الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / “أزمة البلالين” تفسد احتفالات المصريين بـ”25يناير”

“أزمة البلالين” تفسد احتفالات المصريين بـ”25يناير”

محمد عبد الصادق

” التحولات التي طرأت على الشخصية المصرية بعد خمس سنوات من الثورة، تحتاج الدراسة من علماء الاجتماع وعلم النفس للوقوف على الأسباب وتقديم الحلول قبل أن يفلت الزمام، تحتاج إلى إعادة هيبة الدولة التي من واجبها سن قوانين رادعة لضبط فوضى شبكات التواصل الاجتماعي والأداء الإعلامي الهابط؛ الذي أصبح وسيلة للشهرة والانتشار عن طريق الصوت العالي…”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رافق احتفال المصريين بالذكرى الخامسة لـ “25يناير” هذا العام العديد من الظواهر السلبية التي أظهرت حجم الانقسام والانفلات الأخلاقي الذي ساد المجتمع، فبدلاً من أن يحتفل المصريون بذكرى الثورة كما تحتفل الشعوب العظيمة بأيامها الخالدة بالوقوف بوقار وترفع وخشوع وعرفان بالجميل أمام قبور شهداء الثورة من شباب الثورة والجيش والشرطة الذين ضحوا بأرواحهم الطاهرة من أجل خير الوطن وإزاحة نظام فاسد والتبشير بفجر جديد يعيد لمصر مكانتها المفقودة ـ تابعنا وصلات من الملاسنات والشتائم البذيئة بين المناصرين والمعادين للثورة على مواقع التواصل الاجتماعي وشاهدنا معارك فارغة ولغة متدنية على شاشات التلفاز.
وكانت الطامة الكبرى؛ في السلوكيات المنحرفة لبعض الشباب حديث السن الذين ادعوا أنهم شاركوا في “25 يناير” وتعرضوا للاعتداء والتنكيل من قوات الشرطة خلال الثورة، فقرروا إحياء ذكرى الثورة بتوزيع “بالونات أصلها واقي ذكري” على جنود الشرطة البسطاء الذين وقفوا في البرد القارس يحرسون ميدان التحرير ليلة “25 يناير” وعاد الشبان لمنازلهم الدافئة ليرفعوا المشاهد المسيئة على “الفيس البوك” احتفالاً بالثورة.
وانقلبت الدنيا بعد انتشار الفيديو المسيء، وانقسم المصريون بين مستنكر ومطالب بذبح الفاعلين وبين مؤيد لهم ومبرراً فعلتهم بالممارسات الوحشية للشرطة ضد الثوار في ميدان التحرير والتي مازالت مستمرة حتى الآن، وسارع محامون معادون للثورة بتقديم بلاغات ضد الشباب بتهمة الإساءة لأجهزة سيادية. العقلاء أدانوا تصرف الشباب ولكنهم تقبلوا اعتذارهم والتمسوا لهم العذر لحداثة سنهم وقلة خبرتهم، وسيطر الحدث على برامج “التوك شو” الليلية وطغى على مظاهر الاحتفال بالثورة.
هذه التحولات التي طرأت على الشخصية المصرية بعد خمس سنوات من الثورة تحتاج الدراسة من علماء الاجتماع وعلم النفس للوقوف على الأسباب وتقديم الحلول قبل أن يفلت الزمام، تحتاج إلى إعادة هيبة الدولة التي من واجبها سن قوانين رادعة لضبط فوضى شبكات التواصل الاجتماعي والأداء الإعلامي الهابط؛ الذي أصبح وسيلة للشهرة والانتشار عن طريق الصوت العالي وتبادل السباب والسوقية والانحطاط الأخلاقي والتجرؤ على ثوابت المجتمع ومقدساته وإهدار كافة الأعراف والمعايير المهنية والأخلاقية ومواثيق الشرف الإعلامية التي تؤكد على رقي الحوار وشرف الاختلاف في الرأي.
