة الهندسة المعمارية الإسلامية

قصر الحمراء بغرناطة .. بذخ القصور وعظمة الهندسة المعمارية الإسلامية

يحكي قصة حضارة كانت تنير العالم يوما من الأيام
مدريد ـ العمانية:
تذهب أغلب المراجع التاريخية إلى أن سبب تسمية “الحمراء” بهذا الاسم عائد إلى نوع التربة التي بني بها “قصر الحمراء” فلونه أحمر وهو لون حاضر بقوة في كل القصور أو الإضافات التي شهدها في المراحل التالية. ويبدو قصر الحمراء شامخا، يحكي قصة حضارة كانت تنير العالم في يوم من الأيام، فوق أعلى تل السبيكة على الضفة اليسرى لنهر الدارو شرقي غرناطة وأمام أحياء البيازين والقصبة. بني قصر الحمراء في المرحلة التي شهدت تقلص الدولة الإسلامية من الأندلس وتراجعها نتيجة حروب النصارى لاستعادة إسبانيا وكان محمد الأول، أول من بدأ في بناء القصر، يبحث عن مكان يحتمي فيه ويبقي على بعض أمجاد عائلته. ولذلك اختار موقعا استراتيجيا يصلح أن يكون برج مراقبة لكل من يقترب من المدينة أو يحاول الصعود إلى تلالها. وحسب المراجع التاريخية فإن غرناطة لم تكن إلا قرية صغيرة يوم الفتح الإسلامي للأندلس بداية القرن الثامن الميلادي، لكنها أخذت تنمو وتكبر منذ القرن العاشر حتى إنها حلت لاحقا محل البيرة مع بدء سقوط الممالك الإسلامية هناك، لتصبح لاحقا مملكة غرناطة لقرنين ونصف ولتكون آخر معقل يسقط للمسلمين في الأندلس، بتوقيع أبي عبدالله الصغير. كانت غرناطة تحكم من داخل قصر الحمراء الذي لم يكن مجرد قصر فقط بل كان مدينة متكاملة تقول الروايات إنها تضم قرابة 40 ألف جندي، غير عائلة بني نصر ووزراء بلاطه.
وكان بنو نصر قد وصلوا إلى الحكم في القرن الثالث عشر الميلادي على يد محمد بن الأحمر “محمد الأول 1238 – 1273″ الذي اتخذ من الحمراء مقرا للأسرة الحاكمة ليبدأ بذلك العصر الذهبي للحمراء. وعزز محمد الأول “القصبة” التي كانت قائمة قبل أن يفكر في بناء قصر الحمراء .. مخمّنا بحسه العسكري أن تلك المنطقة هي المكان الأنسب لحماية أسرته من أي هجوم، ولمراقبة تحركات العدو، فشيد برجا للحراسة ليكون نواة لما سيكون عليه القصر لاحقا. واستكمل ابنه محمد الثاني ولاحقا محمد الثالث مشوار البناء، وألحق بالقصر المسجد الجامع الذي أنشئت فوقه كنيسة سانتا ماريا الحالية، وهو حال كل المساجد في الأندلس التي استبدلها المنتصر بكنائس. إلا أن أغلب المباني في قصر الحمراء تنسب إلى يوسف الأول”1333-1353″ ومحمد الخامس”1353-1391″. على أن أبدع ما بناه يوسف الأول هو بهو الأسود، وهو من أجمل أركان القصر. هذا هو قصر الحمراء إذن، مقصد زوار إسبانيا كما يصفه واشنطن ايرفينغ في كتابه حكايات الحمراء” للذين ينشدون رؤية الجانب التاريخي والشعري والرومنطيقي لتلك البلاد. فكم من أسطورة وتقليد صحيح ووهمي،وكم من رقصة وأغنية عربية وإسبانية حول الحب والحرب والفروسية، مرتبطة بهذا الركن التاريخي، فهو سرير ملك العرب هناك،المحاط بالروائع والعجائب من أفخم ما صنعته يد الفن الجميل، بهدف تشخيص وتكريس تصور الجنة السماوية عند المسلمين في إمبراطوريتهم الإسبانية”. وصار اليوم لسان كل زائر يزور الحمراء يقول: “إذا كان هذا تصورا عن الجنة السماوية فكيف حقيقتها إذن”. في داخل القصر تبدأ حكايات لا تنتهي أبدا، حكاية الهندسة المعمارية، وعقلية البناء التي لا يوازيها بناء آخر في الأندلس كلها. ومن أولى العتبات كان شعار بني الأحمر “لاغالب إلا الله”حاضرا في كل مكان..