الإثنين 21 أغسطس 2017 م - ٢٨ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المقاطعة وموقف قديم للجنة مدرستنا من دايان!

المقاطعة وموقف قديم للجنة مدرستنا من دايان!

د. فايز رشيد

” إن من أبرز وأدنى أساليب مقاومة العدو المحتلّ للأرض الفلسطينية والعربية، مقاومته وعدم التطبيع معه من حكومات وجماهير الأمة العربية بكاملها، ونحمد الله أن المقاطعة ناجحة شعبيا بفضل أبناء أمتنا العربية واللجان الشعبية العربية للمقاطعة راهنا، وفي العمل والنضال الدؤوب لمواصلة خطواتها مستقبلا. لقد حاولت إسرائيل التطبيع مع الشعب المصري.. لكن بوعيه أفشل التطبيع”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كنا في بداية الشباب في قلقيلية! كان ذلك في النصف الأول من عام1968. كان العمل الفدائي في بدايته. كان الوطنيون من الطلبة في مدرستنا ساذجين بعض الشيء(ومنهم كاتب هذه السطور)! ففي المناسبات الوطنية نُضرب ساعتين عن الدخول إلى الصفوف، لان إدارة المدرسة لم تسمح لنا بتنظيم رسمي، لإحياء ذكرى المناسبات، لذا اضطررنا إلى إحيائها في الساحة رغم أنف الإدارة. على سذاجتنا كنا نتقن لغة مقاطعة العدو. في إحدى المناسبات سمعنا هدير سيارات كثيرة بزوامير عالية كسيارات الإسعاف. دخلت السيارات إلى المدرسة أثناء كنا في الطابور الصباحي! فجأة خرج من إحدى السيارات وجه نعرفه، من خلال عصبة عينه.. كان موشيه دايان وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك.
كان منفوخا كطاووس، فهو ودولته وعموم القادة الصهيانة أحرزوا انتصارا كاسحا منذ اقل من عام، على ثلاث جبهات عربية، لم يكونوا ليحلموا به. كان الوزير محاطا بجيش من الحرس، وآخر من وسائل الإعلام الإسرائيلية. صعد ديان وثلة مرافقيه درجا بسيطا يؤدي إلى مساحة مُبلّطة تشرف على الساحة بالقرب من غرف الإدارة. في الأثناء خرجت الإدارة وسلّم أعضاؤها على الوزير الزائر. تطلعت حولي فإذا بي محاط بضباط وعسكريين إسرائيليين، ومنهم الضابط ثقيل الدم ميخا، الفلسطيني الأصل والمسؤول عن المخابرات الصهيونية في المدينة (الذي أتقن لعبة محاولة التشكيك بوطنيي قلقيلية، من خلال دعوتهم للركوب إلى جانبه، واللف في الشوارع الرئيسية للمدينة وعلى مهله! كان يتطلع ويؤشر ويضحك مع الراكب بجانبه، والذي بالحتم كان عابسا… ليعطي انطباعا للأهالي بأنهما صديقان! انطلت حيلته في البداية، لكن تم اكتشافها! الركوب معه كان يتم خوفا منه. في إحدى المرات وأنا في طريقي إلى المدرسة، اصطف بسيارته إلى جانبي ودعاني للركوب. رفضت بشدة، وأجبته إذا أردت أن تعتقلني فاحضر قوتك كالمعتاد! غضب وقال: قريبا سيتم! شحّط بسيارته وانصرف عني!).
في الطابور المدرسي في الساحة، تطلعت حولي، فإذا بمدير المدرسة يدعو أحد الطلبة للحديث مع ديان، بناء على طلبه. ذلك، في الوقت الذي كان يتطلع فيه إليّ باعتباري مسؤول لجنة الطلبة المنتخب، تماما كما فعل ضابط المخابرات ميخا، الذي دوشني بالطلب مني الذهاب لمقابلة الوزير. تطلعت على أعضاء اللجنة في الصفوف المجاورة، وأشّرنا لبعضنا البعض بقرار عدم الخروج. ألح مدير المدرسة للمرة الثانية والثالثة لخروج أحد! فإذ بأحد الطلبة من المشكوك فيهم وطنيا يخرج ويقابل الوزير! كأن الطير حطّ على رؤوسنا جميعا. فيما بعد أصدرت اللجنة قرارا بمقاطعته، وهو ما أدى به إلى الانتقال إلى مدرسة أخرى في نابلس. بعد الحادثة، خرج التلفزيون والصحف الصهيونية يومها وفي اليوم التالي (في تغطيتها للخبر)، بالادعاء: عن فشل محاولات طلبة قلقيلية في مقاطعة دايان، وأظهرت صور الطالب مع الوزير وهما يتضاحكان.
حادثة قديمة نسيتها… ذكّرني بها صديق فاجأني باتصاله الحميم بي من قلقيلية منذ بضعة أيام، والذي لم أره منذ اعتقالي في أوائل عام 69. أسوق الحادثة للتدليل على حرص الصهاينة على أي شكل من اشكال التطبيع، مع الفلسطينيين والعرب منذ بداية الاحتلال، وكم هي مهمة مقاطعة العدو حيثما يمكن. ندرك أن أهلنا في الوطن المحتل مجبرون على العلاقة مع العدو الصهيوني، لكن في معظم الاحيان ومن الأهمية بمكان مقاطعة منتوجات العدو ممن يوجد مثيلا لها من المنتجات المحلية. أسوق الحادثة للعديدين من إخوتنا العرب ممن يقومون كأنظمة رسمية وكأفراد بالتطبيع مع العدو! ولنبين ايضا، كم يحتاج الصهاينة إلى التطبيع! وكم يستفيدون منه بهدفين: مرحلي، بادعاء العلاقة الطبيعية بين المغتصب للأرض وإرادة البشر وبين ضحايا الاحتلال، ممن يعانون كل دقيقة الذبح والتنكيل والإعدامات الميدانية بحقهم، من المحتلين.
