الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مصادر الطاقة بين السياسة والبقاء الإنساني

مصادر الطاقة بين السياسة والبقاء الإنساني

محمد بن سعيد الفطيسي

” أدى تواجد هذه الثروات الطبيعية وتركزها لدى بعض الدول الصغيرة والنامية كدول الشرق الأوسط على وجه الخصوص إلى بروز نشاطات خارجية تكمن في تلك الأطماع الدولية وسعي العديد من الدول الكبرى للتدخل في شئونها الداخلية وذلك في محاولة منها لاختراقها واحتواء قوتها المتركزة في ما تملكه من تلك الثروات الطبيعية ولديها القدرة بها للسيطرة على أسواق التجارة العالمية والدولية”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النفط .. الغاز.. الفحم ، وغيرها الكثير من ثروات الأرض الطبيعية التي قد بدأت بالنفاد أو قد أوشكت على ذلك، وبتحطيم نظرية الأبدية القائمة على أن تلك الثروات الطبيعية هي طاقة متجددة ولا يتوقع لها النفاد مطلقا، قد أدى إلى بروز الكثير من المخاوف الاقتصادية والتجارية المستقبلية على استمرار وبقاء العديد من الصناعات الكبرى في مختلف دول العالم، وأول تلك المخاوف هو نفاد تلك الطاقة الطبيعية وعلى رأسها النفط، وكيفية مواجهة تلك الكارثة التي قد تتسبب بتوقف عجلة التنمية والاقتصاد في أكثر من دولة صناعية وغير صناعية لا تملك البدائل المناسبة لمواجهة تلك الكارثة وتعتمد بشكل شبه كلي على تلك الطاقة في تحريك عجلة اقتصادها، وخصوصا ان الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي سيبلغ أوجه بحسب العديد من الدراسات الاقتصادية المتخصصة بشؤون الطاقة في حدود عام 2020 ، ثم سيبدأ هو بالتراجع كذلك ، أما عن الفحم فقد بدأ بالفعل يدخل في مرحلة التناقص.
وبالتالي فإن الكثير من الصناعات الرئيسية والقائمة في بقائها على ما تهبه الأرض من خيرات لبني الإنسان قد باتت مهددة بالانهيار، وكذلك فانه بات لزاما أن يتم إيجاد بدائل لتلك الطاقة كاستغلال الطاقة الشمسية أو المائية وغيرها من الطاقة الطبيعية المتجددة، وحتى هذه فإن هناك دراسات عديدة تؤكد أن صلاحيتها لن تستمر لمدة طويلة وأنه سيكون لها وقت معين ستكون فيه غير صالحة أو كافية لبناء طاقة مفيدة لتحريك عجلة الاقتصاد العالمي وفي مقالة بعنوان ” لنخطط الآن لعالم بلا نفط ” يقول وزير البيئة البريطاني الأسبق مايكل ميكر: “يواجه العالم خيارا صعبا، إذ لا يمكنه مواصلة السير على درب الاستهلاك المتصاعد للنفط الذي يسير عليه الآن، محاولا الاستيلاء على ما هو متاح من إمدادات نفطية متبقية بالقوة العسكرية إن لزم الأمر دون تجنب الاستنزاف المضطرد للقوة العالمية على الإنتاج، أو أن يتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، ومعايير أكثر صرامة لكفاءة استغلال الطاقة، وخفض مضطرد لاستعمال النفط، وقد يشتمل المسار الأخير هذا على استثمار جديد ضخم في تكنولوجيات توليد ونقل الطاقة.
