الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: آخر الليل

باختصار: آخر الليل

زهير ماجد

كنت قد قرأت في نهاية الستينات من القرن الماضي أول ديوان شعري للراحل محمود درويش وحمل يومها عنوان ” آخر الليل .. نهار ” .. كان هنالك سذاجة في العنوان لأن آخر الليل عادة نهار ساطع، وعندما طبع محمود الطبعة الثانية من الديوان حذف كلمة نهار فصارت فقط ” آخر الليل”.
أحببت ذلك الديوان على مافيه من براءة شعرية لكن الشاعر محمود تناساه وربما لم يكن يعجبه بعدما بلغ مرحلة شعرية متقدمة جدا. وذات مرة أعدت أمامه اسم ديوانه هذا، موضحا أن كل أزمة صعبة هي ليل، فكيف بالقضايا الكبرى مثل قضية فلسطين التي مازالت ليلا إلى الآن وستظل حتى يتمكن الشعب الفلسطيني من شد نهاره بنفسه.
لكننا اليوم ايضا نعيش ليالي بلا آخر، حتى كأن المتنبي تفوق في هذا المضمار قبل مئات السنين حين قال مخاطبا ” الا ايها الليل الطويل ألا انجلي بصبح .. ” كأنما هو لسان حالنا اليوم ونحن نحيط انفسنا بتلك الأزمات العربية التي لايبدو أن لها آخر.
لهذا بتنا نكره الشهور بصورتها الحديثة على مافيها من منغصات لعلاقتها بأزمات لم تكن متوقعة النتائج التي وصلت اليها. اذ ليس في الحسبان ان ينهار رئيس تونس المخلوع زين الدين بن علي بهذه الطريقة السينمائية حتى كأنها تشبه الهروب الكبير الذي سبق لنا مشاهدته. كما ان سقوط حسني مبارك بهذه الطريقة الدرامية، قدم لنا صورة متطورة لقدرة شعب على الثبات، مقابل ضعف رئيس في لحظات القوة الشعبية الهادرة. اما مشهد ليبيا فكان أكبر المفاجآت لأنه جاء مدويا وبالذات حين تم العثور على معمر القذافي في ذلك المكان ثم درامية مقتله التي جاءت بمواصفات اميركية، ويقال ان الاميركي والفرنسي هما من طلبا تصفيته على الفور وقبل ان يتفوه ولو بكلمة واحدة لأسباب تخصهما.
كدنا نصدق ان ماجرى آخر الليل، لكن الواقع بلغ حد ظهور ليل بلا آخر .. ثم فقدنا الأمل حين ظهرت المؤامرة على اشدها في سوريا العربية .. فقد كنا نتسلح عادة بقوة سوريا ومناعتها ولم نفكر لحظة واحدة ماجرى لها لاحقا من ازمة عاصفة ومن حرب كونية عليها، فأيقنا ان كبر حجم المؤامرة يتأتى من قوة البلد المتآمر عليه. اليوم وإذ تقترب سوريا من عام أزمتها السادس، يخيل للمتابع انها أرقام سنين سوف تستمر الى ان ينتهي عرض التآمر اما بسقوط المتآمرين وامكانياتهم وتدخلهم ، واما بسقوط سوريا الذي لن يحصل إطلاقا .. اذ هنالك تصميم عال من قبل الشعب السوري بكل مكوناته جيشا وقيادة ومؤسسات ودولة بدحر المؤامرة وتخليص الشام من خطر داهم وبعيد المدى.
واليمن بات ذاكرة منسية، والعراق يفاتل على جبهات مفتوحة، ولبنان مصمم ان يظل بعيدا عن اللمس والمصاعب، وكذلك حال الاردن .. لكننا في كل الاحوال كعرب نعيش غصة المعذبين الآخرين من جلدنا، حين نرى عذاباتهم إنْ في الدفاع عن بلادهم، او في مسيراتهم الطويلة كنازحين ومهجرين والتي تشبه تلك المسيرات الظالمة للشعب الفلسطيني إبان نكبته.
في كل الأحوال سيظل هنالك آخر لليل، وهو متفق عليه مهما طال واستطاب تعذيب أمتنا.

إلى الأعلى