الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الصناعات الانتقائية؛ أو الفطنة في استثمار رأس المال

الصناعات الانتقائية؛ أو الفطنة في استثمار رأس المال

أ.د. محمد الدعمي

”.. إذا لم يعد هناك لدى مجمعات الصناعات العسكرية الكبرى في أميركا وأوروبا من مانع لتجهيز معمل لصناعة الدبابات الثقيلة لمصر أو للعراق، فإن على الباحث الإقتصادي أن يبحث عن الموانع التي كانت صالحة في القرن الماضي والتي لم تعد مهمة اليوم، بشيء من الذكاء. ومرد ذلك هو أن ماكان فاعلاً من الأسلحة الثقيلة على عصر الحربين العالميتين الأولى والثانية، لم يعد فاعلاً بما فيه الكفاية في الحروب الحديثة.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يدرك الراسخون بالعلم في حقول الإقتصاد والتنمية والتجارة اليوم أهمية ما أطلق عليه عنوان “الصناعة الانتقائية” في سياق مناقشتي التالية. والمقصود بالصناعة الانتقائية هو عملية انتقال رأس المال الصناعي عمودياً نحو الصناعات الأكثر جدوى اقتصادياً والأكبر توسيعاً للآفاق، على سبيل حصد المزيد من الأرباح والتشبث بالمستقبل الأفضل. وإذا ما تساءل المرء: لماذا تتفوق اليابان وكوريا الجنوبية في صناعة السيارات اليوم على الولايات المتحدة الأميركية التي أنتجت الـ”فورد” و”الشيفروليه” و”الكاديلاك”، من بين سواها من أفخر سيارات عقود أواسط القرن الماضي، فإن في هذا التساؤل ما يميط اللثام عن شكل من اشكال “الإنتخابية” التي يلجأ إليها رأس المال في التصنيع.
وإذا لم يعد هناك لدى مجمعات الصناعات العسكرية الكبرى في أميركا وأوروبا من مانع لتجهيز معمل لصناعة الدبابات الثقيلة لمصر أو للعراق، فإن على الباحث الاقتصادي أن يبحث عن الموانع التي كانت صالحة في القرن الماضي والتي لم تعد مهمة اليوم، بشيء من الذكاء. ومرد ذلك هو أن ماكان فاعلاً من الأسلحة الثقيلة على عصر الحربين العالميتين الأولى والثانية، لم يعد فاعلاً بما فيه الكفاية في الحروب الحديثة. وإذا كان من أخطر مايكون أن يهرب الطيار العراقي “منير روفا” بطائرته الـ”ميج” الى إسرائيل ليكشف أسرارها للعالم الغربي في نهاية ستينيات القرن الماضي، فان مثل هذه “الخيانة” لم تعد مهمة الآن. بل قد لا يتطلب الأمر كثيراً من العناء كي تستورد إسرائيل معمل إنتاج طائرات كاملاً من هذا النوع أو مما هو أفضل منه بأموالها اليوم!
لقد تمكن العالم المتقدم صناعياً من طي صفحة الأسلحة التقليدية الثقيلة، بعد أن وضعت حرب الغزو الأميركي للعراق أوزارها قبل عقد ونيف. لم تعد الحرب الحديثة تتطلب وحدات مشاة ضخمة (والمشاة سيد الصنوف) ولا الدبابات والعجلات الثقيلة المدولبة أو نصف المجنزرة، بل هي قد لا تتطلب جميع أنواع الأسلحة التقليدية الساندة وغير الساندة، من المدفعية والدروع، الى الصواريخ ووحدات البحرية، من بين سواها. لذا لا مانع لدى الدول التي كانت تصنع هذا النوع من الأسلحة أن تجهزك بما تطلب منها ومن معاملها، مقابل بدائل نقدية مجزية، بطبيعة الحال. علماً بأن اموالك التي تدفعها لشراء طائرات F16 أو “سوخوي” أو “ميراج”، مثلاً، ستذهب الى مشاغل ومختبرات بحوث لطائرات أكثر دقة في إصابة الهدف حتى لو كان ذلك الهدف بحجم “علبة كبريت” موضوعة على رف في مطبخ منزلك، وأقصد بذلك الطائرات بدون طيار، أو “الدرونات” Drones القابلة للحمل من قبل جندي واحد أحياناً، إذ غدا الفضاء، وليست الأرض، هو ميدان القتال. التصنيع العسكري العراقي الذي أقلق إسرائيل وأخافها، بل وأقلق العالم الغربي، قد طويت صفحته لصالح الصناعات العسكرية الأكثر جدوى والأسرع حسماً للإرتطامات العسكرية، خاصة بعد مباشرة عصر الحرب على شبكات الإرهاب عبر العالم.
أما بالنسبة للصناعات الأخرى والتي لاتقل أهمية عسكرياً عن الصناعة سابقة الذكر، فانها تمتص الرساميل الكبيرة لصناعات هي بدرجة من الدقة والتعقيد، أنها تديم وتحافظ على الفجوة بين العالم المتقدم صناعياً، وبيننا (أي دول العالم المتشبث بالصناعة)، بحيث أنك تبقى تراوح في مكانك، مادام راس المال المتقدم يبحث عن العبقريات والعقول المبتكرة الذكية كي ينتج مالا يمكن لدبابة ثقيلة، طول 14 قدماً، أن تفعله!
لهذه الأسباب لامانع من أن تجهز شركة “فيات” أو “فورد” معامل لصناعة سياراتها لدول لاصناعية كدولنا، نظراً لأن المال الذي تدفعه هذه الدول سيسخر لصناعات دقيقة للغاية، اي لصناعات من النوع اذي يقرر درجة التفوق ومراتبه في عالم اليوم التنافسي. وإذا كنا نسخر من بلداننا سابقاً لأنها لا تستطيع أن تصنع “إبرة”، بالرغم من أنها وسيلة إنتاج، فان علينا اليوم تخمين حجم الفجوة بين حلم صناعة الإبرة السابق، وحلم صناعة الـ”آي فون”، ذلك أنها فجوة لا ينبغي أن تقاس بالأطوال التقليدية، وإنما بأطوال من نوع “رقمي” جديد!

إلى الأعلى