الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / جنوب السودان.. الأقربون أولى

جنوب السودان.. الأقربون أولى

السيد عبد العليم

” .. في جنوب السودان تستخدم الحاويات المعدنية عموما كسجون عشوائية. كما تحدث التقرير عن فظاعات اخرى تشمل الاغتصاب والقتل إلى جانب مصادرة ونهب زوارق تقل بضائع تابعة للأمم المتحدة. وفي يناير الماضي، أوصت مجموعة من خبراء الأمم المتحدة مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات على رئيس جنوب السودان سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار بسبب دورهما في الحرب.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يلبث جنوب السودان الذي نال استقلاله في يوليو 2011 بعد عقود من النزاع مع الخرطوم، أن غرق مجددا في الحرب في 15 ديسمبر 2013 حين اندلعت معارك في صفوف الجيش الوطني بسبب الانقسامات السياسية-العرقية والخصومة على رأس النظام بين الرئيس سلفاكير ونائبه رياك مشار. وظلت العلاقة بين الدولتين متوترة منذ الانفصال الذي تم بناء على اتفاق سلام انهى حربا اهلية امتدت إلى اثنين وعشرين عاما بين طرفي السودان. اضافة لخلافات على طول الحدود. كما ان هناك العديد من القضايا المعلقة بين جوبا والخرطوم بما في ذلك الخلافات حول الحدود. وتقاتلت الدولتان حول حقل هجليج النفطي الحدودي في عام 2012 قبل ان يسيطر عليه السودان.
وبرغم كل تلك المشاكل والخلافات بين جوبا والخرطوم، إلا أنه بعدما افادت تقارير ان رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير امر قواته بالانسحاب ثمانية كلم عن الحدود مع السودان، رد الرئيس السوداني عمر حسن البشير بأن أمر بفتح الحدود مع دولة جنوب السودان في 27 يناير الماضي. ومع انفصال جنوب السودان فقدت الخرطوم ثلاثة ارباع مواردها النفطية ولكن جوبا وافقت على دفع رسوم عبور مقابل استخدام انابيب وتسهيلات سودانية لتصدير نفطها. وكان قد سبق ووافق البشير على دراسة خفض رسوم عبور النفط في ظل مطالبات من جوبا بخفضها.
وبلا شك فإن هذا تطور ايجابي في العلاقة بين جوبا والخرطوم. لكنه في نفس الوقت يمثل قفزة على الواقع من قبل رئيس جنوب السودان سلفاكير. لأنه قبل تحسين العلاقات وتطبيعها مع السودان، يجب ان يكون هناك صوت واحد في جوبا، اي توافق بين الفرقاء السياسيين في جنوب السودان وتنفيذ الاتفاقات المبرمة بينهم ووقف الحرب الدائرة والدماء المسالة والمجاعة التي تستشري في جنوب السودان. فكما تقدم سلفاكير بخطوة ومد يده للبشير، فلماذا لا يمد يده لخصمه السياسي مشار لإنهاء المعارك وتجنيب جنوب السودان من الويلات والمآسي. ولماذا لا يعمل سلفاكير على الأقل على تأجيل مسألة زيادة عدد الولايات في الجنوب إلى ان يتم توافق وتجميع الفرقاء وتشكيل الحكومة الجديدة أسوة بما عمل مع الخرطوم.
فقبل اعلان فتح الحدود بنحو ثلاثة ايام فقط، اعلن مشار عن انهيار اتفاق كان قد تم ابرامه في يناير الماضي لتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية في جنوب السودان. وذكر خلال مؤتمر صحفي في أديس أبابا التي شهدت مفاوضات مستمرة منذ فترة طويلة شابتها خلافات بشأن تقاسم السلطة في البلد الغني بالنفط، إن الاتفاق حول خطة الرئيس سلفا كير لتقسيم جنوب السودان إلى 28 ولاية جديدة، قد انتهى.
وكانت حكومة جنوب السودان والمتمردون قد وقعا اتفاق سلام في أغسطس الماضي تم انتهاكه مرارا جراء أعمال القتال. واتفق الجانبان المتناحران في السابع من يناير على تشكيل حكومة انتقالية مشتركة بحلول 22 من الشهر نفسه. وقال مشار الذي يستعد لتولي منصبه القديم نائبا للرئيس في ظل الاتفاق، إن حكومة الوحدة لن يتم تشكيلها إلى أن يسقط كير خططه لتشكيل الولايات الجديدة.
وكان سلفاكير قد اعلن في أكتوبر الماضي عن اعتزامه تشكيل 28 ولاية جديدة من الولايات العشر الحالية وأنه سوف يعين كل حكامها. وهي خطوة أعلن مشار
