الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هذا “الانسحاب” العالمي الخادع للولايات المتحدة!

هذا “الانسحاب” العالمي الخادع للولايات المتحدة!

جواد البشيتي

”الولايات المتحدة ستعود إلى الاحتماء (من الحرائق العالمية) بذاك الدِّرْع الطبيعي القوي، وهو المحيط الأطلسي؛ وستحتمي الآن بترسانتها النووية الهائلة، وبنُظمها الدفاعية الجديدة التي تبقي أراضيها بمنأى عن مخاطر الصواريخ العابرة للقارات؛ أمَّا اقتصاديًّا فهي تستطيع، وإنْ عاشت في عزلة عن العالَم، إنتاج كل ما يلبِّي احتياجاتها.”

إنَّها لبديهية أنْ تقول “الكلُّ أكبر من الجزء”؛ لكن، بمعنى ما، وبحسب مقاييس معيَّنة، يمكن أنْ يكون الجزء أكبر من الكل، أو أنْ يبدو هكذا؛ والولايات المتحدة (القوَّة العظمى في العالم) هي، أيضًا، هذا الجزء الذي يبدو أكبر من الكل، وهو العالَم.
“القوَّة العالمية النسبية” للولايات المتحدة هي اليوم دون ما كانت عليه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ فثمة قوى عالمية تُنافِس (وتُصارِع) الولايات المتحدة، في مقدمها “روسيا بوتين”، والصين، والاتحاد الأوروبي؛ وفي عالَمٍ كهذا يَصْعُب على الولايات المتحدة أنْ تعيش كما تريد؛ وينبغي لها أنْ تعود، عودةً مؤقَّتةً، إلى “المَصْدَر التاريخي (والقديم)” لقوَّتها العالمية، ألا وهو “العزلة (عن العالَم، وإلى حين)”، تاركةً العالَم يَسْتَجْمِع بنفسه أسباب “انفجارٍ عالميٍّ جديدٍ”، يشبه “حربًا عالميةً ثالثةً”، لا تتورَّط الولايات المتحدة في خوضها إلاَّ في فَصْلِها الختامي، كما فَعَلَت، مِنْ قَبْل، وفي الحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص؛ فالتجربة التاريخية علَّمتها أنَّ انعزالها (عن العالَم، وإلى حين) مع تحرير كل صراعٍ كبير فيه من القيود، ومن قيودها هي في المقام الأوَّل، وتَرْكِ دوله، وتكتُّلاته الدولية والإقليمية، وشعوبه، وأُممه، نَهْبًا لحروب (قومية وعرقية ودينية وطائفية..) وحشية مدمِّرة، يَنْحَلُّ فيها، ويتفكَّك، كل “مُركَّب”، وتنشأ بعض المُركَّبات الجديدة، هو ما يكسبها مزيدًا من الطاقة والحيوية والقوَّة، ويؤسِّس لها هيمنة عالمية جديدة، تستمر زمنًا طويلًا؛ فالقرن الحادي والعشرون تريد له أنْ يكون قرنها وحدها، شاءت الصين أم أَبَت!
عزلتها الجديدة (والتي تشبه انسحاب جيشٍ انسحابًا تكتيكيًّا منظَّمًا) لن تكون تامَّة؛ ولن تشبه عزلتها القديمة إلاَّ قليلًا؛ فهي ستُزاوِج بين العزلة وبين الاحتفاظ بما يشبه مواقع استراتيجية عالمية متقدِّمة؛ وبدلًا من سياسة “إدارة الأزمات (والنزاعات والصراعات) والتَّحكُّم فيها”، والتي انتهجتها زمنًا طويلًا، ستَنْتَهِج سياسة مدارها “تحرير الأزمات” من كل قَيْد، وتَرْكها تنفجر، وتَرْك العالَم، من ثمَّ، نَهْبًا لـ”الفوضى الخلَّاقة”، التي مِنْ رحمها سيُوْلَد عالَم جديد، بدولٍ جديدة، وخرائط جديدة.
الولايات المتحدة ستعود إلى الاحتماء (من الحرائق العالمية) بذاك الدِّرْع الطبيعي القوي، وهو المحيط الأطلسي؛ وستحتمي الآن بترسانتها النووية الهائلة، وبنُظمها الدفاعية الجديدة التي تبقي أراضيها بمنأى عن مخاطر الصواريخ العابرة للقارات؛ أمَّا اقتصاديًّا فهي تستطيع، وإنْ عاشت في عزلة عن العالَم، إنتاج كل ما يلبِّي احتياجاتها؛ وهي الآن لديها من مصادِر الطاقة (ومن النفط والغاز) ما يفيض عن حاجتها؛ ولديها القسم الأعظم من احتياط الذهب في العالَم؛ ولن تَخْسَر إلاَّ ديونها الهائلة إنْ هي انعزلت اقتصاديًّا عن العالَم، تاركةً له تلالًا من “الورقة الخضراء”، وأشباهها؛ وقد يَسْتَبْدِل المتحاربون أسلحة تصنعها الولايات المتحدة بتلك التلال من “الورقة الخضراء”؛ فالحرب هي أكبر مستهلِك للسلاح. وبعد ذهاب الاتحاد السوفيتي ما عادت الولايات المتحدة تخشى إمبراطوريات في مقدورها تجميع قوميات وأعراق وطوائف دينية شتَّى في إقليم دولة واحدة، ولو بالإكراه؛ فَلِمَ لا تَشْرَع الولايات المتحدة تتصرَّف عالميًّا بما يُسهِّل ويُسرِّع انحلال وتفكُّك “المُركَّبات” في أوروبا وروسيا الاتحادية والصين والعالَم الإسلامي (والعربي)؟!
