الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الشفافية والفساد في الوطن العربي

الشفافية والفساد في الوطن العربي

كاظم الموسوي

” يركز مؤشر الفساد على قياس ممارسات الفساد بشكل مباشر، مثل الحصول على الرشوة، أو فساد العقود الحكومية، أو تحقيق الموظف العام لمصالح شخصية مادية من وجوده في منصبه، ولكن الفساد في الدول العربية الذي يعيق التنمية، ولا يصنع إنسانا صالحا، يسعى الى تحقيق التنمية، تتعدد صوره، بأشكال أخرى غير مباشرة، تضاف إلى ما يتضمنه مؤشر الشفافية الدولية.”
ـــــــــــــــــــــــــ

يكثر الحديث عن هذا الاهتمام بقضية الفساد، والتحليل والقراءة لحالات الفساد بمناسبة الاحتفال العالمي والتقارير السنوية. فثمة يوم عالمي باسمه، وكذلك منظمات دولية وإقليمية تحمل عناوين دراسته ومكافحته وكلها تصدر تقارير متابعة ورصد لحالاته وتطوراته. وليس آخرها التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية، التي مقرها برلين، حول الفساد في العالم، الذي صدر اواخر الشهر الاول من عام 2016. وهذا التقرير بكل ما فيه من قضايا مثيرة للاهتمام والمهمة وطنيا وعالميا يؤشر الى مديات الفساد ومافياته ويطرح ضرورة البحث فيه اكثر وكذلك في الاسباب التي تؤدي اليه او توفر ارضيته وخدماته. لم يضع التقرير اساليب الحل والمعالجة ولا عبء التطرق الى الاسباب الفعلية وراءه او امكانية فضحها لأسبابه هو الآخر. ولكن المعايير التي يضعها له ولقياسه تشير الى مستوياته ونسبه فقط، وتبقى المطالبات بمحاربته ومحاكمته قائمة ومنشودة دائما، حيث يقتضي كشف الاسباب ومحاربتها وفضح كل من وما يحاول فيه التضليل او التغطية عليه ووجوب المعالجة السليمة. وإذا كانت منظمات الشفافية تبحث في الفساد في دول العالم ولا تجد صعوبات تذكر فيها او تجد بعضا منها، فإنها منذ سنوات اخيرة تتوفر لها شفافية واسعة في معرفة الفساد في بعضها، وخصوصا في الوطن العربي. شفافية ليست من حيتان الفساد بأنفسهم وإنما من خلال سيرة الفساد الذي اصبح عنوانا بارزا للحكم وشفافا لدرجة التصريح بالاسم والعنوان.
يحتفل العالم في التاسع من ديسمبر من كل عام بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد، وفي هذه المناسبة تتبنى الأمم المتحدة ومنظمة الشفافية الدولية مجموعة من الفعاليات، التي تحذر من مخاطر الفساد، وبخاصة على مستقبل التنمية.
يركز مؤشر الفساد على قياس ممارسات الفساد بشكل مباشر، مثل الحصول على الرشوة، أو فساد العقود الحكومية، أو تحقيق الموظف العام لمصالح شخصية مادية من وجوده في منصبه، ولكن الفساد في الدول العربية الذي يعيق التنمية، ولا يصنع إنسانا صالحا، يسعى الى تحقيق التنمية، تتعدد صوره، بأشكال أخرى غير مباشرة، تضاف إلى ما يتضمنه مؤشر الشفافية الدولية. كما لابد ان تضاف اليه مؤشرات اخرى لم يأخذ بها لحد الآن مثل السرقة الصريحة والنهب المنظم للثروات والعمولات المخجلة والصارخة في الصفقات التجارية والعقود الاقتصادية وأمثالها في المجالات الاخرى التي قد تفوق الرشى وإضرابها.