أنها تنتهك اتفاق أغسطس. وتحول صراع على السلطة بين كير ونائبه السابق مشار إلى العنف في منتصف ديسمبر 2013 وأسفر الصراع عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من مليوني شخص وأدى إلى توجيه اتهامات بارتكاب فظائع.
والاحدث في تلك الجرائم، ما اعلنته لجنة المراقبة والتقييم المشتركة في تقريرها الذي رفعت الى قمة الاتحاد الافريقي الاخيرة وهي لجنة مكلفة بمراقبة وقف اطلاق النار في جنوب السودان ان حكومة جوبا قتلت نحو 50 شخصا بعد وضعهم في حاوية شحن وسط الحر الشديد، محملة القوات الحكومية مسئولية ذلك. ما يلقي الضوء مجددا على الفظاعات التي ارتكبت خلال سنتين من الحرب الأهلية.
فرغم التوصل الى اتفاق سلام اغسطس الماضي، استمر القتال وأصبح النزاع يشمل الآن مجموعات مسلحة عدة لا تلتزم اتفاقات السلام الموقعة وتتحرك بدافع مصالح محلية او هجمات انتقامية.
وفي جنوب السودان تستخدم الحاويات المعدنية عموما كسجون عشوائية. كما تحدث التقرير عن فظاعات اخرى تشمل الاغتصاب والقتل الى جانب مصادرة ونهب زوارق تقل بضائع تابعة للأمم المتحدة. وفي يناير الماضي، أوصت مجموعة من خبراء الأمم المتحدة مجلس الامن الدولي بفرض عقوبات على رئيس جنوب السودان سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار بسبب دورهما في الحرب.
واعتبر رئيس بوتسوانا السابق فيستوس موغاي الذي يرأس لجنة المراقبة والتقييم ان جهود الضغط لتشكيل حكومة وحدة تعثرت بعدما عمد كير الى زيادة عدد الولايات المحلية بمعدل ثلاثة اضعاف ما ادى الى نسف ركيزة اساسية في اتفاق تقاسم السلطة. وقال ان “خطوة الحكومة ادت الى طريق مسدود”. واضاف “نظرا لهشاشة الوضع الأمني في جنوب السودان وتجدد مخاطر اندلاع نزاع واستمرار انعدام الامن الذي يؤثر على جهود الاغاثة الانسانية، على الاتحاد الافريقي ان يتخذ اجراءات مشددة لأن الكلمات لم تعد تكفي”.
وواجه طرفا النزاع، الحكومة والمتمردون، اتهامات بارتكاب مجازر عرقية وتجنيد وقتل اطفال وارتكاب اعمال اغتصاب على نطاق واسع وممارسة التعذيب واجبار سكان على النزوح من اجل “تطهير” بعض المناطق.
ومن جانبها، دعت الهيئة الحكومية لتنمية شرق افريقيا (ايجاد) ايضا القوى المتنازعة الى السماح بوصول المساعدات الغذائية الى مناطق النزاع التي اصبحت على شفير المجاعة. فيما حذر عاملون في وكالات اغاثة من ان عشرات آلاف من الأشخاص قضوا بسبب المجاعة. وأعربت الهيئة عن صدمتها لتدهور الوضع الانساني في جنوب السودان وطالبت بتحرك فوري للأطراف لضمان ايصال المساعدات الانسانية بشكل غير مشروط”.
وقد لجأ اكثر من 200 ألف من سكان جنوب السودان الى مخيمات الأمم المتحدة. ما يدل على استمرار النزاع رغم جهود السلام. وقال خبراء الأمم المتحدة الشهر الماضي ان كير انفق 78 مليون دولار على شراء ثماني مروحيات هجومية من طراز مي-24 فيما تلقى المتمردون اسلحة وذخائر وبزات من السودان. وانتقد موغاي هذا الانفاق. وقال “وسط تراجع عائدات النفط بشكل سريع، تم هدر الموارد العامة للبلاد الى حد كبير على تمويل النزاع”.
على ما يبدو فإن سلفاكير يحاول الفكاك من الضغوط الدولية نتيجة الحرب والاوضاع المأساوية في جنوب السودان وذلك بتطبيع علاقاته مع السودان. غير ان الأولى بسلفاكير هو التقدم بخطوة ومد يده الى خصمه السياسي لوقف المعارك. لأن تقاربه مع الخرطوم ـ برغم اهميته ـ لن ينهي مآسي الجنوب السوداني طالما بقيت الحرب قائمة بين سلفاكير ومشار والضحية فيها هم ابناء الجنوب الذي يكتوون بنيران المعارك والمجاعة ثم ابناء السودان عموما الذين يتأثرون سلبا بتردي الاوضاع في الجنوب بحكم العلاقات المتداخلة من قرابة ونسب بين الطرفين وعلاقات تجارة ورعي على جانبي الحدود.

إلى الأعلى