أينما وليت فثمة “لاغالب إلا الله” تذكر أي غافل أو ناس.أول مكان تصله داخل القصر هو المصلى وقاعة المحراب هي كل ما تبقى من جامع الحمراء الذي لا نجد له بقايا إلا فيما كتب الشعراء والمؤرخين. وحسب تلك الأخبار فإن الجامع بني في عام 1308 من قبل محمد الثالث، وظل الجامع محتفظا بمعالمه حتى فترة الاحتلال الفرنسي الذي دمره بشكل كامل. ويصف لسان الدين ابن الخطيب في كتابه”الإحاطة في أخبار غرناطة” الجامع بالقول”زيّن بعمل الفسيفساء،وتوريق من أجمل وأعقد النقوش تمازجت مع ورود فضية وقناطر مشرقة، تستند إلى دعائم من الرخام المصقول، فعلا لا يضاهيه شيء بتلك الأناقة في التصميم مع صلابة البناء الذي تحرى عنه السلطان بنفسه،وجمال التناسق، فلايوجد لهذا البناء مثيلا في تلك البلاد، وكثيرا ما سمعت أفضل مهندسينا يقولون إنهم لم يشاهدوا أو يسمعوا قط ببناء يمكن أن يقارن به”. لكن شيئا من ذلك لم يبق اليوم، وحده المحراب بقي شاهدا على جامع لا مثيل له والمحراب بشكله الحالي جدد مطلع القرن العشرين بعد أن بقي في حالة سيئة نتيجة انفجار مخزن للبارود في عام 1590. ومع الاقتراب من المحراب تتضح أربع شرفات صغيرة ذات أقواس متطابقة ونوافذ صغيرة تكشف الكثير من تفاصيل المدينة في الخارج، وتسمح للضوء بدخول المصلى على شكل خيوط من نور. ومن المحراب إلى فناء الريحان تستمر الرحلة داخل القصر،حيث البركة الأكبر التي تنعكس في صفاء مائها قبة السماء، ويتسابق زوار القصر للوقوف ثوان والتقاط صورة تذكارية تخلد الزيارة ولكنها تكشف عن روعة الهندسة المعمارية. وتبلغ مساحة الحوض 34 مترا في 10ر 17 ويقسم الفناء بشكل طولي، وتصل المياه إلى الحوض عن طريق حوضين رخاميين واقعين في كل طرف. وعلى جانبي الفناء يمتد رواقان معمدان قائمان على أعمدة ذات تيجان مكعبة ذات سبعة أقواس شبه دائرية مزخرفة بزخارف مفرغة معينة الشكل ونقوشات تسبيح لله، وتبدو هندسة الأقواس معتمدة على نظريات رياضية أبدعها العلماء العرب، فالقوس المركزي أكبر من الستة الآخرين، وعليه أشكال مثلثية مزينة بزخارف نباتية وتيجان أعمدة مقرنصة.
ويمكن أن يقرأ الزائر الكثير من النقوش والكتابات على الممرين، من قبيل “العون والحماية من الله، والنصر المؤزر لمولانا أبو عبد الله، أمير المسلمين”. ويمكن اعتبار فناء الريحان امتدادا لقاعة السفراء أو قاعة العرش التي كان فيها عرش الملك. وتعتبر قاعة السفراء من أفخم قاعات القصر، وكان الملك يستقبل فيها زواره الرسميين، وكان مطلوبا أن تبدو القاعة مهيبة وتبعث الخوف في نفوس الزوار حتى لا يطمح أحد في القصر ومن ورائه مملكة غرناطة. وتتصل القاعة بفناء الريحان عن طريق قوس مزدوج، وشعار بني الأحمر في وسط القاعة يمكن مشاهدته من كل الاتجاهات، أو هو كما يقول المهندسون محور النظر مع مكان جلوس الملك، وفي كل جدار من جدران القاعة ثلاثة أقواس تصل إلى محاريب مفتوحة في الجدار. والقاعة متخمة بالنقوش، وكلما تعمّقنا إلى الداخل تزداد النقوش والزخارف حضورا وإبهارا.