ويبدو أنَّ ما يشبه “الانفجار (الكوني) الكبير” Big Bang قد وَقَع، متَّخِذًا من العالَم الإسلامي والعربي مركزًا له؛ وتراقبه الولايات المتحدة (وهي تنسحب انسحابًا تكتيكيًّا منظَّمًا) قائلةً: دَعْهُم يتبادلون الهلاك والدمار والتَّفَتُّت..؛ ولسوف نعود لنَحْكُم العالَم (الجديد) بلا منازِع!
واليوم تعود الولايات المتحدة دولة مُصَدِّرة للنفط؛ فهي كانت حتى سنة 1970 دولة مُصَدِّرة للذهب الأسود. ومع تَعادُل إنتاجها مع استهلاكها في تلك السنة كَفَّت عن كونها دولة مُصَدِّرة..
حتى سنة 1970 كان لديها فائض في “مقدرتها الإنتاجية”؛ لقد كانت تملك القدرة على إنتاج نحو 3 ملايين برميل يوميًّا؛ فتزيد الإنتاج إذا أرادت خفض الأسعار، وتقلله إذا أرادت خفضها.
وبدءًا من سنة 1970 أصبحت دولة مستوردة، فما عاد في مقدورها أن تلعب لعبة التَّحَكُّم بالأسعار وهي التي تَنْظُر إلى “الإنتاج (لجهة مقداره)” و”السعر” على أنَّهما أمران يختصان بأمنها القومي، ولا تسمح، من ثمَّ، لكائن من كائن بـ”العبث” بهذا الجانب من أمنها القومي.
وثمة إيجابيات وسلبيات لانهيار أسعار النفط بميزان مصالح الولايات المتحدة (السعر الآن 30 دولارًا للبرميل):
الإيجابيات:
أولًا: اليوم تستورد الولايات المتحدة نحو 7 ملايين برميل يوميًّا. إنَّها تدفع الآن مبلغًا من المال (ثمنًا لهذه الكمية من النفط المستورَد) يقل عن المبلغ الذي كان يجب أنْ تدفعه من قَبْل بنحو 630 مليون دولار يوميًّا.
ثانيًا: خفض كلفة إنتاج السلعة في الولايات المتحدة في زمن الركود. الفرق في الكلفة يُقَدَّر بـ360 مليار دولار سنويًّا.
ثالثًا: هبوط أسعار الكهرباء والبنزين وسائر المشتقات النفطية في الولايات المتحدة (والمفارقة أنَّ هذا الهبوط تزامن مع ارتفاع أسعار الكهرباء والمشتقات النفطية في السعودية!).
رابعًا: تدمير أسعار النفط يصيب مقتلًا (على ما تتوقع الولايات المتحدة) من الاقتصاد الروسي (الذي يعتمد في نموه كثيرا على عائدات النفط والغاز) ويزلزل الأرض من تحت أقدام بوتين.
السلبيات:
أولًا: السعر الذي يقل عن 50 دولار للبرميل يصيب مقتلًا من قطاع الزيت الصخري في الولايات المتحدة، وقد يتسبب في وقف الاستثمار، لا بل الإنتاج، في هذا القطاع الذي من طريقه تُنْتِج الولايات المتحدة يوميًّا نحو 5 ملايين برميل، أي نحو نصف إنتاجها اليومي.
ثانيًا: إذا تعطل الإنتاج في هذا القطاع (الذي لا يمكنه العمل بسعر 30 دولارًا للبرميل) لا بدَّ عندئذٍ للأسعار من تعاوِد الصعود.
التوقعات:
أولًا: أنْ ينزل النفط الإيراني إلى السوق فيزيد المعروض، وتعرف الأسعار مزيدًا من الانهيار؛ وهذا يُلْحِق بروسيا مزيدًا من الأضرار المالية والاقتصادية والسياسية؛ مع التذكير بشعار الولايات المتحدة “دعهم يقتتلون نفطيًّا”؛ فمن طريق اقتتالهم تنتصر أميركا نفطيًّا.
ثانيًا: “تحرير” حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا من “الاستعمار الغازي الروسي”، وإخضاعهم لهيمنتها الغازية المباشِرة بتصدير غازها إليهم، أو غير المباشرة بجعلهم في تبعية غازية لمصادِر أجنبية تهيمن عليها الولايات المتحدة.
ثالثًا: بعد أنْ تبلغ حرب تدمير الأسعار منتهاها، تعود الولايات المتحدة إلى التحكم في الإنتاج بما يرفع الأسعار إلى حَدٍّ كافٍ لإعادة الحياة إلى قطاع إنتاج الزيت الصخري.
بسعر 30 دولارًا للبرميل يوشك قطاع إنتاج الزيت الصخري في الولايات المتحدة أن يتوقف عن العمل؛ وهذا يمكن أنْ يؤدي إلى خفض المعروض (إزالة الفائض) ورفع الأسعار من ثمَّ؛ لكن إيران سترمي بمخزونها النفطي الجاهز في الأسواق..!
بفائض في المعروض اليومي يبلغ نحو مليون برميل نفط فَقَدَ البرميل نحو 70% من قيمته.. والآن، ستزيد إيران هذا الفائض ليبلغ نحو مليون ونصف المليون برميل!
لقد وُلِدَت كارثة انهيار أسعار النفط من تضافر إغراق الولايات المتحدة للأسواق بكميات كبيرة من نفطها الصخري مع تراجع معدلات استهلاك النفط بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين وأوروبا مع استمساك السعودية بسياسة عدم خفض الإنتاج.

إلى الأعلى