الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / يهودية الدولة من أولمرت إلى نتنياهو

يهودية الدولة من أولمرت إلى نتنياهو

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. بالعودة قليلا إلى الوراء لا نجد ان هناك أي تغير يذكر على صعيد الرؤية الإسرائيلية الصهيونية المتطرفة إلى السلام في الشرق الأوسط بشكل عام، وتجاه القضية العربية الفلسطينية على وجه التحديد، وخصوصا ان نظرة نتنياهو أو غيره من قادة اليمين المتطرف أو اليسار الأكثر تطرفا، هي نفسها منذ مؤتمر أنابوليس الذي عقد في العام 2007م بالولايات المتحدة الاميركية،”

ــــــــــــ
من احتلال الأرض العربية الفلسطينية واغتصابها، وتشريد أهلها وطردهم خارج أسوار الوطن الأم، إلى محاولات انتزاع الاعتراف التاريخي من خلال فرض سياسة الأمر الواقع وقوة الصوت الصهيوني، بأن تلك الأرض العربية الفلسطينية المغتصبة أصلا، هي دولة وارض يهودية ووطن صهيوني خالص، لا بد من ان يعترف بذلك الفلسطينيون أولا، ومن ثم العرب، بعدها يمكن الحديث عن أي شيء آخر بخصوص السلام معهم.
هكذا تحدثت إسرائيل على لسان قادتها، وهكذا شهد التاريخ بأنها تبدأ أساليبها الماكرة دائما بلعبة التنازل عن المتر ليسهل التنازل بعد ذلك عن الهكتار، وتبدأ بإضفاء طابع المنطق العذب وهي تخفي وراءه أسوأ المخططات والجرائم، بينما الحقيقة التي لا شك فيها، هي ان هذه المستعمرة وقادتها لا يعرفون سوى طريق واحد للسلام، هو طريق الدم والدمار، ولا تفهم سوى منطق واحد فقط، من أراد ان يعرفه فليقرأ التاريخ الصهيوني، وهو منطق القوة والخداع.
لذلك لم يكن مستغربا أن يعيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طرح فكرة يهودية الأرض والدولة التي تحتلها إسرائيل اليوم بفلسطين العربية، في مقابل إقامة ما تسميه المستعمرة الإسرائيلية الكبرى ـ من وجهة نظرها الشخصية ـ دولة فلسطينية مؤقتة ومنزوعة السلاح، وذلك في أغلب المحافل والاجتماعات والمؤتمرات والزيارات الرسمية وغير الرسمية، وآخرها ما تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية في مستهل جلسة لحزب الليكود اليميني الذي يتزعمه يوم الثلاثاء الموافق 11/3/2014م، حيث قال: بأنه لن يكون هنالك أي اتفاق سلام مع الفلسطينيين دون “إلغاء حق العودة” للاجئين الفلسطينيين والاعتراف “بيهودية” دولة إسرائيل، وأضاف في التصريحات التي نقلتها الإذاعة العامة الإسرائيلية “يقولون إنهم لن يعترفوا أبدا بالدولة اليهودية وإنهم لن يتنازلوا عن حق العودة، وبحسب نتنياهو فإن “هذه شروط أساسية مبررة وحيوية لأمن دولة إسرائيل” مشيرا إلى أن “الفلسطينيين لا يبدون أي نية للاقتراب من الدخول في تسوية عملية وعادلة”.
وبالعودة قليلا إلى الوراء لا نجد أن هناك أي تغير يذكر على صعيد الرؤية الإسرائيلية الصهيونية المتطرفة إلى السلام في الشرق الأوسط بشكل عام، وتجاه القضية العربية الفلسطينية على وجه التحديد، وخصوصا ان نظرة نتنياهو أو غيره من قادة اليمين المتطرف أو اليسار الأكثر تطرفا، هي نفسها منذ مؤتمر أنابوليس الذي عقد في العام 2007م بالولايات المتحدة الأميركية، وبالتأكيد هي نفسها كانت قبل ذلك بوقت طويل، حيث لم تكن تصريحات رئيس وزراء إسرائيل ايهود اولمرت في ذلك الوقت حول يهودية المستعمرة الإسرائيلية مستغربة للكثيرين كذلك، فقد مهد لها قبل فترة من انطلاق المؤتمر وذلك من خلال تصريحاته الابتزازية المثيرة للجدل، والتي أشار فيها إلى أن اعتراف الجانب الفلسطيني بدولة إسرائيل دولة لليهود هو شرط مسبق لأي مفاوضات نهائية بين الجانبين.
