الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مطاردو الوظيفة

مطاردو الوظيفة

علي عقلة عرسان

” مطاردو الوظيفة ملهاة تقع في فصلين كتبها فازوف عام (1900)، وتدور حوادثها في مدينة صوفيا في منزل أحد الوزراء ويدعى “بالتوف”. وهو يتولى ثلاث وزارات دفعة واحدة، في وقت تدافع فيه الناس من كل مكان في البلاد، ينشدون الوظيفة. فبعد مرحلة الاستقلال اعتبر الجميع أن كل من شارك في التحرير، لا بد أن يصبح موظفاً. وأن هذا من أبسط الحقوق المكتسبة لكل مواطن،”
ــــــــــــــــــــــــــــــ

ظهرت باللغة العربية، مجموعة من المسرحيات، لعدد من الأدباء البلغار،لم يكن قارئنا العربي يعرف عنهم شيئاً، وقُّدمت بعض هذه النصوص على مسارح دمشق، لوقت قصير جداً.. وفي هذه النصوص إشارات إلى مناخ سياسي، وثقافي، واجتماعي عام، كان في تاريخ بلغاريا وترك بصمته في إنتاج الكثيرين من الأدباء والكتاب والمفكرين البلغار. وبين هؤلاء كتاب نصوص مسرحية، منهم:
ايفان فازوف 1850-1921، وراتشو ستويانوف 1883، وست كوستيف، ونيكولاي خايتوف. وسوف نتوقف بعجالة عند نصٍّ واحدٍ لبعض هؤلاء الكتاب، لنقدم لمحة عن: الواقع السياسي والاجتماعي، الذي لا يخلو زمننا الحالي من مثله، ومن أمراضه وأعراضه.. وعن المواضيع، والمعالجات، والرؤى الفكرية، والإبداع، ومستوى النص المسرحي، في ذلك البلد، وفي تلك الفترة من الزمن.
البلغاري إيفان فازوف، ولد عام 1850 وتوفي عام 1921. كتب في مختلف ألوان الأدب، فأصدر قصصاً، وروايات، ودواوين شعر، وبعض المسرحيات، من بينها “مطاردو الوظيفة”، وثوار في المنفى.
مطاردو الوظيفة ملهاة تقع في فصلين كتبها فازوف عام (1900)، وتدور حوادثها في مدينة صوفيا في منزل أحد الوزراء ويدعى “بالتوف”. وهو يتولى ثلاث وزارات دفعة واحدة، في وقت تدافع فيه الناس من كل مكان في البلاد، ينشدون الوظيفة. فبعد مرحلة الاستقلال اعتبر الجميع أن كل من شارك في التحرير، لا بد أن يصبح موظفاً. وأن هذا من أبسط الحقوق المكتسبة لكل مواطن، فضلاً عن أن أجهل الجهلاء فيهم، وهو من وصل إلى الصف الثالث الابتدائي فقط، يعتبر نفسه مثقفاً ومن المعيب جداً أن يعمل فلاحاً أو مهنياً، ويدفن نفسه في وسط غير وسط المثقفين الذي ينتمي إليه، كما يعتقد.
وفي منزل بالتوف نشاهد، أول ما نشاهد، الجدة دونا، وهي تشكو كثرة إلحاح الناس عليها بالتوسط لدى ابنها، من أجل الوظيفة، وتنقل لنا صورة عن معاناة ابنها، الذي يطارده طلاب الوظيفة، من مكان إلى آخر. ولا نلبث أن نرى ابنة الوزير بالتوف، وهي تستعد للذهاب إلى حفل استقبال، وقد أخذت كامل زينتها. وفي هذه الأثناء يندفع شاب أنيق يدعى خوروف، كان قد رقص معها الليلة السابقة، وقدم نفسه إليها على أنه أحد الذين أمضوا أوقاتهم في أوروبا مع خير الفتيات، ولذلك تطمح هي أن تكون رفيقة وصديقة له، كما سبق وفعلت الفتيات الأوروبيات في سويسرا أو النمسا. ويطلب خوروف منها أن تتوسط له، ليحصل على وظيفة، حتى يبقى في صوفيا ولا يضطر إلى مغادرتها. وينال منها وعداً طيباً، وتوصي به ابنةُ الوزير، وتطلب من الخادمة أن تدعه يقابل والدها عندما يحضر. وفي تلك المقابلة، نلمس طموحات الفتاة البورجوازية الزائفة، كما نتعرف على مستوى التفكير والوعي اللذين تتمتع بهما، من خلال إعجابها بذلك الشاب، وبرقصه، وعضلاته، وأشعار يحفظها.
