الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ماذا بعد التدخل العسكري الدولي المرتقب في ليبيا؟

ماذا بعد التدخل العسكري الدولي المرتقب في ليبيا؟

السيد عبد العليم

” إن الوضع في ليبيا معقد. فإذا كانت ليبيا تدار بشكل مباشر بموجب سلطتين في طرابلس وطبرق، فثمة الانقسامات القبلية والجماعات المسلحة التي لها كلمة قوية في القرار السياسي لأي من الحكومتين في النهاية. فضلا عن ان هناك أطرافا خارجية تدعم فصائل وأطرافا داخلية بعينها بالمال والسلاح بشكل يذكي الصراعات والانقسامات الداخلية.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يدرس عدد من حكومات القوى الغربية الرئيسية محاربة مقاتلي تنظيم الدولة (داعش) في ليبيا بعدما تمكن من السيطرة على سرت التي تبعد 450 كلم شرق طرابلس، ومحيطها. وشن التنظيم الذي تفيد تقديرات غربية ان عدد مقاتليه يبلغ نحو ثلاثة آلاف، مطلع يناير هجوما على منطقة “الهلال النفطي” حيث تقع مرافىء النفط الرئيسية في ليبيا.
فقد أعلنت وزيرة الدفاع الإيطالية ـ التي يبدو ان بلادها ستتولى قيادة الحملة على داعش لكونها القوة الاستعمارية السابقة لليبيا ـ روبرتا بينوتي إن الدول الغربية مستعدة لقتال داعش في ليبيا حال أخفق الليبيون في تشكيل حكومة موحدة قريبا. كما أفادت تقارير بأن الحكومة البريطانية تدرس إمكانية شن هجمات عسكرية في ليبيا تحسبا لتوسع عناصر داعش في الدول الممتدة على ساحل البحر المتوسط ما سيسمح لهم لاحقا باستهداف أوروبا. في حين أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن بلاده مستعدة لملاحقة داعش حيثما وجدوا وصولا إلى ليبيا إذا لزم الأمر. بينما أعلنت وزارة الدفاع الاميركية (البنتاجون) أنها تراقب الوضع بعناية فائقة ولم تتخذ القرار بعد. كما دعا المبعوث الأممي الخاص بليبيا مارتن كوبلر ألمانيا الى الاستعداد لإمكانية إرسال خبراء تدريب للقوات الليبية. هذا في الوقت الذي يتم فيه ترقب عرض تشكيلة جديدة للحكومة الليبية على مجلس النواب في طبرق الذي سبق أن رفض التشكيلة التي تم التقدم بها مطالبا بتقليص عدد الوزراء. ولا يزال النقاش قائما بشأن المادة الثامنة من الاتفاق الذي تم التوصل اليه مؤخرا والمتعلقة بوضع اللواء خليفة حفتر.
وقد سبق أن شاركت أطراف عربية ودولية في الحملة العسكرية التي أطاحت بنظام حكم العقيد الليبي الراحل معمر القذافي دون ان يكون لديها تصور مستقبلي لتطور الاوضاع ونظام الحكم وكيف ستدار ليبيا- ذلك البلد النفطي والمترامي الأطراف – بعد القذافي الذي حكمها حكما فرديا مطلقا لمدة 42 سنة دون أن يقيم فيها أي مؤسسات لحكم البلد بعده. وبعد المشاركة العسكرية لحلف الأطلسي وغيره في الحسم العسكري ضد القذافي، سرعان ما انسحبت تلك القوات وتركت الليبيين في حالة من الفوضى العارمة والفراغ السياسي، الذي لا زالت ليبيا تعاني منه وصارت تدرج ضمن ما يعرف بالدول الفاشلة.
والآن، وبعد ان أدركت تلك القوى خطأها بأنها كانت اداة ساعدت في هدم الدولة الليبية دون ان تبذل أي جهد في سبيل بنائها ووقوفها على قدميها مرة أخرى، ها هي تفكر مرة اخرى في التجمع والتدخل العسكري في ليبيا تحت زعم التصدي لداعش.