هذه الأبواق الإعلامية المغرضة جعلت من ثورة يناير شبحا يخاف منه المصريون بالترويج بأنها كانت مؤامرة وأن أيادي خارجية هى التى دبرتها وحركتها ودفعت بها إلى الشوارع وفي سبيل ذلك أذاعوا على البسطاء تسجيلات مشبوهة لإيهامهم أن الملايين الذين خرجوا فى ثورة يناير استأجرتهم جهات أجنبية، ونسي هؤلاء أن هناك 20 مليون مصري ملأوا الميادين حتى أسقطوا مبارك ونظامه، هذا الطوفان البشري من كل المدن المصرية لم يكن مأجوراً أو متآمرا لحساب جهات أجنبية ولكنها إرادة شعب قرر أن يتخلص من عصابة ظلت جاثمة على صدره سنين طويلة ونجد اليوم أصواتاً تدافع عنها بالباطل دون خجل.
من العدل أن ننصف” 25 يناير” بعد أن تشوهت الحقائق أمام الاتهامات الظالمة من فلول مبارك الذين يحاولون العودة بمصر لدولة الظلم والفساد ويقاومون محاولات الإصلاح ويشككون في انحيازات النظام الحالي للفقراء ويسفهون جهوده لإقامة العدالة الاجتماعية، مستغلين حالة التردد والارتباك التي تعانيها الحكومة والنظام، بسبب حصار المشاكل والأزمات التي لا تنتهي، واستمرار شبح الإرهاب الذي ترعاه الأنظمة والجماعات الكارهة لاستقرار مصر وتركة مبارك الذي انهارت في عهده المرافق والخدمات، وحالة التراخي واللامبالاة في العمل ونزيف الفساد الذي ينخر في هيكل الدولة، والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها مصر بعد ضرب السياحة المورد الأساسي للعملات الصعبة عقب سقوط الطائرة الروسية في شرم الشيخ، فضلاً عن توقف الدعم العربي نتيجة انهيار أسعار النفط.
لن تخرج مصر من هذا النفق المظلم إلاً بعودة اللحمة بين جموع الشعب، وعودة العلاقة الطيبة بين الشعب ـ خصوصاً الشباب ـ والجيش والشرطة، فمهما تباينت مواقفنا من جهاز الشرطة فلا أمان ولا استقرار ولا تنمية بدون وجود شرطة قوية قادرة على مكافحة الجريمة وتوفير الحماية للشعب. أما جيش مصر فهو جدير بالحب والاحترام لأن هذا الجيش أكد طوال تاريخه انحيازه للشعب الذي خرج منه، فلم ينحز لحاكم ولا لسلطة ولا لنظام ولا جماعة رفضها الشعب، بل وقت الأزمات والقلاقل السياسية ينتشر في ربوع مصر حامياً ومدافعاً عن أمنها واستقرارها وهيبتها رافعاً شعار “إن مصر باقية والحكام زائلون”.الجيش الذي يحارب الإرهاب في سيناء ويسقط منه شباب في عمر الزهور من أجل أن ينعم شعب مصر بالأمان، لم يكتف بذلك بل راح يمهد الطرق ويزرع الأرض ويوزع الغذاء على الفقراء، ويساعد الأجهزة المدنية التي أصابها العطب، نتيجة أعمال الحرق والتدمير والفوضى التي عمت مصر في السنوات الخمس الماضية.
أمام الشعب المصري كثير من التحديات التي تتطلب الصبر والحسم والحكمة، وضرورة التمسك بالقيم والعودة إلى الجذور الخيرة والأخلاق الحميدة التي عرف بها الإنسان المصري على مدار تاريخه والتي كانت زاداً له لمواجهة المحن وتذليل الصعاب، والصمود في وجه الغزاة ومقاومة المحتلين حتى يرحلوا، ومهما ضعف أو أصابه الوهن لديه القدرة أن يتعافى ويعود من جديد ليملأ الأرض خيراً ونماء. هذه الخصال الأصيلة هي التي جعلته صاحب أقدم حضارة على وجه الأرض..
حضارة عاشت لآلاف السنين.

إلى الأعلى