وأمام الطلب المتزايد على الموارد والذي تتحكم به إلى درجة ملحوظة الزيادة المفاجئة في أعداد البشر، فأثناء الخمسين عاما المنصرمة لوحدها ازداد عدد سكان العالم أكثر من 3 مليارات نسمة، ليقفز من 2.6 مليار نسمة في عام 1950 الى 7 مليارات نسمة تقريبا في العام 2012م ، ويتوقع أن يصل الى ما يقارب من 10 مليارات في العام 2050م ، وبالتالي فإنه ومن الطبيعي أن الازدياد في عدد السكان سينتج احتياجا زائدا في الغذاء والكساء والسكن والضروريات الأساسية الأخرى للحياة، ولنتصور ذلك أمام التناقص اليومي لثروات الأرض الطبيعية، فوفقا لدراسة حديثة نشرها الصندوق العالمي للحياة البرية ” wwf ” في عام 1998فقد (خسرت الأرض حوالي ثلث ثروتها الطبيعية المتاحة فيما بين 1970 و 1995 كنتيجة للنشاط البشري، أي أكثر مما خسرته في أي فترة أخرى من التاريخ، وقد كشفت الدراسة عن هبوط خطير في توفير موارد حيوية كثيرة ونوعيتها، بما في ذلك غطاء الغابات، ومصائد السمك البحري، ومنظومات الماء العذب).
وقد أدت هذه النظرة لمستقبل الطاقة في العالم إلى إعادة صياغة العديد من المفاهيم والمخططات الاقتصادية والسياسية للكثير من دول العالم وخصوصا الدول الكبرى والمستهلكة منها، كان أهمها التحول إلى بناء تكتلات اقتصادية وأسواق تجارية ضخمة تعتمد على التبادل الاقتصادي والتجاري والصناعي ” السوق المفتوحة ” وإيجاد توازنات طبيعية لتغطية ذلك النقص في الطاقة في محاولة منها لعدم الاعتماد على خيار البديل الأوحد لتغطية أسواقها ” الهشة ” أو الانسياق وراء الاعتماد على تلك الطاقة كبديل أحادي لتسيير اقتصادها، وعلى رأس تلك الدول الكبرى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية.
فعلى سبيل المثال تعتمد هذه الأخيرة للحصول على طاقتها الصناعية على أطراف خارجية، وقد أدى هذا الاعتماد والتبعية إلى احتواء وتراجع القدرة والهيمنة الاميركية وضعف سيادتها الاقتصادية والسياسية في كثير من الأماكن في العالم ، (فقد كشفت إحدى هذه الدراسات ارتفاع نسبة التبعية الأميركية للنفط الأجنبي إلى ما يعادل 52% عام 2001 وتوقع أن يتفاقم هذا المعدل ليصل إلى أكثر من 66% عام 2020، كذلك فإن الاستهلاك الأميركي من النفط ســوف يرتفع بنسبة 56% مقارنة بحجم الاستهلاك الحالي ليرتفع من 10.4 ملايين برميل في الوقت الراهن إلى 16.7 مليون برميل بحلول عام .2020).
كما فتحت تلك النظرة المستقبلية لمصادر الطاقة الطبيعية في مختلف أرجاء الأرض أعين الكثير من الدول النامية والفقيرة إلى أهمية ما تملكه من سلاح طبيعي” راهن ” وانه قد آن الأوان لاستغلال تلك الطاقة لمواجهة العديد من مشاكلها الاقتصادية والسياسية المستقبلية كما حدث ذلك مع فنزويلا والجمهورية الإسلامية الإيرانية على سبيل المثال لا الحصر ، ولكن – وللأسف – قد استغلت تلك الطاقة في الآونة الأخيرة بشكل غير أخلاقي ومبرر، وذلك لشراء ترسانة ضخمة من الأسلحة الفتاكة كانت نتيجتها مئات القتلى وآلاف الجرحى في أرجاء الأرض، كذلك قد تم استغلال تلك الموارد الطبيعية في قلب موازين الاقتصاد العالمي عن طريق التحكم في أسعاره، مما شكل عقبة كبيرة في طريق تنمية وتطوير العديد من البلدان التي لا تملك تلك الثروة بل تستهلكها، كما قد استغلت العديد من الدول أهميتها واحتكارها لتلك المصادر والثروات الطبيعية كورقة ضغط سياسي أو سلاح ردع في غير محله لمواجهة العديد من مشاكلها وأخطائها الداخلية والخارجية الإنسانية منها والسياسية وذلك كوسيلة لكسر واحتواء العديد من القرارات الدولية الأممية الملزمة.