وبعد ذلك يحضر الوزير إلى بيته، ونشعر شيئاً فشيئاً بأن البيت قد حوصر تماماً من طالبي الوظيفة.. فهذا كاكافيدوف الذي شم رائحة وظيفة ستشغر في إحدى القرى، جمع أطفاله، وهاجم الوزير عند ناصية شارع، وبدأ هو وأطفاله معركة توسل واستجداء وبكاء… إنهم يطلبون الحياة من خلال الوظيفة.
وإلى جانب هذا النمط من طالبي الوظيفة، نجد بوزدوغانسكي الذي يريد وظيفة مدير مطبعة، أو وظيفة مدير عام في أية إدارة، أو أية وظيفة، لا فرق.. وهو لا يملك أية مؤهلات على الإطلاق. وقد زار الوزير في مكتبه وأشهر مسدسه، مهدداً بالانتحار، إذا لم يحصل على وظيفة، واضطر الوزير أن يشتري منه حياته ـ أي حياة دوغانسكي ـ بمبلغ من المال ـ ريثما ينظر في أمره، وما زال هذا الدوغانسكي يلاحقه من مكان إلى آخر، ليبتز مالاً من جهة، وليحصل على الوظيفة من جهة أخرى.
وإلى جانب هذه النماذج هناك امرأة جميلة، تستغل جاذبيتها ودموعها، لتحصل على وظيفة لزوجها. وتستطيع أن تحصل على الوظيفة في صوفيا نفسها، وليس في الأقاليم أو الضواحي، لأنها عندما تطلب الوظيفة باسترحام واستعطاف، تُشعِر المسؤول الذي تطلب منه بغيتها، بأنها مضيَّعة بعيداً، وأنها له هو، إذا أراد أن تكون كذلك. وغالباً ما يرضى المسؤول، وترضى هي. وهكذا كانت تعيد زوجها إلى الوظيفة، كلما طرد منها، بعد عملية نصب أو احتيال أو سرقة.
وفي هذا الوسط الذي يشعر فيه الوزير بالاختناق، لكثرة الطلبات المرهقة، والطالبين الذين لا يرحمون.. يضعنا المؤلف أمام مسؤول يستحق أن نشفِق عليه، ونتعاطف معه، لاسيما عندما نرى كثرة الوساطات التي تضغط عليه، وتنوعها، وكثرة الرسائل والتوصيات التي تُحمَل إليه، بعضها من نواب، وأخرى من مسؤولين كبار، ومن أصدقاء. ونفهم وجهة نظره، كما نفهم الواقع المحيط به، الذي يظهره المؤلف ببراعة حين يقول على لسان الوزير بالتوف:
“يخنقونني بكل بساطة.. فساد.. أين هي مصلحة الوظيفة، ومصالح الوطن؟!… وأما الإضرار الخطير بالمجتمع فمن يفكر به… لدى كل حزب آلاف الجياع… آلاف من الذين لنا”… والذين يجب أن تُعد لهم مائدة الدولة. وحين يصل هذا الحزب إلى السلطة، يجب إبعاد آلاف الموظفين، وعليهم أن ينتظروا تغيّراً سياسياً جديداً، ليتكوَّموا ثانيةً حول العظيم. لدى كل حزب جيش من الطفيليين المنفصمين عن الحياة، وغير المنتجين في المجتمع، الذين لا يعيشون إلا من ظهر الشعب. هؤلاء الرعاع يزدادون، وينمو عددهم كل يوم، وكل ساعة. هكذا كان الأمر حتى الآن وهكذا سيستمر في المستقبل. هذا مخيف، هذه العاهة الأزلية للحياة البرلمانية عندنا. كلنا نسهم في نشر عدوى التقاعس، وإفساد روح الشعب، نضيع كل الجيل بجعله غير قادر على العمل الشريف، أو مثيراً للسخط.”.