وهذه القاعة من أكثر القاعات ازدحاما بين قاعات القصر، ومن أكثرها ألما بالنسبة لزواره العرب، ففيها على أكثر الروايات وقع أبو عبدالله الصغير وثيقة الاستسلام. ومن بين أكثر أجزاء القصر التي لم تطله يد التخريب والتغيير بهو الأسود. وتقوم في وسط البهو النافورة المشهورة التي تغنى بها الشعراء وحبكت حولها الحكايات في الذاكرة العربية عندما تستعيد ذكريات الأندلس. وبجانب النافورة أحواض المرمر التي لا تزال رغم تعاقب القرون تصب قطراتها الماسية، يدعمها الاثنا عشر أسدا تجعل نبعها البلوري يتدفق كما في أيام أبي عبدالله الصغير. بنى هذا البهو “القصر” محمد الخامس الذي خلفه والده يوسف الأول. كان بهو الأسود وما يحيط به يمثل قصر العائلة الذي بني على مقربة من الحمامات وفناء الريحان. ويرى الكثير من المتخصصين في التراث الأندلسي وتراث بني نصر بشكل خاص أن ذروة فنهم وإبداعهم ظهر في هذا القصر الذي اهتم بالأناقة أكثر من الفخامة على حد تعبير ألبرت كالفرت في كتابه “غرناطة وقصر الحمراء”. وفي البهو يتناغم الضوء، والماء، واللون، والزخرفة ويشكلان سيمفونية الإبداع العربي التي يمكن سماعها بوضوح وأنت تجول ببصرك مشدوها في وسط البهو الباذخ والساحر.. فتحسب أنك تسمع تفاصيل سهرة عود بطلها الأول زرياب وضيفها الأوحد الخليفة.. أمير المؤمنين. يتكون البهو من باحة تحيط بها الأعمدة على طريقة الأديرة المسيحية، والبهو يتمركز في نقطة تحيط بها كل القاعات الأخرى المرتبط به .. بدءا من قاعة القباب المقرنصة في الغرب إلى قاعة الملوك في الشرق وقاعة الأختين في الشمال ومنظرة دار عائشة في الجنوب.
وقاعة الملوك من القاعات التي تبهر زائرها بزخارفها الغريبة، ومقرنصاتها المزخرفة بالألماس المفرغ. وتنقسم القاعة لسبعة أجزاء: ثلاث غرف مربعة ومنفصلة بواسطة قسم مستطيل الشكل وقباب في الأطراف. ويخترق الضوء القاعة بسهولة، وتتباين فيها جاذبية الأقواس مع زخارف جدرانها الرقيقة التي تكسوها النقوشات. وفي صدر القاعة يمكن رصد الرسوم التي تمثل أول عشرة ملوك من سلالة بني نصر، ومشاهد تمثل الفروسية ورحلات الصيد، إضافة إلى مشاهد تمثل الجانب الرومانسي في حياة غرناطة وقصر الحمراء. مرورا بحدائق دار عائشة يجد الزائر نفسه يخرج من قصر الحمراء إلى جناته المقابلة: جنة الخليفة وجنات العريف وفناء السرو. وعالم من الجمال والسحر لا مثيل له، لا تبعد ربوة الشمس التي تتمركز فوقها كل الجنان ورغم أن “جنة العريف” تعود إلى ثاني سلاطين بني الأحمر محمد الثاني إلا أن أول إشارة تاريخية لها تظهر في كتاب لسان الدين ابن الخطيب “الإحاطة بتاريخ غرناطة” والذي اعتبرها واحدة من بين سبعة عشر بستانا تنتمي للتراث الملكي، وأشار إلى تميزها بكثافة أشجارها التي تحجب أشعة الشمس، كما أشاد بسحر وعذوبة مياهها ونقاء هوائها”. وإذا كان الكثيرون قد ربطوا بعلاقة بين باني قصر الحمراء وبين السحر، فإن الربط بينهما في إنشاء جنة العريف أولى إنها جنة حقيقية وليست مجازية، تقف بجمالها وبذخها في موازاة قصر الحمراء من حيث الروعة وتناغم التفاصيل. ولا شك أن أجمل ما في جنة العريف “فناء الساقية” الذي بات يرمز إلى الجنة أو يرتبط ذهنيا باسمها. وهو مكان مسور مستطيل الشكل يمر بالمحور الكبير للساقية من خلال القناة الملكية. وتشكل نوافير المياه التي تحيط بالساقية وتلتقي في وسطها المشهد الأجمل والأروع. كانت جنة العريف تشكل الملاذ الأجمل لملوك غرناطة حين تشتد الخطوب وتكون الجنة هي المهرب الأكثر أمنا والأكثر برودة حينما تشتد حرارة الجنوب. ويذكر غير مؤرخ أنه من الصعب تمييز الشكل الأصلي لجنة العريف، فقد شهد الكثير من الترميمات والكثير من التعديلات خلال الحقب الإسلامية والمسيحية. ويرى دليلنا السياحي أن أغلب ملامح جنة العريف قد طمست وما نراه اليوم لا يمت لشكل “الجنة” كما كانت في عهد أصحابها من بني الأحمر.

إلى الأعلى