الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: قلق برسم حروب تنتهي ولا تنتهي

باختصار: قلق برسم حروب تنتهي ولا تنتهي

زهير ماجد

سألت مرة أحد الصحافيين الأسبان عن حرب بلادهم الأهلية فأجاب بسرعة من كان ينتظر هكذا سؤال: ” صفحة مؤلمة ومظلمة في تاريخنا”. قلت وهل قد تتكرر، أجاب: لا أعرف. إجابة من هذا النوع تعني نعم ولا، كأنما حروب الداخل وان انتهت تظل مشتعلة في التاريخ على أمل أن تطل لاحقا .. لبنان مثلا نموذج لتلك الفكرة، فهو بعد اكثر من عشرين عاما على انتهاء حربه الأهلية لم يزل قلقا، حتى انه في لحظات مرت، كاد ان يعود الى لغة النار ومشى على حافة السكين.
عندما يفتح جوع الحرب الأهلية فمه ، تصاب اجيال متعددة بالأثر العميق له. جيل يشارك وآخر يستعد ان طالت الحرب، وثالث وهو طفولي يمتص الأزمة لكنها تعلق في عقله وتنمو مثل شجرة في الحقل قد تثمر لاحقا .. هذا العالم المنوع يعرف تاريخ مشاركته سواء المباشرة او الوجدانية او الامتصاصية ، لكنه سوف يجهل نهايتها او اي توقيت لها .. ربما حين يقال له في البدايات انها انتهت سوف يصدق، لكن تكرار الحالة ستدله على الحقيقة، فلن يصدق بعدها اي كلام من هذا النوع المثالي.
الحروب الداخلية المعاصرة لم تعد صناعة محلية وان كان منفذوها من أهل البلد .. هي لعبة دولية من لعب الأمم، هي جهنم مفتوحة لأكثر من سبب .. كنا اثناء حرب لبنان نصدق ان اللبناني هو من اختار قتل شقيقه اللبناني، وأن المتاريس المرفوعة بين اللبنانيين تعبير عن التقاتل ذاك ، لكننا اكتشفنا لاحقا انها الصورة النموذجية لصراع الآخرين على ارض محددة .. وليس قدرا ان يتم اختيار هذا البلد او ذاك، انها المرحلة ومعناها الدولي وابعادها في رسم الخطط القريبة والبعيدة .. وهي ايضا اختيار دولي عالمي لمكان يراد تغيير صورته وشكله وكل بناء فيه من أجل أهداف قريبة وبعيدة.
لاشك ان سوريا تعيش هذا المفهوم وتتطور به على القاعدة ذاتها التي لاتحتاج لكثير من التفسير .. شراسة الحرب عليها توضح قوة مقاومتها .. لو كان هنالك استسهال في الوصول الى نتائح المخططين لسقطت قلعة العروبة منذ الاسابيع الأولى كما توهم المتوهمون. كلما كانت المقاومة ضارية، جاءت الحرب عليها اكثر ضراوة. صحيح ان لاحرب أهلية حتى الآن في سوريا، وانها صراع بين ارهاب وجيش وطني عروبي محتضن من وحدة شعبية رائدة وقوي بمؤسسات داعمة ثابتة، وصحيح انها حرب على سوريا وليست من سوريا، فإن اللاعبين يصرون على انها حرب داخلية، فيما هي فقدت كل مقومات هذا المعنى طالما انها صراع بين الجيش العربي السوري كمقاومة، وبين ارهاب تم اختياره من كل صنف وبلد وفيه من الجمهور السوري الذي بعضه تورط ولم يستطع الانسحاب، وبعضه قرأ خطأ لعبة الأمم على بلاده، ومنهم الهارب من العدالة والمرتشي وصاحب السوابق الاجرامية وهؤلاء تروق لهم ان يظل الوضع على ماهو عليه كي يظلوا آمرين هاربين من وجه العدالة.
اذن حروب من هذا النوع تنتهي “غدا ” لكنها لن تنتهي ” بعد غد ” بعدما ارتسمت في سماء اجيال وصّفناها في ماسبق، هو ماتقوله لعبة الأمم في كل طباعتها التي تتجدد في هذا المكان او ذاك.

إلى الأعلى