وبعد أن ترسخ في أذهاننا إلى حد ما، صورة هذا المسؤول المخلص، يضعنا المؤلف أمام حقيقة أخرى، كان يمهد لها فنيّاً منذ مدة. ففي بيت الوزير بالتوف شخص عجوز، قريب له، هو كفاسنيكوف، وقد أتى لزيارته من قرية خارمانلي، وهي مسقط رأس الوزير. واستطاع هذا العجوز أن يعطينا صورة بسيطة وممتازة عن أمثاله، وعمن هم في سنه من أبناء الريف، وعن أصحاب التجربة، والعقل البسيط، الصريح. فقد قابل هذا العجوز، أكثرَ الأشخاص الذين قدموا لرؤية الوزير، من أجل الحصول على وظيفة، وسخِر منهم، ووضعهم في مواجهة الواقع والوضع الذي يحاولون الابتعاد عنه، وضع الفلاح أمام واجب العمل في الحقل، وحضِّ القادر على تعلم مهنة على أن يتعلمها، لأن البلاد تحتاج إلى من يعمل بيده، ومن يزرع الحقول.. كما قابل هذا العجوز طالبَ الوظيفة المزعج دوغانسكي، الذي قفز إلى البيت من النافذة، وخوروف الذي يدعي النسب العالي، ويجيد الاحتيال، والتزوير، والنصب.. وكذلك فيدوف وسواهم.. وكان ينجح في إعطاء كل منهم حقه من السخرية اللاذعة به، وإفهامه ما يفرضه عليه الواجب الوطني، والشخصي، من أفعال.. كل ذلك بروح مرح، وبساطة متناهية، وإدراك لأبعاد المشكلة الحقيقة التي تصادف كل شخص.
ولكن هذا العجوز الذي أتى من دون غاية أو طلب، كما قال الوزير، أتى لمجرد الزيارة، وسؤال الخاطر، كما يقال… هذا العجوز يخرج قائمتين، في نهاية المسرحية، ليطلب من الوزير تنفيذ الطلبات الواردة فيها، مستعيناً باستعداد الوزير لخدمة أقاربه، وبوساطة أمه الجدة دونا، وبضغط من ابنته أيضاً. وطلبات العجوز ليست كثيرة! إن له أسرة مؤلفة، من ثلاثة عشرة شخصاً، وبينهم بعض من لم يوظفوا بعد، ويطلب توظيفهم، ويعده الوزير بالتنفيذ.. ويلتمس توظيف من التمسوا منه أن يتوسط لهم، من أهالي القرية، وأن يملأ جميع الشواغر التي يعرف أنها شاغرة أو ستشغر… ومن بينها وظيفة مسؤول الجمارك، في خارمانلي التي يتنافس عليها عدد من الأشخاص، منهم فيدوف ودوغانسكي.
ونجد أنفسنا في النهاية أمام “وزير مسؤول”يلبي لأقربائه ومعارفه كل شيء، ويتخذ من المصلحة العامة، والصالح العام للوطن، ومن الوظيفة، دريئة يختفي وراءها، ويحتمي بها، عندما يطالبه الناس بالوظيفة. كما نجد أنفسنا أيضاً في وسط غير طبيعي، ولا مقبول.. إذ أن الناس من أقصى البلاد إلى أقصاها، يطالبون بأن يكونوا موظفين، ويستصغر كل منهم المهنة، والعمل اليدوي، وأشغال الحقول، والزراعة.. ولا يعرفون أقدارهم ولا صالحهم، ويتسابقون من أجل الحصول على وظيفة ليكونوا في خدمة الأغراب، الذين يأتون إلى بلادهم، ويعملون ويستغلون الناس، ويثرون على حسابهم، ثم يغادرونها، أو يستمرون في استغلالها، لأن أهلها لا يحسنون استغلالها.. نجد أنفسنا أمام واقع مريض، ومجتمع أصابه الفساد.