وفي الواقع فإن هذا الطرح يدفع الى التفكير في المشاهد المتكررة من عمليات التدخل الدولي وما حققته من نتائج في السنوات الأخيرة لاستشراف ما يمكن ان يحققه هذا التدخل في ليبيا.
فقد تدخلت الولايات المتحدة مع حلف الأطلسي في افغانستان منذ سنوات للقضاء على حركة طالبان التي كانت تأوي تنظيم القاعدة الذي اتهمته بالتخطيط وتنفيذ هجمات 11 سبتمبر. وبعد هذه السنوات الطويلة من التدخل والحرب في افغانستان، ها هي أحدث التصريحات العسكرية الاميركية ترى ان امام قوات الأمن في افغانستان سنوات حتى تستطيع السيطرة وبسط الأمن في ظل تنامي قوة طالبان وتحديها لحكومة كابول المدعومة من قبل اميركا وحلف الأطلسي. لدرجة انه لو انسحبت القوات الاجنبية من الأراضي الافغانية، ربما سقطت كابول في ايدي طالبان وتم الاطاحة بنظام الحكم الحالي.
كما قادت الولايات المتحدة تحالفا دوليا مدعوما من بلدان عربية للاطاحة بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. وتم تسريح الجيش العراقي الذي كان من أقوى جيوش المنطقة، ليعيش العراق من حينه في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار.
ثم كان التحالف المكون من اكثر من ستين دولة ضد مقاتلي داعش في سوريا، ومع ذلك فقد مضى على التدخل سنوات ومع استمرار عمليات القصف لم يتم القضاء على داعش. واذا كان التحالف لم يحسم معركته بعد ضد داعش في سوريا والعراق، فلماذا يسعى اذاً الى التدخل في ليبيا تحت زعم محاربة داعش ايضا؟
ان ليبيا تمثل ساحة تصارع بين قوى عربية واقليمية ودولية في نفس الوقت الذي تمثل فيه مطمعا كبيرا لبعض من تلك القوى وذلك لموقعها ولما تعوم عليه من بحور من النفط ولأنه المدخل الى افريقيا والقريبة من اوروبا، لذلك فانها تمثل مغنما كبيرا لاسيما بالنسبة للقوى الغربية، ومن ثم يأتي مثل هذا الاهتمام الكبير بها.
غير ان الوضع في ليبيا معقد. فاذا كانت ليبيا تدار بشكل مباشر بموجب سلطتين في طرابلس وطبرق، فثمة الانقسامات القبلية والجماعات المسلحة التي لها كلمة قوية في القرار السياسي لأي من الحكومتين في النهاية. فضلا عن ان هناك اطرافا خارجية تدعم فصائل واطرافا داخلية بعينها بالمال والسلاح بشكل يذكي الصراعات والانقسامات الداخلية. وها نحن نرى عددا من المسئولين الليبيين يزورون عواصم بعينها في المنطقة لمشورتها فيما يمكن ان يتخذه هؤلاء بشان التشكيل الحكومي الذي سيعرض مرة اخرى على مجلس النواب في طبرق لاقراره او طلب تعديل آخر عليه او رفضه حسب موقف الفصائل المسلحة والجهات الخارجية الداعمة. وان كان الاتجاه العام يسير نحو قبول التشكيل الحكومي المقبل. وكذلك الحال بالنسبة للجدل والخلاف بشأن المادة الثامنة من الاتفاق الاممي المتعلقة بوضع اللواء خليفة حفتر.
اي ان قرار الاطراف الليبية يتأثر بشكل كبير بالفصائل المسلحة في الداخل وموقف الاطراف المعنية في الخارج. ويكون السؤال هنا هو مع من سيكون التدخل العسكري الغربي وضد من؟ وماذا سيحقق؟ ولمصلحة اي طرف؟ أم أن الأمر سيكون فتح جبهة قصف جوي جديدة ضد داعش، كما هو الحال في سوريا والعراق والإعلان بأن حسم المعركة امامه عقود من الزمن؟ وفي النهاية من سيدفع فاتورة ذلك العمل العسكري؟

إلى الأعلى