في التقرير الأخير درس حالات الفساد في نحو 168 دولة حول العالم. حظيت بلدان الوطن العربي بنسبة واضحة فيها. لاسيما تلك التي تعيش اضطرابات سياسية، حسب مصطلحاته، حيث احتلت 6 دول عربية الأكثر فسادا ومواجهة لمعايير الشفافية. وأن قائمة أفضل 10 دول على مؤشر الشفافية لم تشمل ولا دولة عربية واحدة، فضلا عن أن قائمة العشر دول الأكثر فسادا تضم 4 دول عربية هي ليبيا، والعراق، والسودان والصومال.
تعتمد منظمة الشفافية العالمية، مقياس 100 درجة، وكلما قلت درجة أية دولة عن معدلات او نسب قبول هذا المقياس، دلت على طبيعة او حجم الفساد في تلك الدولة. وكذلك تستفيد من عدة معايير ذاتية، منها معلومات المنظومات القضائية عن الفساد، وحرية الصحافة وتأثير الفساد الحكومي عليها، كما أنها قامت ببناء نموذج مركب يعتمد على تقارير عدة منظمات عالمية، منها تقرير منظمةFreedom House، الذي يحمل عنوانNations in Transit، أمم في لحظات تحول، وتقريرIHS Global Insight، التقرير التحليلي العالمي لمنظمة آي اتش اس، والتقرير التحليلي السنوي لمجلة الإيكونومست، وتقرير دليل المخاطرة العالمية PRS International Country Risk Guide، وتقرير مشروع العدالة الدولية،World Justice Project ROL وتقرير البنك الدولي، وغيرها من التقارير العالمية.
أظهر التقرير الاخير، الذي أعلنته المنظمة، حصول أعضاء جامعة الدول العربية الـ21 على تقدير متوسط 35 درجة من 100 درجة، حيث تمثل هذه النتائج تحذيرا من إساءة استخدام السلطة والتعاملات السرية والرشوة الممثلة لآفات مزمنة تخرب اقتصادات الدول بشتى أنحاء العالم. وهذا يعني فشل معظم الدول العربية في تحقيق أي تقدم في ترتيبها المتأخر على سلم التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية حول مؤشر مدركات الفساد بالعالم خلال العام المقرر، إذ عجزت غالبية الدول العربية عن اجتياز حاجز 50 درجة المطلوب للنجاح في الشفافية ومكافحة الفساد بالمؤشر.
جاءت نتائج معظم الدول العربية في المؤشر مخيبة للآمال مع عدم حدوث تغير ملحوظ في ترتيبها مقارنة بنتائج السنوات الماضية، ولم تفلح سوى دولتين عربيتين هما الإمارات (70 درجة) وقطر (69 درجة) في تخطي حاجز الخمسين درجة المطلوب في المؤشر، واحتفظت الدولتان بنفس ترتيبهما للعامين الماضيين. واحتلت دول العراق واليمن وسوريا وجزر القمر مراكز متأخرة جدا في الترتيب، بينما تشاركت البحرين والسعودية والأردن بالمرتبة 55، وجاءت الكويت في الترتيب 67، والمغرب 80، ومصر في المرتبة 94، والجزائر 100، وموريتانيا 124.
قال خوزيه أوغاز رئيس منظمة الشفافية الدولية إن مؤشر مدركات الفساد للعام الجاري أظهر أن النمو الاقتصادي يتقوض وأن جهود وقف الفساد تتراجع عندما يسيء القادة وكبار المسؤولين استخدام الأموال العامة لتحقيق مكاسب شخصية.
وحول أبرز تداعيات انعدام الشفافية كما يرى المحللون وضع مقدرات الخزينة العامة في غير موضعها، كزيادة الإنفاق على حماية الانظمة على حساب المتطلبات الاجتماعية. وبديهي يسبب الفساد انتشار كثير من الظواهر السلبية مجتمعيا، وعلى رأسها ظاهرة عمالة الأطفال، وما ارتبط بها من سبب أعم وهو ظاهرة الفقر. فضلا عن الجرائم الاخرى التي اتاحت فرصا لضياع سيادة البلدان وفسحت المجال لغزوات الغزاة وتسلط الطغاة وتخادم البغاة ورعاتهم. وهذه القضية الاساس في الاسباب الفعلية وراء الفساد وانتشاره والصمت على جرائمه، التي لم تتطرق لها التقارير.

إلى الأعلى