وينهي المؤلف مسرحيته بمظاهرة، ينظمها مطاردو الوظائف أمام بيت الوزير، بعد أن حاصروه، وتقافزوا إلى داخله من النوافذ. وعندما يعم صخب هذه المظاهرة، ويصل إلى الوزير، يأمر بفتح بابه ليدخل الناس، بعد أن تلقّى مكالمة هاتفية. وبعد دخول أكثرهم، يعلن عليهم، وعلى الجد العجوز الذي كان قد فرغ من إملاء قائمة طلبات التوظيف التي يريدها.. يعلن عليهم بأنه ارتاح منهم، وارتاحوا منه، فقد سقطت الوزارة.
وبهذا يؤكد المؤلف أن وضعاً اجتماعياً مريضاً، لا يمكن أن يصلحه أشخاص مرضى، وإن الفساد يجر الفساد، وأنه لا سبيل إلى الإصلاح إلا بتغيير جذري شامل.
هذه الملهاة الساخرة المرحة، التي يقدمها إيفان فازوف.. أشعر أنها كشجر بلغاريا، يمد جذوره عميقاً في التربة، ويحمل هويتها، وتنوعها، وغناها. فهي قطعة تنقل لك صورة عن عصرها وعن واقع الحياة، وعن الناس في ذلك البلد، وذلك العصر. وتقدم نماذج بشرية تنتسب لبيئتها، وتعبر عنها بأمانة.
الفكرة في المسرحية جيدة وإيجابية، فهي دعوة إلى العمل في الأرض، واستغلال الطاقة استغلالاً ملائماً، والتزوُّد لكل عمل أو مهنة بالزاد اللازم. وفيها كشف لجوانب الأمراض الاجتماعية وأسبابها.
البيئة الفنية للنص لا بأس بها، وقد لجأ المؤلف في بعض الأحيان إلى أسلوب الحوار الجانبي، حيث تتكلم إحدى الشخصيات كلاماً على المسرح، مفترضة أن غيرها من الشخوص الموجودة عليه، في الوقت ذاته، لا تسمعها. وهذه إحدى سمات مسرحيات عصر النهضة وما بعده بقليل.
كما أن المؤلف نهَج، في بعض مراحل أحداث المسرحية، نهجاً خاصاً، لا يتوافق مع الأسلوب الذي اتبعه فيها ككل، إذا جعل أكثر الشخصيات الأساسية، تدخل إلى المسرح لتلقي مقطعاً من الحوار الذاتي “مونولوغ”،ثم تخرج بعد ذلك، لتفسح المجال أمام شخصية أخرى، من دون أن يكون هناك تلاق، بين الشخصيات في حوار. ورغم أن هذا الجانب من المسرحية لم يكن مملاً، إلا أن وروده على هذا الشكل، مخالف للمنحى العام الذي اتبعه المؤلف بصورة لافتة للنظر. المسرحية بصورة عامة مسلية ومفيدة، ويمكن أن تنجح في شد الناس إليها، إذا عرضت على المسرح بمهنيّة واتقان.
