الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نحن والثورة المعرفية

نحن والثورة المعرفية

علي بدوان

”بفضل برنامج “ألف موهبة” الذي يَهدِفُ لإعادة العلماء الصينيين العاملين بالخارج إلى الوطن الصيني تمكنت الصين من تحقيق تقدم كبير في ميدان التكنولوجيا، بفضل الإنفاق السخي على المختبرات وشراء براءات الاختراع وتشجيع الباحثين على نشر أعمالهم، وأصبحت الصين منافسًا جديًّا لباقي بلدان العالم المتقدمة في ميدان التكنولوجيا الحيوية.”

لم يَكُن جهابذة العلوم الأساسية على يقينٍ كامل بأن الثورة المعرفية سَتَدُقُ أبواب التاريخ بسرعات هائلة بعد حينٍ من الزمن. فقد كانت تقديراتهم أوائل القرن الماضي تقول بأن فوران وتدفق ثورة المعرفة يَحتاجُ لتراكمات مُتتالية في متوالية هندسية ليست عالية القوة (أُسَّها مُنخفض)، نتيجة ما تتطلبه من بحوثٍ علمية مُستفيضة، تحتاج بدورها لسنوات قد تكون طويلة، من البحث والتقصي ومن التجارب العلمية الميدانية، وخصوصًا منها علوم الطبيعيات وعلوم الجنس البشري والكائنات الحية. فتجارب الوراثة على الكائنات الحية احتاجت لدى العالم النمساوي المعروف (جورجيو ماندل) مراقبة تَغيّرات العوامل الوراثية عند أجيال مُتتالية من بعض النباتات والحيوانات التي راقبها نمو أجيالها في مُختبره الطبيعي على سبيل المثال، وكذا الحال بالنسبة للعلوم الأساسية المُتعلقة بالفيزياء والكيمياء وحتى علم الرياضيات التجريدي.
لكن الثورة الحقيقية في علوم المعرفة، والتي كَسَرَت كل التقديرات والتوقعات التي قال بها جهابذة العلوم الأساسية أوائل القرن العشرين، تَمت عمليًّا مع ثورة المعلوماتية والتقانات الناتجة عن تطور علم الإلكترونيات والجسيمات الدقيقة وما بات يُعرف بعلم (الأنفورماتيك)، وهو العلم الذي نَهَضَ بقوة في متوالية هندسية عالية القوة (أُسَّها مُرتفع)، وحقق قفزاتٍ تكاد تكون خيالية، وبشكلٍ فائق، خلال تسعينيات القرن الماضي وصولًا للوقت الراهن.
كانت ثورة الاتصالات، ومن نواتجها مواقع التواصل الاجتماعي من أعظم الإنجازات التي حققها تطور وسائل تقنيات الاتصالات، وعلوم الأنفورماتيك، حيث تُعتَبَر بحق إنجاز ثقافي وعلمي واجتماعي ومنبر لتبادل الأفكار على مر الزمان. فكم من ملايين الأفكار التي لم تكن لتجد طريقها إلى الناس بسبب عدم وجود منابر لتقديمها. أما الآن فكلما تأتت فكرة تجد طريقها إلى مواقع التواصل خلال ثوانٍ، بغض النظر عن أهمية الأفكار وقيمتها، المهم أنها ستجد طريقها كي تصبح مطروحة للنقاش، وبالتالي في الحكم على جودتها وأهميتها، ومدى الاستفادة منها، حال الاستخدام السليم والمُثمر والبنّاء لتلك الوسيلة.
وقد أعطى تطور علم التقانات والأنفورماتيك وقفزاته الهائلة، انعكاساته ونتائجه أيضًا، ومن خلال تقنياته على باقي أقسام العلوم الأساسية، ومنها علم البيولوجيا، وميادين الطب البشري، التي شَهِدت نتيجة لذلك تطورًا مُذهلًا توج عام 2000 بوضع الخارطة الجينية (الخارطة الصبغية) لجسم الكائن الحي، وللإنسان على وجه التحديد، وبروز مفهوم استنساخ الأعضاء المُختلفة للجسم الحي من الخلايا الجذعية.