وكما نعرف بأن الصهيونية في إسرائيل ومنذ فترة طويلة جدا، تحاول انتزاع ذلك الاعتراف التاريخي، والذي يعتبرونه الإنجاز الأكبر لو تحقق في تاريخ الصهيونية الحديث، وكمحاولة منها لبدء مشروع الوطن الصهيوني المستقل، وهي الأداة التي ستعطي الدولة القدرة على سن القوانين (الرامية إلى مصادرة أراضي العرب باعتبار أن الاستيطان اليهودي واستيعاب الهجرة هي قيم أساسية ولو تناقضت مع حقوق المواطنين غير اليهود، ومن ضمنها حقوق الملكية، وكانت يهودية الدولة أساس سن قانون الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية من العام 1952 الذي يمنح هذين التنظيمين اليهوديين الدوليين مكانة خاصة، إضافة إلى الـ “قيرن قييمت”، الصندوق القومي اليهودي، وقيرن هيسود وغيرها، ويمنحها على رغم أنها مؤسسات غير رسمية مكانة قانونية في مجالات تملك الأرض والاستيطان واستيعاب الهجرة، وهي مهمات تعبر عن يهودية الدولة بامتياز).
وبالطبع فإن ذلك سيترتب عليه لو تم للإسرائيليين اليوم عدد من الجرائم التي سيتمسك بها الجانب الصهيوني بعد ذلك الاعتراف التاريخي المخزي، وعلى رأسها أحقية طرد أصحاب الأرض من الفلسطينيين من تلك المستعمرة التي يدعونها الدولة اليهودية، بل والقضاء على حق اللاجئين والنازحين في العودة إلى أرضهم بشكل نهائي، وسحب أي أساس تاريخي وقانوني للقرار الدولي رقم 194، كون تلك الأرض قد تحولت إلى ارض يهودية قومية خالصة ومعترف بها فلسطينيا وعربيا ودوليا على هذا الأساس ـ كما يحلم القادة الصهاينة منذ فترة طويلة ـ كما سيعني ذلك كذلك (أنه يحق لإسرائيل أن تقول لنا بعد ذلك: (ان هذه دولة يهودية، وبالتالي لا يجوز لأحد أن يستوطنها ما لم ينتمِ إلى الديانة اليهودية… وبما أن الديانة اليهودية هي ديانة مغلقة، على عكس المسيحية والإسلام، فسوف يوفر الاعتراف الفلسطيني بالهوية اليهودية لإسرائيل مشروعية قانونية في أن تتبنى إسرائيل سياسة قصر المواطنة فيها على من يحمل الهوية الدينية اليهودية دون غيره).
ختاما فإن المضحك المبكي في الأمر، هو أن إسرائيل المغتصبة للأرض، وبينما تقوم بأشرس أنواع الإرهاب والعنف والتطرف والعنصرية والاستيطان، يستجديها المجتمع الدولي وعلى رأسهم حليفها الولايات المتحدة الاميركية للتنازل عن حق لا تملكه أصلا، ـ ونقصد ـ حق التكرم بالسماح للفلسطينيين في إقامة دولتهم الخاصة على أرضهم التي احتلها قطعان المستوطنين قبل أكثر من ستة عقود بتعاون مع القوى الغربية المتصهينة، والتي تتفاوض معها اليوم حول حقوق الفلسطينيين والعرب في أرضهم، بل ويمكنها ان تفرض الشروط التي تراها مناسبة لأمنها وسلامة شعبها، بينما ليس من الضروري ان يتوفر ذلك للفلسطينيين، بل وفوق ذلك لا بد ان تشكر إسرائيل وتدعم مساعيها الطيبة من قبل الفلسطينيين والعرب.

إلى الأعلى