ست كوستيف.. ومسرحيته الساخرة “غوليمانوف”.. تقع في ثلاثة فصول، وتدور حوادثها قبيل الحرب العالمية الأولى، يوم كانت بلغاريا تحت الحكم الملكي.. وتصف وضعاً متردياً، من تلك الأوضاع التي كانت تتعرض لها بلغاريا، على أيدي حكومات مختلفة، معظمها نخره الفساد. وتستمد المسرحية اسمها من اسم بطلها غوليمانوف، وهو نائب في البرلمان، له أسرة مؤلفة من فتاة تدعى “فينا”، وشاب مقامر هو “لوبومير”. وقد تجسم الفسادُ الذي عشش في تلك الطبقة من الإقطاعيين، في هذين الشابين. فالفتاة لا همَّ لها سوى لعب التنس، والرقص، ومغازلة رجال السفارات.. والشاب يغرق في الشرب، ولعب القمار، ولا يفلح في غيرهما على الإطلاق. أمَّا الأب فهو في شغل شاغل، وعمله لا يترك له متسعاً من الوقت للتفكير في سواه.. إنه منهمك في كيف يصبح وزيراً، وكيف يتغلب على منافسيه، الذين أخذوا منه الوزارة بأساليب غير لائقة ولا أخلاقية. ويبدو غوليمانوف، من خلال تصوير المؤلف له، شخصية تمثل الجشع أو البخل، كما ينم سلوكها عن استعداد للتنازل عن أية قيمة، في سبيل الوصول إلى الهدف.. وهو يريد الظهور الاجتماعي، دون أن يدفع شيئاً مادياً معيناً.
وخلال انتظار غوليمانوف لفرصة سانحة، تحدث حادثة مؤسفة، إذ يتوفى أحد الوزراء.. وفوراً يبدأ “الركض”كما يقولون، فيسرع هو ومنافسوه، ومنهم عجوز يدعى تشافداروف، إلى التقرُّب والتمسُّح بأعتاب رئيس مجلس الوزراء وزوجه، طالبين الرضى.. ويكون تشافداروف هذا من المعجبين بـ “فينا”، ابنة غوليمانوف، وهو يلاحقها باستمرار في ملعب التنس، ليتابع النظر إلى جسدها الجميل، ويقطف بعض المتعة الخاصة، على طريقته هو.
وفي زحمة التدافع على أبواب زوج رئيس مجلس الوزراء، يتذكر غوليمانوف أنها طلبت منه ذات يوم زجاجة عطر قديم، لتقدمها هدية لزوجة أحد الدبلوماسيين.. فيسرع بإحضارها، لا عن طريق الشراء، ولكن عن طريق التماسها عند بعض أصدقائه أو أصحاب الحاجة، ممن يطمعون بمساعدة خيرية منه، لمشروع عام. وفي الوقت الذي يرسل امرأة لتعزي زوج الوزير الميت، يتابع هو السعي لمقابلة زوج رئيس المجلس. وبعد تقدمات ومنافسات بين الخصوم، تتقدم زوج رئيس المجلس من غوليمانوف باقتراح مفاده، أن يزوج ابنته الشابة “فينا”، من العجوز تشافداروف، ليوفَد الأخيرُ بمهمة إلى الخارج، ويتنازل عن الوزارة لغوليمانوف.. وبعد تردد بسيط يُحَلُّ الأمر بموافقة غوليمانوف على الصفقة، ويتولى منصبَ وزير التربية أولاً.. ولكن بعد ساعات قليلة تُعدَّل الحقائب، ويتولى وزارة الزراعة، ويعود إلى البيت وزيراً للزراعة، ليجد هناك بعض الملتمسين.. كما يجد رجلين من قريته، كانا يلحّان منذ فترة بالتماس مساعدته في تقديم خدمات مادية بسيطة، لمكتبة أنشئت في القرية، فيقدم غوليمانوف لهما صورته لتوضع في المكتبة، كما يعد بالمساعدة في طرح المشكلة في مجلس الوزراء، إذا تقدمت القرية بالتماس في هذا الصدد.وكان غوليمانوف لا يرتبط، حتى بقليل من الوعود البسيطة، ولكنه يتفاخر بأنه حقق بعض المعجزات والمفاخر للأسرة.
وفي أثناء الاحتفال بزواج ابنته من تشافداروف، يأتيه هاتف من رئيس مجلس الوزراء، يعلمه فيه بأنه قدم استقالة الحكومة، بناء على طلب الملك.