إن من أبرز وأدنى أساليب مقاومة العدو المحتلّ للأرض الفلسطينية والعربية، مقاومته وعدم التطبيع معه من حكومات وجماهير الأمة العربية بكاملها، ونحمد الله أن المقاطعة ناجحة شعبيا بفضل أبناء أمتنا العربية واللجان الشعبية العربية للمقاطعة راهنا، وفي العمل والنضال الدؤوب لمواصلة خطواتها مستقبلا. لقد حاولت إسرائيل التطبيع مع الشعب المصري.. لكن بوعيه أفشل التطبيع. إسرائيل حاولت وما تزال وبكل الوسائل اختراق الشعب العظيم في مصر، كما كل شعوبنا العربية.. لكن وعي أمتنا أفشل مخططاتها.
أذكر حادثة حقيقية حصلت في إحدى القرى في المناطق التي احتلها النازيون في الاتحاد السوفياتي، إبّان الحرب العالمية الثانية، وفحواها:أن امرأة مسنّة في القرية، وبعد ملاحظة بيع بعض نساء القرية البيض الطازج للجنود النازيين..أخذت على عاتقها صبيحة كل يوم: شراء كل البيض من القرية وبسعر أعلى، والدوس عليه بقدميها. علم النازيون بفعلتها بعد أيام من افتقادهم للبيض، استدعاها الضابط المسؤول وسألها عن السبب؟ أجابت: حتى لا يقال أنكم تأكلون من خيراتنا وبرضانا! ضربها المحقق، وأمر بإطلاق النار عليها في الساحة الرئيسية للقرية. شعبنا الفلسطيني وأمتنا ليسوا أقل تضحية من كل شعوب الأرض التي قاومت التطبيع مع أعدائها.
المقاطعة ببساطة شديدة وباختصار تعني: التوقف الطوعي عن إقامة أية علاقات مع العدو في كافة المجالات: الاقتصادية والسياسية والأخرى غيرها، التوقف عن استعمال سلعه وشرائها أو مشاركة العدو في عمل، التوقف عن التعامل معه أو تقديم خدمات له من أجل إلحاق الضرر به كنوع من الاحتجاج عليه. مقاطعة الشعوب لمحتلي أراضيها تجربة أصيلة في التاريخ، ومن أهمها: مقاطعة الشعب الإيرلندي للسيطرة الإنجليزية عليه في القرن التاسع عشر، مقاطعة الشعب الصيني للبضائع الأميركية في عام 1906 احتجاجا على تقييد أميركا لهجرة الصينيين، إليها، مقاطعة الهند ( بتعليمات من المهاتما غاندي) للبضائع البريطانية بين الأعوام 1906- 1911، وأُطلق عليها اسم “حركة سواديشي”، مقاطعة الشعب المصري ضد الإنجليز عام 1921بتعليمات من سعد زغلول، مقاطعة ألمانيا النازية لبضائع الشركات التابعة للمنظمة الصهيونية في عام 1933 ومقاطعة اليهود في الولايات المتحدة(احتجاجا على ذلك) للبضائع الألمانية، تجربة المقاطعة العالمية لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.الآن: تجربة المقاطعة العربية لإسرائيل.
ليس أدل على مدى تأثير المقاطعة على إسرائيل من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم! فقد صرّح وزير المالية الإسرائيلي في حينه يائير ليبيد، في خطابه في جلسة من جلسات مؤتمر هرتزيليا الـ 15 وكان ذلك في 29 يناير 2015:” المقاطعة وبخاصة الأوروبية تؤثر علينا بشكل كبير، الاحتمالية كبيرة لفقدان 9800 عامل وظائفهم في العام الحالي،التصدير لأوروبا في العام 2013 خسر بنحو 20 مليار شيكل، والقطاع الصناعي خسر 11 مليار شيكل”. شيمون بيريز وفي اجتماع لسفراء ورؤساء ممثليات إسرائيل في الخارج، كان ذلك في 5 يناير 2014 قال بالحرف الواحد” إن المقاطعة الإقتصادية لإسرائيل أخطر عليها من التهديدات الأمنية”. ردّت تسيبي ليفني على تقرير انتقد تصريحات سابقة لها عن: أثر المقاطعة على إسرائيل( التقرير حاول تهميش تأثير المقاطعة) فقد أصدرت بيانا قالت فيه:”إن من حق مواطني إسرائيل معرفة الحقيقة وأن لا يستمعوا إلى الكذابين الذين يمارسون التضليل عليهم. لأنهم يخدمون من لا يريدون التسوية السياسية.. المقاطعة تؤثر علينا كثيرا”. من تصريح لها نقلته”معاريف” في 23 يناير 2015. لنساهم جميعا في مقاطعة هذا الكيان العابر في منطقتنا وفي تاريخنا! ولنكن دائمي الدعوة للآخرين لمقاطعته! فحتى الشعوب والحكومات الغربية اقرت مقاطعة منتجات المستوطنات الصهيونية على أرضنا… فبالله عليكم… كيف بنا!؟.

إلى الأعلى