لقد قَطَعَت البشرية أشواطًا هائلة على صعيد نهوض الثورة المعرفية ومُختلف أقسام العلوم الأساسية والتطبيقية، فيما بقيت العديد من بلدان العالم حتى الآن تَئِنُ تحت وطأة الاستعباد، والتفريط السخي بحياة الإنسان والثروة البشرية، حيث تَستَعِرُ نيران الأزمات في أكثر من مكان على امتداد المعمورة ومنها بلداننا العربية، ويُستباح الدم على امتدادها. وكأن البشرية ما زالت في العصر الحجري (العصر الذي يُطلق عليه علماء الطبيعيات مُسمى العصر الكامبري أو حتى العصر البري كامبري). في وقتٍ تسعى فيه القوى الخيّرة في العالم، وعلى رأسها منظومات المجتمع المدني المستقلة والفاعلة، وحركة شعوب العالم وقواها الديمقراطية المتحضرة، من أجل حل الاستعصاءات الكبرى التي تَعتَرض مسيرة وحياة وكرامة الإنسان، فيما تَعمل مراكز القرار في العديد من دول الاحتكارات الكبرى على إدامة الأزمات الدولية وملفاتها المُعقّدة، حيث تُزهق الأرواح البريئة على مذبح تلك الأزمات، ويطفو على السطح تجار السلاح وتجار الأزمات الدولية، ومُصدريها إلى العالم الثالث.
إن الاهتمام بالعمل البحثي والمعرفي في ميادين مُختلف أقسام العلوم، بات دالة قطعية على مدى تقدم ونهوض الدول والشعوب في العالم. إن دولة كبرى لجمهورية الصين الشعبية، ورغم الفساد والرشوة في عموم مفاصل الدولة والنظام والحزب الحاكم، وخصخصة بعض القطاعات، فقد ارتفع إنفاقها على قطاع الأبحاث العلمية والتنمية المستدامة إلى أربعة أمثاله في الفترة من (2005 إلى 2013) وبلغ (191) مليار دولار، وذلك وفقًا لما أعلنته العديد من المصادر المُطلعة، بما في ذلك وكالة رويترز العالمية التي كانت قد أجرت تحقيقًا ميدانيًّا بهذا الشأن قبل عامٍ مضى من داخل الصين.
وبفضل برنامج “ألف موهبة” الذي يَهدِفُ لإعادة العلماء الصينيين العاملين بالخارج إلى الوطن الصيني تَمَكَنَت الصين من تحقيق تقدم كبير في ميدان التكنولوجيا، بفضل الإنفاق السخي على المختبرات وشراء براءات الاختراع وتشجيع الباحثين على نشر أعمالهم، وأصبحت الصين منافسًا جديًّا لباقي بلدان العالم المتقدمة في ميدان التكنولوجيا الحيوية، مثلا، وتعديل “الجينات”، حيث سجلت أكثر من خمسين مؤسسة صينية براءات اختراع في هذا الحقل تتصدرها الأكاديمية الصينية للعلوم، وإضافة إلى الموارد الهامة، تترك الدولة هامشًا كبيرًا من الحرية للمؤسسات البحثية ولكبار العلماء، كي يتفاعلوا بسرعة مع ما يجري في ميادينهم على الصعيد العالمي، ووافقت الدولة الصينية على تنفيذ تجارب مثيرة للجدل مثل العلاج الجيني لسرطان المخ والعنق منذ 2003، وفي ميدان الزراعة، سمحت الدولة بتجربة الزراعات المعدلة جينيا (الذرة وفول الصويا والأرز وأنواع كثيرة من الخضار والفواكه)، باعتماد ما تسمى “تكنولوجيا كريسبر”، سهلة الاستخدام ورخيصة التكاليف ولا تحتاج إلى الكثير من المعرفة للاستفادة منها.
وفي هذا السياق، يحظى البحث العلمي في الدول المتقدمة بمكانة كبرى، وذلك نظرًا لدوره البنيوي في تأسيس قواعد الدولة، فضلًا عن كونه شرطًا محوريًّا لديمومتها، وتفوقها. هذا ما أدركته مبكرًا الحركة الصّهيونية التي شرعت بتأسيس عدد من المعاهد العلمية، ومراكز البحوث التي سبقت في وجودها تأسيس الكيان “الإسرائيلي” على أرض فلسطين العربية، ومنها معهد (التخنيون) في حيفا سنة 1921، والجامعة العبرية في القدس سنة 1925. وهكذا فإن البحث العلمي يعدّ خيارًا استراتيجيًّا في “إسرائيل”.
وتشير مصادر موثوقة أن الإنفاق على عمليات البحث العلمي مستمرة وبشكلٍ سخي في “إسرائيل” التي تصرف سنويًّا مبالغ مالية طائلة على مراكز البحث العلمي وعلى تنميتها وتشجيع الكفاءات. فيما تغرق معظم بلداننا العربية في أزماتٍ مستديمة تجعل من مسألة البحث العملي مسألة مهملة لا تحظى لا بالحضور المطلوب، ولا بالاعتماد المالي اللازم. فالبحث العلمي عربيًّا، يأتي في مواقع متأخرة عالميًّا، وهو أقرب إلى الهامشي والثانوي في سياسات معظم الدول، علاوة على كونه غير حقيقي، فضلًا عن أنه غير موجه بالطريقة المرجوة والصحيحة.

إلى الأعلى