وهنا تقع المصيبة على رأس غوليمانوف، وتثور ثائرته، فيحتج ضد رئيس المجلس، وضد الملك، وسواهما.. لأنه تسلم السلطة من الشعب، فكيف يقيلون الوزارة كلها بعد ساعات من تشكيلها؟ ومن هم حتى يتم لهم ذلك؟!
ومن الطبيعي أن تثير مواقف غوليمانوف هذه السخرية والضحك، نظراً لتبجحه ومغالطاته العديدة، ومنها تسلمه السلطة من زوج رئيس المجلس، بعد التماسات عدة.. ثم ادعاؤه، عند استقالة الحكومة، بأنه وزير نُصِّب من قبل الشعب.؟!
المسرحية بسيطة، وموضوعها يصور فترة من فترات فساد الحكم في بلغاريا، باتكاء على تاريخ مضى.. ومعالجة الموضوع عادية، وربما أدخلت بعض السرور إلى نفس المتفرج. والحوار لا بأس به، والصراع ضعيف.. ولكن المسرحية تبقى قادرة على نقل صورة من صور الفساد الاجتماعي والسياسي، في ذلك الوقت وذلك البلد.
ويقدم البلغاري فاليري بيتروف في مسرحيته “عندما ترقص الورود”، صوراً من علاقات الحب بين الجنسين، تظهر فيها العاطفة بأشكال عدة، وقد تقع بين شابين متقاربين في السن، أو بين رجل تجاوز سن الشباب وفتاة في ميعة الصِّبا، ولكن العامل الأساسي الذي يحرك مثل هذه العاطفة، هو روح الشباب، الذي يتقمص في المسرحية جلد شاب يقوم بعلاقات الحب، أو يمهد لها، ويساعد عليها. يعاونه في إتمام تلك اللعبة عجوز، كان الشاب يقطف وروداً من حديقته، ليهديها إلى صبية صديقة له في أثناء تجوالهما في رحلة حب.
ويقوم الشاب والعجوز بتمثيل أدوار مختلفة، لشخصيات متعددة، تفرضها عليهما طبيعة المشكلة التي يواجهها عاشقان، وضعا هما، خطةً لقائهما أحدهما مع الآخر. ويبدو لي أن هاتين الشخصيتين تمتّان بصلة وثيقة إلى شخصيات مسرحية بعنوان الأشجار تموت واقفة للكاتب الإسباني أليخاندرو كاسونا، وهناك بعض ملامح تلك اللعبة التي تقوم بها شخوص المؤلف الإسباني، وأهدافها الإنسانية، مع فارق كبير في سير الأحداث وأهداف الشخوص وأهداف كل من المؤلفين المتمثلة في عمله المسرحي.
ومسرحية بيتروف هذه لا تكاد تعدو مقولة واحدة متكررة في صور مختلفة، مفادها: أن الحب جوهر الحياة، يرافق شباب القلب، ولا يرتبط كلياً بالسن. وإن كان نماؤه وخصبه يقع بين الشباب، ومن تتقارب أعمارهم، أكثر من وقوعه بين المتفاوتة أعمارُهم. كما يشير المؤلف إلى نظرة كل جيل إلى الجيل الذي يأتي بعده، فكبار السن ينظرون إلى حب الشباب على أنه متهتك، ولا يتناسب مع اللياقة، إذا ما قيس بعلاقاتهم هم أيام كانوا شباباً.
في المسرحية لغة شاعرية، وحوار رشيق، إلا أن هذا الحوار السلس لا يحتوي على عمق، يجعل المتتبع له يستعيض به عن بساطة الحدث الذي يصل إلى حد السذاجة أحياناً. وفي المسرحية إمكانيات تقنية أكثر مما فيها من إمكانيات تقديم نص، وعرض مسرحي شائق البناء، أي أن إمكانات تقديم مناظر واستعراضات تقنية متوافرة فيها أكثر من توافر البنية الفنية الجيدة المشوقة، التي تحقق نمو الفكرة، ونمو الشخوص، وتكامل العمل الدامي.

إلى الأعلى