وفي الاتجاه الآخر قد أدى تواجد هذه الثروات الطبيعية وتركزها لدى بعض الدول الصغيرة والنامية كدول الشرق الأوسط على وجه الخصوص إلى بروز نشاطات خارجية تكمن في تلك الأطماع الدولية وسعي العديد من الدول الكبرى للتدخل في شئونها الداخلية وذلك في محاولة منها لاختراقها واحتواء قوتها المتركزة في ما تملكه من تلك الثروات الطبيعية ولديها القدرة بها للسيطرة على أسواق التجارة العالمية والدولية، وعلى رأس تلك الدول التي برزت نشاطاتها في هذا الخصوص منذ فترة طويلة وتحت مسميات لا حصر لها الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة الاميركية والدول الأوروبية وإسرائيل والصين أكان ذلك في القارة الأسيوية أو الأفريقية أو في بقعة من العالم، ولكن كان للولايات المتحدة الاميركية بشكل خاص وسياستها التوسعية والامبريالية الدور الأكبر والأبرز بين جل تلك الأنشطة والتدخلات الدولية رغم تأخر ظهور هذه الإمبراطورية على مسرح السياسة العالمية حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد كان هذا التطلع على أساس حماية حقوقها التجارية ومصالح رعاياها.
وقد تغير هذا المفهوم لصالح البحث عن بديل لنقص الطاقة لديها وبالتالي احتواء القدرة الآسيوية والعربية خوفا من إعادة واستغلال تلك الورقة كما اشرنا سابقا، وهذا ما شاهدناه من خلال تدخل الولايات المتحدة الاميركية في عدد من الدول الآسيوية كالعراق وأفغانستان على سبيل المثال، وفي هذا السياق يقول مدير المخابرات الأميركية الأسبق ويسلي: ( إن لدينا مصالح حقيقية في هذه المنطقة وفي السيطرة على آبار النفط المنتشرة بأكبر مخزون استراتيجي في العالم فيها، ولقد اعتقدنا دوما إن معيار قوة أنظمة الشرق الأوسط تكمن في أنها تستطيع إن تمنع عنا النفط في الوقت الذي تريده كما حدث في حرب أكتوبر 1973 وان الرسالة القوية والواضحة التي سننقلها هي أننا لن نسمح بمثل هذه الأعمال مطلقا، وان من يجرؤ على ارتكاب مثل هذه الأخطاء الإستراتيجية في منع النفط عن أميركا لابد أن يعاقب وبدون تردد، وان قواتنا العسكرية ستكون جاهزة للتحرك في أي مكان في منطقة الشرق الأوسط من أجل تأمين مصالحنا الإستراتيجية).
ختاما فإننا نشير إلى أن العالم مطالب وبشكل عاجل إلى ضرورة التنبه الى خطورة سلاح الطاقة بمختلف أشكاله وأنواعه واستغلاله كورقة ضغط وابتزاز سياسي لتبرير العديد من الأعمال والأفعال الخارجة عن القانون والأخلاق والإنسانية والقرارات الدولية، وكذلك خطورة استغلال تلك الورقة بين بعض الدول الكبرى وخصوصا الدول التي تملك السلاح النووي وأهمية الإسراع العالمي لإيجاد حلول منطقية وعقلانية للبحث عن مصادر للطاقة بعيدا عن الأطماع التوسعية والامبريالية الرامية لاحتواء واحتلال الدول الصغيرة والفقيرة اقتصاديا والتدخل في شئونها الداخلية سياسيا تحت ذرائع واهية كالديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، وهي في حقيقة الأمر تسعى الى السيطرة على ثرواتها الطبيعية ومواردها الاقتصادية، كما أن العالم لابد له من الانتباه إلى الطريق الذي يتجه إليه بهذا الاستنزاف المتزايد لثروات الأرض، وهو ما يشكل تهديدا اخطر واكبر على البشرية من الأسلحة النووية.

إلى الأعلى